الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية

التعايش الهشّ: المواجهات بين “عرب 48” والنظام السياسي الإسرائيلي

“اعتداء وحشي على الوجود المشترك”، هكذا وصف الرئيس الإسرائيلي رؤوف ريفيلين المواجهات بين الأقلية العربية واليهود الإسرائيليين في المدن المختلطة، وخاصة في مدينة “اللد”، التي اندلعت عقب مواجهات الشيخ جراح بالقدس الشرقية المحتلة في مايو 2021. هذه المصادمات بين العرب واليهود اعتبرها البعض نذير “حرب أهلية ممتدة” في إسرائيل. مشاهد المصادمات بين العرب واليهود الإسرائيليين، وارتفاع وتيرة الاشتباكات إلى حد فرض حالة الطوارئ وحظر التجوال الليلي في اللد في أول استخدام لسلطة الطوارئ ضد التجمعات السكانية العربية منذ 1966؛ يُعد نقطة هامة وربما فاصلة في العلاقة بين المجتمع العربي وتل أبيب، خاصة أن المشهد يأتي عقب فترة اعتبرها مراقبون تمهيدًا…

أكرم ألفى
باحث في العلاقات الدولية

“اعتداء وحشي على الوجود المشترك”، هكذا وصف الرئيس الإسرائيلي رؤوف ريفيلين المواجهات بين الأقلية العربية واليهود الإسرائيليين في المدن المختلطة، وخاصة في مدينة “اللد”، التي اندلعت عقب مواجهات الشيخ جراح بالقدس الشرقية المحتلة في مايو 2021. هذه المصادمات بين العرب واليهود اعتبرها البعض نذير “حرب أهلية ممتدة” في إسرائيل.

مشاهد المصادمات بين العرب واليهود الإسرائيليين، وارتفاع وتيرة الاشتباكات إلى حد فرض حالة الطوارئ وحظر التجوال الليلي في اللد في أول استخدام لسلطة الطوارئ ضد التجمعات السكانية العربية منذ 1966؛ يُعد نقطة هامة وربما فاصلة في العلاقة بين المجتمع العربي وتل أبيب، خاصة أن المشهد يأتي عقب فترة اعتبرها مراقبون تمهيدًا لصياغة “معادلة التعايش” بين “عرب 48” والنظام السياسي الإسرائيلي لتنقلب بين ليلة وضحاها إلى “نذير حرب أهلية”.

معادلة “التعايش” الهشة:

دخلت نخب إسرائيلية منذ بداية 2021 في حوار بشأن إمكانية صياغة معادلة جديدة للتعايش بين الأقلية العربية والنظام السياسي، في ظل هدوء طويل ومستمر في المدن العربية والمختلطة، إلى جانب ارتفاع نسبي في معدلات رضا عرب إسرائيل عن تحقيق طموحاتهم الشخصية داخل الدولة العبرية. وزاد على ذلك التشارك مواجهة جائحة “كورونا” التي نجحت خلالها المؤسسات الصحية الإسرائيلية في توفير اللقاحات والرعاية الصحية بشكل مُرضٍ لعرب 48، إلى جانب ظهور حالة تضامنية نادرة بين العرب واليهود في مواجهة الجائحة بالمدن المختلطة. وكان أحد تعبير هذا التضامن بروز الكادر الطبي العربي كجزء رئيسي من المعركة، حيث يمثل العرب 20% من الأطباء والصيادلة في الدولة العبرية.

وزاد على ذلك أجواء وإفرازات الانتخابات الإسرائيلية في مارس 2021، حيث سعى بنيامين نتنياهو إلى كسب ود الأقلية العربية بالحديث عن التعايش، والحديث عن عزمه تعيين وزير عربي بالحكومة للمرة الأولى في تاريخ “الليكود”، إلى جانب التعهد بتخصيص المزيد من الأموال لمواجهة الجريمة والعنف في المدن العربية التي عانت لسنوات من اختلال أمني واضح.

وبالتوازي مع مغازلة نتنياهو للأقلية العربية لكسب أصواتها والحديث بشكل مباشر عن “مهمة وطنية قومية” لتحقيق شعور السكان العرب بالأمان في إسرائيل؛ كان صعود “القائمة العربية الموحدة” (الحركة الإسلامية الجنوبية) بقيادة منصور عباس في الانتخابات وفوزها بـ4 مقاعد بالكنيست لتتحول إلى “بيضة القبان” في تشكيل الحكومة الائتلافية.

فقد سعى منصور عباس إلى كسر كافة “الخطوط الحمراء” في علاقة الأقلية العربية بالنظام السياسي الإسرائيلي، حيث قدم التكتيكات البراجماتية على القواعد الراسخة في العلاقة منذ 1948، بإعلان قبوله الانضمام إلى حكومة ائتلافية يقودها نتنياهو أو المعارضة، إلى جانب تركيزه على قضايا الميزانية وتوفير الخدمات للقطاع العربي على حساب قضايا الهوية ومعارضة التمييز المؤسسي ورفض قانون القومية اليهودية (2018). 

