وحدة الدراسات العربية والإقليمية

حرب غزة 2021: هل تقود نتنياهو لتشكيل الحكومة؟

تشهد إسرائيل تصعيدًا عسكريًا مع الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة وعلى رأسها حركة حماس هو الأشرس منذ حرب عام 2014، ويأتي التصعيد بعد تصاعد التوتر في مدينة القدس وحدوث صدامات عنيفة بين الشرطة الإسرائيلية والفلسطينيين امتدت إلى الحرم القدسي وأدت إلى إصابة المئات في صفوف المتظاهرين الفلسطينيين. وعلى الصعيد الداخلي، شهدت المدن الإسرائيلية المختلطة أسوأ موجة عنف منذ سنوات. وقد جاء كل ذلك في ظل حالة من الجمود السياسي التي انخرطت فيها إسرائيل على مدار عامين ونصف بسبب الإخفاقات المتتالية في تشكيل حكومة موحدة، والتي كان آخرها في مارس 2021 عندما فشل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تشكيل ائتلاف حكومي؛…

هبة شكري
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية

تشهد إسرائيل تصعيدًا عسكريًا مع الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة وعلى رأسها حركة حماس هو الأشرس منذ حرب عام 2014، ويأتي التصعيد بعد تصاعد التوتر في مدينة القدس وحدوث صدامات عنيفة بين الشرطة الإسرائيلية والفلسطينيين امتدت إلى الحرم القدسي وأدت إلى إصابة المئات في صفوف المتظاهرين الفلسطينيين. وعلى الصعيد الداخلي، شهدت المدن الإسرائيلية المختلطة أسوأ موجة عنف منذ سنوات. وقد جاء كل ذلك في ظل حالة من الجمود السياسي التي انخرطت فيها إسرائيل على مدار عامين ونصف بسبب الإخفاقات المتتالية في تشكيل حكومة موحدة، والتي كان آخرها في مارس 2021 عندما فشل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تشكيل ائتلاف حكومي؛ وبناء عليه كلّف الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، في الخامس من مايو الجاري، رئيس حزب “يوجد مستقبل”، يائير لابيد، بتشكيل حكومة موحدة خلال 28 يومًا؛ إلا أن تصاعد التوتر العسكري مع قطاع غزة وأعمال العنف داخل إسرائيل تنذر بفشل تشكيل حكومة بقيادة لابيد، وتمنح رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو انفراجة ضئيلة لإنقاذ مستقبله السياسي.

لقد جاء التصعيد الأخير بين الفلسطينيين وإسرائيل ليربك حسابات لابيد ويوجه ضربة قوية لمنافس نتنياهو الأبرز الذي يسعى للإطاحة به، فلم تعُد مخاوف لابيد –المنتمي لمعسكر الوسط- تتمثل في الخلاف الأيديولوجي مع أحزاب اليمين أو الحصول على دعم النواب العرب في الكنيست، أو حتى إقناع الجمهور الإسرائيلي بأن معسكره قادر على التعامل مع أحداث العنف الدائرة وإنقاذ مصير الدولة، بل إن موقفه بات أضعف مما كان عليه قبل اندلاع الأحداث الأخيرة، ويرجع ذلك بالأساس إلى تخلي “نفتالي بينيت”، زعيم حزب يمينا، عن محادثات الائتلاف مع لابيد وتفضيله تشكيل حكومة وحدة أوسع‎، ليشكل ضربة أخرى تُضعف موقف لابيد وتسهم في تراجع فرصه لتشكيل حكومة التغيير.

وعلى الرغم من تزايد المؤشرات التي ترجح أن تصب الأحداث الأخيرة في مصلحة رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو”، إلا أن العديد من التساؤلات لا تزال مطروحة حول مدى تأثير التصعيد الأخير على مسار تشكيل الحكومة. فهل تخلي بينيت عن لابيد هو بمثابة فشل مؤكد للأخير، أم إنه يمكن أن يستغل التصعيد الأخير ومعارضة الداخل الإسرائيلي لسياسات الحكومة الحالية في صالحه للإطاحة بنتنياهو؟ وهل تشكل الأحداث طوق نجاة لنتنياهو لإنقاذ مصيره السياسي، أم تكون سببًا في القضاء عليه؟.

