أثمرت الوساطات الدولية والإقليمية الضاغطة على دول التحالف الرباعي ــ السعودية والإمارات والبحرين ومصر ــ عن إنجاز الإطار الإجرائي للمصالحة مع قطر كخريطة طريق لإنهاء المقاطعة التي بدأت عام 2017، وكانت الدول الأربعة قد حددت ثلاثة عشر شرطا لتغيير موقفها من قطر واعتبرتها ضرورية لتحقيق المصالحة وعودة العلاقات الطبيعية. وشهد العام الماضي بصفة خاصة إصرارا من الدول الأربعة على موقفها وعدم تقديم تنازلات فيما يتعلق بهذه الشروط، وطوال العام الماضي توالت التحركات سواء الخليجية أو الأمريكية لإلغاء المقاطعة وإعادة العلاقات بين دول التحالف الرباعي وقطر، ونشرنا في مقال سابق، أن جهود الوساطة على هذا المستوى اختلفت دوافعها وأهدافها بين الأطراف الخليجية والولايات المتحدة الأمريكية.
الوساطة الأمريكية: أهداف وظيفية
تعددت التحركات الأمريكية والاتصالات على أعلى المستويات مع المسئولين في دول التحالف الرباعي لوقف المقاطعة وإعادة العلاقات مع قطر، وأجرت شخصيات أمريكية لها وزنها مثل جاريد كوشنر كبير مستشاري الرئيس الأمريكية مباحثات مكثفة لهذا الغرض، كما مارست الولايات المتحدة ضغوطا مكثفة على أطراف التحالف وتم التلويح بإعادة فتح ملفات كان ترامب حريصا على ألا تُفتح وتحمل تهديدا لبعض دول التحالف لتحقيق الهدف من المصالحة. ورغم ما أعلنته الولايات المتحدة الأمريكية من ضرورة توحيد الصف الخليجي لمواجهة الخطر الإيراني وعدم ترك قطر تحت السيطرة الإيرانية وهو أمر لا يتفق مع طبيعة الاستراتيجية الأمريكية الحقيقية في المنطقة خاصة بالنظر إلى ما يلي:
١. العلاقات الإيرانية – القطرية تتم برضا أمريكي ودون اعتراض واضح لأهداف مستترة شأنها في ذلك شأن العلاقات بين سلطنة عمان وإيران والتي لم تشهد انتقادات حادة أمريكية خلال العام الماضي، وعلى اعتبار أن كلا منهما يقوم بأدوار وساطة عند الضرورة تخدم المصالح الأمريكية.
٢. إن الهدف الأساسي للتحرك الأمريكي على هذا المستوى هو توفير مناخ وأرضية مناسبة لشراكة استراتيجية خليجية إسرائيلية تندمج فيها إسرائيل ضمن تحالف إقليمي كانت تسعى إليه الولايات المتحدة منذ سنوات وتجعل من الخطر الإيراني هدفا رئيسيا لهذا التحالف استكمالا للضغوط القصوى التي مارستها الإدارة الأمريكية على إيران.
وفى تقديري أن من ضمن الأهداف الأمريكية على هذا المستوى التأثير على طبيعة التحالف الرباعي الذي يحد من فكرة الاندماج الإقليمي لإسرائيل ويعوض ضعف جامعة الدول العربية وعجزها عن القيام بدور كبير فى ظل المواقف المتناقضة لدول التأثير داخلها. كما أنه رغم الضغوط والعداء الأمريكي للنظام الإيراني إلا أن كثيرا من المراقبين يرون أن الهدف الاستراتيجي الأمريكي ليس إسقاط النظام الإيراني وتكرار تجربة العراق لاختلاف طبيعة البلدين والمناخ السائد حاليا في الإقليم والعالم والتداعيات السلبية المترتبة على ذلك، ولكن تغيير اتجاهات هذا النظام وقطع أذرعه مع استثمار ذلك في توظيفه لتحقيق الاستراتيجية الأمريكية، كما أن هناك حرصا على أن تبقى إيران ممثلة للمذهب الشيعي باقية للتوافق مع طروحات المفكرين الأمريكيين بأن الخطر الإسلامي على الحضارة الغربية يمكن مواجهته باستمرار الانقسام المذهبي ـ شيعي سنى – واستثمار الإسلام السياسي السنى لتنفيذ أهداف السيطرة الأمريكية في النهاية.
الوساطة الخليجية: تكتيك الانفتاح المحسوب
تصدرت الكويت جهود الوساطة مدعومة من سلطنة عمان وعقدت لقاءات مكثفة بين كبار المسئولين في البلدين مع كل من أمير قطر والمسئولين في السعودية بصفة خاصة، وركزت هذه الوساطة على تحقيق خطوة انفتاح أولية يمكن أن ترتب نوعا من الثقة وتحسين العلاقات على أن تستثمر لاحقا في مناقشة القضايا الخلافية، وبدا نوع من إرجاء التفاهم مع مصر لمرحلة لاحقة، وأكدت مصادر خليجية في ذلك الوقت أن هناك انفتاحا سعوديا واضحا على تلك الوساطة، وأكدت في نفس الوقت أن هناك تحفظات لدولة الإمارات والبحرين ومصر عليها، وتبلورت خشية لدى أطراف الوساطة من أن يحدث انقسام خليجي، إلا أن الدول الثلاثة حرصت على إعطاء فرصة للسعودية لقيادة التفاوض مع قطر تحقيقا لتلك المطالب بصورة أساسية.