وعقب الانتخابات، اندفع منصور عباس قدمًا في رفع راية الاندماج داخل النظام السياسي الإسرائيلي عبر اجتماعات مع قيادات أحزاب صهيونية، واقتناصه تشكيل لجنة خاصة لشئون المجتمع العربي في الكنيست برئاسته، وهي اللجنة التي اعتبرها بمثابة وسيلة للمجتمع العربي لطرح قضاياه أمام الكنيست والحكومة، فيما وصفتها قيادات “القائمة العربية المشتركة” بأنها تقود إلى عزل قضايا العرب عن القرار السياسي، ورشوة للقائمة الموحدة بهدف خلق “جيتو” برلماني للعرب وعزله عن مواجهة التمييز المؤسسي ضد عرب 48. 

وهكذا فإن التفاؤل بمرحلة جديدة في العلاقة بين العرب والنظام السياسي كان لها أسبابها المنطقية، منها مغازلة “الليكود” ونتنياهو وأحزاب يمينية للتجمعات العربية في الانتخابات، وصعود تيار منصور عباس “البراجماتي”، وارتفاع سقف التوقعات بشأن نتائج اتفاقات السلام والتطبيع بين الدولة العبرية وعدد من الدول الخليجية والسودان والمغرب وانعكاساتها على الداخل الإسرائيلي، إلى جانب المشهد “التضامني” في مواجهة جائحة “كورونا”. 

وتسرب هذا التفاؤل إلى المجتمع الإسرائيلي، الذي كشفت استطلاعات للرأي عن قبول أكثر من 48% منه تشكيلَ حكومة ائتلافية تدعمها أحزاب عربية مقابل 23% فقط في 2019، إلى جانب ارتفاع نسبة رفض فكرة إخراج التجمعات العربية خارج حدود الدولة العبرية في اتفاق سلام مستقبلي.

إن الحديث داخل النخب الحاكمة في إسرائيل قبل مايو 2021 كان يتمركز في علاقته بالأقلية العربية على القدرة على تخصيص الميزانيات لتحسين الأوضاع الاجتماعية، وتوفير الخدمات والأمن في المدن العربية والمختلطة بهدف دفع 1.9 مليون من “عرب 48” (21% من السكان) إلى مزيد من الاندماج، وعزلهم عن تيار “المواجهة” الذي تقوده القائمة العربية المشتركة وقياداتها متمثلة في أحمد الطيبي وأيمن عودة.

ولكنّ هذا الواقع انقلب بين ليلة وضحاها، ليعيد معادلة المواجهة إلى العلاقة بين الأقلية العربية والنظام السياسي الإسرائيلي. 

الأقلية العربية والتمييز المؤسسي:

تعاني الأقلية العربية في إسرائيل من تمييز مؤسسي واضح. وعلى الرغم من أنهم مواطنون إسرائيليون وفقًا للقانون، فإن التمييز مرتبط بتعريف إسرائيل لنفسها كـ”دولة يهودية” مما يجعلهم في الواقع “مواطنين درجة ثانية”.

العرب في إسرائيل يعانون من تمييز واضح في التوظيف نتيجة منعهم من الخدمة بالجيش والمؤسسة العسكرية، في تعبير واضح عن أزمة ثقة مستمرة بين النظام السياسي والتجمعات الفلسطينية التي نجحت في الحفاظ على هويتها والبقاء في أراضيها بعد نكبة 1948. وتزايد الشعور بالتمييز خلال العقود الأخيرة لدى الطبقة الوسطى الجديدة من العرب بسبب سياسة مصادرة الأراضي وعدم قدرتها على تلبية تطلعاتها في توافر المسكن المناسب عبر “التمييز العمراني” المتواصل. ففي المدن المختلطة، يعيش العرب في الضواحي التي لا تحصل على نفس الخدمات المقدمة للأحياء أو البلدات المأهولة باليهود الإسرائيليين. 

وعلى الرغم من التحسن النسبي خلال السنوات الماضية نتيجة ارتفاع معدلات الحصول على الشهادات الجامعية، وانخفاض نسبة البطالة في الوسط العربي؛ إلا أن أزمة الثقة في مؤسسات النظام السياسي الإسرائيلي ظلت مستمرة، في ظل قانون “قومية الدولة” الذي أقره الكنيست في 2018 وجعل حق تقرير المصير يقتصر على “الشعب اليهودي”، وإلغاء مكانة اللغة العربية كلغة رسمية، إلى جانب منح القوانين الأفضلية في الحصول على جواز السفر الإسرائيلي لليهود على حساب العرب.