نظرة على المشهد الحالي

تنذر الأوضاع الأمنية التي تشهدها إسرائيل على الصعيدين الداخلي والخارجي خلال الأيام بفشل جهود يائير لابيد لتشكيل حكومة، إذ فتحت أعمال العنف بين إسرائيل وغزة جبهة جديدة لتأجيج التوتر بين اليهود الإسرائيليين والأقلية العربية، حيث ارتفعت وتيرة العنف واندلعت اشتباكات في الشوارع مما دفع الرئيس الإسرائيلي للتحذير من حرب أهلية داخل إسرائيل.

في الوقت ذاته، انحسرت آمال لابيد بتشكيل حكومة وحدة بعد تخلي بينيت عن مفاوضات الائتلاف وإعلانه العودة للتفاوض مع الليكود بغرض تشكيل حكومة موسعة قادرة على مواجهة العنف الدائر في البلاد. وعلى الصعيد الآخر، فقد بعثت تلك الخطوة الروح من جديد لنتنياهو ورفعت من آماله بشأن منحه مزيدًا من الوقت للنجاة بمصيره السياسي، حيث يعتقد أن تفضي تلك الخطوة إلى الذهاب إلى جولة خامسة من الانتخابات، أو إجراء انتخابات خاصة مباشرة لمنصب رئيس الوزراء.

في السياق ذاته، مما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا أنه في ظل الفوضى المتزايدة في الداخل، والقتال الأخير مع قطاع غزة، التي أطلقت فصائلها المسلحة آلاف الصواريخ على تل أبيب ومدن إسرائيلية أخرى، فقد يقوض ذلك دعم نتنياهو، وفي الوقت ذاته يقضي على أية آمال في حصول لابيد على دعم النواب العرب –وعلى رأسهم منصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة، الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية– إذ بات من غير الممكن أن يتم تشكيل حكومة تنادي بحقوق الأقلية الفلسطينية وتتحدث عن حقوق المواطنة لدى العرب في ظل احتدام القتال والحديث عن المخاوف من اندلاع حرب أهلية في المدن المختلطة.

في وقت سابق، كان يمكن للتحالف المناهض لنتنياهو أن يجمع اليسار واليمين، مع تولّي بنيت رئاسة الحكومة، وضمّه حزبًا يمثّل عرب 48، في إطار مجموعة متنوّعة توحّدت أساسًا بهدف الإطاحة بنتنياهو، لكنها تفتقر للتوافق على أغلب الموضوعات الأخرى؛ لكن الآن تضاءلت كافة التوقعات بتشكيل ائتلاف يجمعه فقط هدف الإطاحة بنتنياهو في ظل المأزق السياسي الذي تمر به إسرائيل. وعلى الصعيد الآخر، فبالرغم من تزايد الانتقادات الموجهة لنتنياهو وإلقاء اللائمة عليه في جميع أعمال العنف التي تشهدها البلاد بسبب سياساته السابقة تجاه فلسطينيي الداخل، فضلًا عن الانتقادات الموجهة لتعامل حكومته مع الأزمة الراهنة؛ إلا أنه المستفيد الوحيد من الوضع الحالي، فبعد أن أوشك منافسوه على تشكيل حكومة جديدة تدفعه خارج الحكم، إلا أن اندلاع العنف قد منحه مزيدًا من الوقت لاتخاذ خطوات سياسية قد تبقيه في السلطة وتساعده في الهروب من اتهامات الفساد التي تلاحقه.

نتنياهو يبحث عن الانتصار الوهمي للنجاة

في الوقت الذي يواجه فيه بنيامين نتنياهو حربًا سياسية لإقصائه عن الحكم، وأخرى عسكرية مع الفصائل الفلسطينية، يسعى رئيس الوزراء للاستفادة من الوضع الحالي بشتى الطرق. حيث يتمثل همه الأكبر الآن في تفويت الفرصة على تشكيل حكومة بديلة تمثل نقطة النهاية لمستقبلة السياسي. لذا، ينصب تركيزه الآن على تحسين صورته أمام الجمهور الإسرائيلي، والاستفادة من التطورات الحالية في ضوء تزايد احتمالات الذهاب إلى انتخابات خامسة.