“إعلان العُلا”: انفراجه أولية
صدر إعلان العلا بعد اجتماعات القمة الخليجية متضمنا الاتفاق على إعادة العلاقات السياسية بين السعودية وقطر وفيما يتعلق بهذا الإعلان نشير للملاحظات التالية:
أنه جرى العرف على أن يتم إعداد البيانات التي تصدر عن اجتماعات رسمية قبل الجلوس إلى مائدة الاجتماع، إلا أن تأخير إصدار البيان وغموض ما ورد فيه يؤكد أن هناك خلافات حتى اللحظة الأخيرة، وأنه جرى البحث عن صياغات عامة لا تُحمل طرفا المسئولية ولا تحدد بالقطع ما تم تحقيقه وإلزام الأطراف به.
تصريحات وزير الخارجية السعودي والتي ركزت في الأساس على أن استعادة العلاقات مع قطر يفتح صفحة جديدة لتحقيق أمن واستقرار المنطقة قد تضمنت أيضا تضامن الأطراف في عدم المساس بسيادة أية منها ووقوفها التام فيما يخل بالأمن الوطني والإقليمي ومواجهة الكيانات الإرهابية وهى صياغة عامة لكنها تشير إلى بعض الشروط التي طالبت دول التحالف بتطبيقها.
الثابت هنا أن الأطراف المعنية توصلت إلى هذه الصياغة لتحقيق الانفراجة من خلال فتح المجالات الجوية وتفويض السعودية في استكمال التفاوض مع قطر لمحاولة وضع قواعد عدم التدخل والاتفاق على القضايا التي تمسنا جميعا بما في ذلك التطرف والإرهاب واعتبار أن ذلك جزء لا يتجزأ من الاتفاق. والثابت أيضا أنه لا تزال هناك تحفظات لكل من الإمارات والبحرين ومصر وأن البيانات التي صدرت من الدول الثلاثة بهذا الخصوص حرصت على تأكيد دعم كل ما يحقق الأمن القومي العربي دون إشارات واضحة لتغير في علاقاتها مع قطر وانتظار ما يسفر عنه الدور السعودي لاحقا. علاوة على غموض الموقف القطري وعدم صدور بيان قطري يتناول ما تم مناقشته وتفاصيل الاتفاق. كما تناولته المصادر الإعلامية الخليجية خاصة الإماراتية والبحرينية بنوع من التحفظ.
ماذا بعد؟
المصالحة إذن مهدت الطريق لتحقيق انفراجه جزئية يمكن أن يُبنى عليها إذا صدقت النوايا القطرية، وإذا تم تنفيذ مطالب مهمة للدول الثلاثة. وفى التقدير أن القيادة السعودية رأت أن الانفتاح على قطر– وهو ما تحقق سريعا ومفاجئا لكل المراقبين ــ يمكن أن يساهم في تحقيق الوصول إلى تفاهمات على هذا المستوى، يكون قد تم التوافق مع الضغوط التي مُورست عليها وصياغة موقف خليجي متماسك يواجه التطورات القادمة في منطقة الخليج والتعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة التي لا تختلف مع جوهر الاستراتيجية الأمريكية السابقة فيما يتعلق بالاندماج الإقليمي لإسرائيل.
وسوف يرتهن تحقيق إنجازات فعلية خلال الفترة القادمة على ما تبديه قطر من تجاوب خاصة فيما يتعلق بتحركاتها الإقليمية التي تمس الأمن القومي المباشر بصفة خاصة لكل من مصر والبحرين وتبنيها لتنظيم الإخوان المسلمين ورعايتها لمنابره الإعلامية، خاصة أن هذه قضية لا تمس مصر وحدها ولكن الدول الخليجية بما فيها السعودية التي أعلنت أنه تنظيم إرهابي.
ويبقى أن هذه المصالحة التي أكدت القيادات الخليجية أنها إعادة التماسك لمجلس التعاون الخليجي محدودة التأثير؛ حيث إن المجلس يعاني من ضعف واضح لمنظمة إقليمية كان لدى مؤسسيها طموحات كبيرة، إلا أن تناقض مواقف بعض الدول داخلها في المدى التي يمكن أن تصل إليها هذه الصيغة تجعل من تحقيق إنجازات كبيرة على هذا المستوى رهينة بتغير مواقف تلك الدول وقبولها لمزيد من التنسيق، خاصة فى ظل مناخ دولي يتناقض مع صيغة التحالفات الجماعية وسياسة أمريكية تفرض أبعادا أخرى لمثل هذه الصيغة.
ــــــــــــ
نقلا عن جريدة الشروق، الخميس ٧ يناير ٢٠٢١.