إن انخراط قسم من النخبة العربية بقيادة منصور عباس و”الحركة الإسلامية” في الاندماج بالنظام السياسي لم ينجح في فرض واقع جديد، حيث إن هذا الاندماج لم يكن قائمًا على تغيير قواعد اللعبة ووضع نهاية للتمييز المؤسسي، بل سعى إلى تحسين قواعد اللعبة فقط. ورغم جاذبية هذا الموقف لقسم من الأقلية العربية، خاصة تلك التي تقطن البلدات المختلطة، إلا أن هشاشته ظهرت مع أول أزمة.

وبالتوازي، فإن خطاب نتنياهو “التصالحي” مع العرب لم يصمد طويلًا، ليخرج عقب مواجهات المدن العربية والمدن المختلطة متحدثًا بلغته اليمينية، ومشددًا على أن أنه سيفرض النظام والقانون “بقبضة من حديد” والتوعد برد قوي على “شغب” الأقلية العربية “غير المقبول”، ومنحه الشرطة صلاحيات الطوارئ لاستخدام الرصاص الحي في مواجهة المتظاهرين من العرب. 

بل إن خطاب الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفيلين انقلب رأسًا على عقب بشأن العرب ليتحدث عن دعم القادة العرب للإرهاب والشعب بصمتهم على العنف واتهامهم بتشجيع “تمزيق المجتمع”.

تداعيات المواجهات

كان مشهد مشاركة البلدات العربية في الإضراب العام يوم 18 مايو 2021 كاشفًا عن مرحلة جديدة في العلاقة بين الأقلية العربية والنظام السياسي الإسرائيلي وفي نفوذ القوى السياسية داخل التجمعات العربية.

إنّ المشاركة الواسعة للعرب في الإضراب بمدن اللد وطمرة وعكا ويافا وحيفا وغيرها من المدن العربية والمختلطة كانت الأكبر في تاريخ التجمعات العربية، بحسب مراقبين إسرائيليين، بل إن بعض الخبراء الإسرائيليين تحدثوا عن بداية “صراع وجود” أو “حرب أهلية ممتدة” بين العرب واليهود في المدن المختلطة. 

إن المشاركة الواسعة في الإضراب ورفع العلم الفلسطيني على عدد من المباني وأعمدة الإنارة بالأحياء العربية واستخدام الشرطة الإسرائيلية للعنف المفرط في مواجهة المتظاهرين العرب والمصادمات العنيفة بين العرب واليهود ومقتل عربي وإصابة العشرات في المصادمات وحرق كنيس يهودي، وتحول المدن المختلطة إلى ما يشبه الثكنات العسكرية؛ هذا المشهد لا يمكن قراءته بعيدًا عن الانحياز المؤسسي ضد العرب، حيث اتهم النظام السياسي والشرطة وقادة البلديات العرب بالمسؤولية عن العنف ورفض توجيه اتهامات لليهود بالتحريض على العنف. 

إن هذه الصورة التي رسمتها الأحداث خلال مايو 2021 وما زالت مستمرة، تقلب الطاولة على محاولات “التعايش” التي ظهرت خلال الأشهر الماضية. فمن ناحية، فإن محاولات الأحزاب الإسرائيلية للحصول على تأييد أحزاب عربية لتشكيل الحكومة الائتلافية أصبحت في طي النسيان، بالتوازي مع ارتفاع الخطاب اليميني المتشدد في مواجهة الأقلية العربية والتحريض على التجمعات العربية، بل ووصفها بأنها “العدو في الداخل”. 

على جانب آخر، فإن تيار منصور عباس تعرض لهوة عنيفة، فقد سقطت أطروحاته مع أول اشتباك بين الشباب العرب والشرطة الإسرائيلية احتجاجًا على أحداث الشيخ جراح، مما دفع إلى تهميشه في اجتماعات القيادات العربية بإسرائيل خلال الإعداد للإضراب العام الذي قال مقربون منه إنه كان يعارض تنظيمه. 

إن الأقلية العربية في إسرائيل دخلت مجددًا على خط “المواجهة” وهو ما يزيد من شعبية وقبول تيار رفض الاندماج داخل مؤسسات النظام السياسي، إلى جانب إفراز خطاب أكثر يمينية من الأحزاب الإسرائيلية والنخب الحاكمة. ولكن يبقى السؤال عن القدرة على استغلال هذه الوضعية في تحقيق المزيد من المكاسب السياسية للعرب والفلسطينيين رهن نجاح أو فشل قيادات التجمع العربي في صناعة رؤية واضحة للعلاقة المعقدة بين قدراتها ومطالبها في المستقبل القريب.

أكرم ألفى
باحث في العلاقات الدولية