على المستوى السياسي، بذل نتنياهو كل ما في وسعه لتقويض لابيد، إذ دعا، فور الإعلان عن تكليف لابيد بتشكيل الحكومة، زعيم حزب يمينا نفتالي بينيت وأعضاء حزبه إلى عدم المشاركة في الحكومة التي يرتقب أن يشكلها يائير لابيد، والتقى قادة الأحزاب اليمينية، واتفقوا على معارضتهم لحكومة يسارية برئاسة زعيم حزب “يش عتيد”. وبالفعل نجح في التأثير على نفتالي بينيت وضمه لصفه، وشق صف المعارضة التي كانت على وشك التوافق للإطاحة به، وفي اليوم الخامس للعدوان على غزة، خلال اجتماع مع طاقم مفاوضات الليكود عقد في مقر وزارة الأمن في تل أبيب، تقدم نتنياهو الاتصالات بين الليكود ويمينا لتشكيل حكومة يمين ضيقة في حال انتهاء مهلة تكليف لابيد وفشله في تشكيل حكومة.

بالتوازي مع ذلك، دعا نتنياهو عضو الليكود السابق “جدعون ساعر، الذي انشق عن الحزب بنهاية عام 2020 لتشكيل حزبه، للانضمام إليه في حكومة يمينية تحمي الهوية اليهودية والمستوطنات في الضفة الغربية المحتلة. وكان ساعر قد ترك صفوف الليكود بعد اتهام نتنياهو بالفساد والاحتيال وخيانة الأمانة، واتهمه بوضع مصالحه الشخصية قبل مصالح البلاد.

وعلى المستوى الأمني، يتعرض نتنياهو لقدر هائل من الانتقادات، في الأيام الأخيرة بصورة خاصة، بسبب انهيار القانون والنظام داخل إسرائيل في البلدات المختلطة بين اليهود والعرب، ويتهمه البعض بأنه المتسبب الرئيسي في انفجار الأوضاع داخل المدن العربية، حيث ساهم في ذلك من خلال تمرير قانون “الدولة القومية” في يوليو 2018، معلنًا أن اليهود وحدهم لديهم الحق الحصري في تقرير المصير في إسرائيل، فضلًا عن احتضانه الجماعات العنصرية المعادية للعرب، وسماحه بقمع فلسطينيي الداخل وإقصائهم من الحياة السياسية وغير ذلك من سياسات مهدت الطريق أمام الاشتباكات الدائرة الآن بين العرب واليهود الإسرائيليين.

أخيرًا، يمكن القول إن هناك علاقة وطيدة بين التصعيد الإسرائيلي مع الفلسطينيين والمأزق السياسي الذي يمر به نتنياهو بعد فشله في تشكيل الحكومة، ومع أنه لا يمكن الجزم بأنه افتعل الأحداث الأخيرة، فإنه بلا شك ساهم بشكل مباشر في التصعيد بعد تحريك ملف إجلاء الأسر الفلسطينية من حي الشيخ جراح، والدفع باقتحام المسجد الأقصى ثم إعلان الحرب على قطاع غزة لتحقيق بعض المكاسب السياسية والدخول في حالة طوارئ تمكنه من البقاء لفترة أطول وتقضي على احتمالات تشكيل حكومة بديلة. وليست تلك الاستراتيجية بجديدة على نتنياهو، حيث اعتاد اختلاق الأزمات في كل مأزق يمر به، ليظهر في صورة مخلص إسرائيل الوحيد القادر على حمايتها من أي تهديد. والآن، عليه استغلال الأحداث إلى حين التوصل إلى تحقيق النصر الوهمي الذي يستطيع أن يظهر به كبطل لإسرائيل، وهو السبيل الوحيد للبقاء في منصبه والفرار من المحاكمة.

هبة شكري
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية