وحدة الدراسات الاقتصادية

البديل الأمثل: الشركات الناشئة بين التمويل المصرفي ورأس المال المُخاطِر

أدت زيادة نشاط ريادة الأعمال في مصر إلى ظهور القاهرة في قائمة فوربس لأفضل المدن لإنشاء مشروع جديد في عام 2015 تحت عنوان 30 تحت 30، وهو ما قصدت به 30 شركة ناشئة يمتلكها شباب تحت الثلاثين عامًا. وأُدرجت مصر في العام نفسه أيضًا ضمن قائمة الدول العشر الأوائل في العالم التي شهدت نموًا للشركات الناشئة. ولتلك الشركات أثر كبير على التحول التكنولوجي والرقمي في مصر، لكن على الرغم من ذلك الوضع فإن بيئة الأعمال والديناميكية لتلك الشركات تتسم بأنها غير مستقرة، حيث يواجه رائد الأعمال في المراحل الأولية من التأسيس والنمو لشركته مجموعة من القرارات الاستراتيجية، يُعتبر قرار التمويل…

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أدت زيادة نشاط ريادة الأعمال في مصر إلى ظهور القاهرة في قائمة فوربس لأفضل المدن لإنشاء مشروع جديد في عام 2015 تحت عنوان 30 تحت 30، وهو ما قصدت به 30 شركة ناشئة يمتلكها شباب تحت الثلاثين عامًا. وأُدرجت مصر في العام نفسه أيضًا ضمن قائمة الدول العشر الأوائل في العالم التي شهدت نموًا للشركات الناشئة. ولتلك الشركات أثر كبير على التحول التكنولوجي والرقمي في مصر، لكن على الرغم من ذلك الوضع فإن بيئة الأعمال والديناميكية لتلك الشركات تتسم بأنها غير مستقرة، حيث يواجه رائد الأعمال في المراحل الأولية من التأسيس والنمو لشركته مجموعة من القرارات الاستراتيجية، يُعتبر قرار التمويل أحد تلك القرارات الهامة. نناقش في هذا المقال ذلك القرار، ونحاول أن نوضح لرائد الأعمال بدائل التمويل المتاحة التي تعتبر التمويل المصرفي (قرض) أو تمويل رأس المال الاستثماري أو المخاطر (مساهمة) والسمات الأساسية لتلك البدائل.

ما هي ريادة الأعمال؟

ريادة الأعمال هي إنشاء مشروع جديد، وذلك المشروع يعمل وفقًا لإطار بيئي يُمَكِّن تلك الشركات من الظهور والنمو. ويتكون ذلك النظام البيئي من مجموعة من المُحددات، لكن التقسيم الأكثر شيوعًا لها هو تقسيم Isenberg في عام 2011، حيث قسمها إلى مُحدِدات سياسية، تمويلية، ثقافية، الدعم، رأس المال البشري، الأسواق. وقد ازدهرت في مصر مشاريع رواد الأعمال بشكل كبير، يمكننا قياس معدل ازدهار تلك المشاريع وفقًا لمؤشر يعرف بإجمالي أنشطة ريادة الأعمال أو (Total entrepreneurial activities) أو ما يطلق عليه (TEA)، وهو مؤشر يقيس عدد رواد الأعمال الذين يحاولون إنشاء شركاتهم الناشئة أو لديهم شركات ناشئة يقل عمرها عن 3 سنوات. ووفقًا لذلك المؤشر كانت مصر تسجل 13.10% درجة في عام 2008، انخفضت تلك النسبة في الفترة بعد 2010 وحتى 2015 نظرًا لحالة عدم الاستقرار التي شهدتها البلاد، حيث بلغت درجة مصر في ذلك المؤشر 7.41% وهي نسبة أقل من النسبة العالمية بحوالي 5.6%، لكن تلك النسبة عادت للارتفاع مرة أخرى خلال الفترة 2016 – 2017 لتعود إلى نسبة 13.30%، وهي نسبة أعلى من المتوسط العالمي بحوالي 1%. وأُدرِجت شركات ناشئة مصرية مثل شركة سويفل (شركة نقل جماعي)، وشركة وَظَف (موقع للحصول على وظائف)، لكن وعلى الرغم من ذلك لا يزال ترتيب مصر في تمويل تلك الشركات الناشئة منخفضًا، فوفقًا للإحصائيات استطاعت الشركات الناشئة في إفريقيا الحصول على تمويلات بقيمة 725 مليون دولار في عام 2018، كان نصيب مصر منها 40 مليون دولار (ذهبت 26 مليون دولار منها إلى شركتين فقط، بينما حصل باقي الشركات على تمويل بقيمة 14 مليون دولار). ولبيان صغر حجم ذلك المبلغ، فعلى سبيل المثال، استطاعت الشركات الناشئة في الولايات المتحدة الأمركية الحصول على تمويل بقيمة 150 مليار دولار، بينما نجحت الشركات الصينية في الحصول على تمويل بقيمة 110 مليارات دولار في عام 2018. ومن ثم فإن رائد الأعمال يجد أن قرار التمويل أحد أصعب القرارات التي تمر بها الشركة خلال نشأتها.

الفرق بين بدائل التمويل

لتوضيح الفرق بين التمويل من خلال رأس المال الاستثماري والتمويل المصرفي من خلال الدين، فإن التمويل من خلال رأس المال الاستثماري أو رأس المال المُخاطِر، هو تمويل من خلال المشاركة في ملكية الشركة، حيث يقدم صندوق التمويل الأموال لرائد الأعمال ليكون شريكًا معه في الشركة وفقًا لقيمة الشركة وقت عقد الصفقة. فعلى سبيل المثال، إذا قدرت قيمة شركتك بمبلغ 10 ملايين جنيه ومن ثم يعتبر مالك الشركة الوحيد هو رائد الأعمال، في حالة ذهابك للحصول على تمويل من صندوق رأس مال استثماري (أو مُخاطِر) بقيمة 5 ملايين جنيه، فإن قيمة الشركة الجديدة بعد التمويل هي 15 مليون جنيه (10 ملايين القيمة القديمة + 5 ملايين مقدار التمويل الذي تم ضخه)، لكن هيكل ملكية الشركة تغير الآن، حيث أصبح رائد الأعمال يمتلك نسبة 66.6% من الشركة، بينما يمتلك صندوق رأس المال الاستثماري نسبة الـ33.3% الأخرى. أما التمويل المصرفي من خلال الدين فيتوجه رائد الأعمال إلى مصرف ليطلب قرضًا بقيمة 5 ملايين جنيه ومن ثم فإن قيمة الشركة الجديدة أصبحت 15 مليونًا أيضًا (10 ملايين قديمة + 5 ملايين قيمة القرض) لكن في هذه الحالة يظل رائد الأعمال مالكًا لنسبة 100% من الشركة، وتنشأ التزامات مالية بقيمة القرض (5 ملايين جنيه) على الشركة وفقًا لشروط سداد وفوائد يتم الاتفاق عليها عند منح القرض.

كيف تختار البديل الأمثل؟

يجب أن يعلم رائد الأعمال أنه في حالة التمويل المصرفي (القروض) فإن دور البنك يقتصر على دراسة الشركة ومنح التمويل، ومن ثم فهو مستثمر سلبي لا يساهم في إدارة الشركة وليس له أي دور فعال في محاولة دفع الشركة للنمو. ولذا فإنه في حالة سعي رائد الأعمال إلى تطوير شركتة، والاستفادة بالعلاقات والشراكات التي يمكنه أن يحصل عليها، فإنه يلجأ إلى التمويل من خلال رأس المال الاستثماري أو رأس المال المُخَاطر، حيث إنه من خلال هذا النوع من التمويل يكون صندوق رأس المال المُخَاطر شريكًا في الشركة ومؤثرًا في القرارات الاستثمارية، ومن مصلحته أن ينمو حجم أعمال الشركة، ومن ثم فإنه يساعد رائد الأعمال في الحصول على صفقات جديدة من خلال علاقات الصندوق الكبيرة كونه رائدًا في ذلك المجال ولديه تعاون ومساهمات مع العديد من الشركات والمؤسسات الأخرى. ولذا فإنه لا ينصح أن يدخل رائد الأعمال في شراكة مع صندوق رأس مال استثماري لا يقدم دعمًا إداريًا وفنيًا وشبكة علاقات للمشروع. لكن تلك الميزة وعلى الرغم من شيوعها يمكن الاستغناء عنها، حيث يمكن لرائد الأعمال الحصول على مشورة من مكتب استشاري أو متخصصين في التمويل بدلًا من الحصول على تلك المساعدات من رأس المال المُخاطر.

هناك مشكلة رئيسية يجب أن يدركها رائد الأعمال والصندوق قبل الدخول في مثل تلك الشَرَاكات، وهي تتمثل في الخطر الأخلاقي المزدوج أو ما يعرف “Double Moral Hazard”، حيث إن تلك الشَراكة قامت على وعد ضمني بين الطرفين أن كل طرف سيبذل ما بوسعه لمساعدة الشركة على النمو، لكن المفارقة هنا هي أنه بدخول رأس المال الاستثماري في تلك الشركات تنخفض حصة مؤسس الشركة أو رائد الأعمال بالشركة، ومن ثم يتسبب ذلك عادة في تقليل الحافز لرائد الأعمال للاستمرار في عطائه بالشركة. في المقابل، فإن التمويل المصرفي “القروض” يترك لصاحب المشروع المِلكية الكاملة، ومن ثم يجنبه إضعاف جهود ريادة الأعمال، لكنه على النحو الآخر يحرمه من المُدخلات الإدارية والفنية التي كان يمكن الحصول عليها في حال دخل في شراكات مع رأس مال استثماري (مُخَاطر).

من جانب آخر، فإنه في حال التمويل المصرفي وبطبيعة الأمر بما أن رائد الأعمال هو المؤسس للمشروع فإن لديه كل التفاصيل الخاصة بالمشروع، ومن ثم يُوجد أيضًا مشكلة أخلاقية أخرى هنا وهي عدم التماثل في المعلومات بين المؤسسة المصرفية (المانحة) وبين رائد الأعمال، حيث قد يخفي رائد الأعمال بعض المعلومات الخاصة بالمشروع لحين التوصل إلى اتفاق مالي. من جانب آخر فإنه في حال تفاوض رائد الأعمال مع صندوق استثمار رأس مال مُخَاطر فإنه يتبادل المعلومات مع ذلك المستثمر، ومن ثمّ فإن الصندوق قد يعلم تفاصيل المشروع، ومن المحتمل أن يكون قادرًا على مصادرة المشروع من رائد الأعمال (مقابل دفع بعض التعويضات لرائد الأعمال)، ومن ثم فإن وجود قوانين قوية تنظم حقوق المِلكية الفكرية يُحفز رواد الأعمال للدخول في شَراكات مع رأس المال المُخاطر Ueda (2004). من جانب آخر، أشار باحثون آخرون في دراسة أخرى إلى أن التمويل المصرفي يتشابة مع تمويل رأس المال المخاطر، إذ يمكنه الاستيلاء على المشروع في حالة التعثر عن السداد.

توصيات لتعزيز احتمالات النجاح

وفقًا لتحليلنا السابق فإنه يمكن تقديم مجموعة من التوصيات التي تساعد رائد الأعمال على اختيار نوع التمويل الذي يناسب مشروعه. بالنسبة لرأس المال الاستثماري فإنه يكون أكثر فائدة عندما يقع المشروع ضمن مجال الخبرة الإدارية للصندوق، ولذا فإذا كان الصندوق لا يمتلك الخبرة اللازمة ولا سابقة استثمارات في مشروعات تتشابه في القطاع فإنه لا ينصح أن يتوجه رائد الأعمال لذلك الصندوق للحصول على تمويل، ففي هذه الحالة يُعتبر التمويل المصرفي هو الحل الأمثل. هذا فضلًا عن ضرورة اهتمام رائد الأعمال بالتعرف على القوانين الخاصة بتسجيل شركته وحقوق الملكية الفكرية لمشروعه، حيث إن ذلك هو الضمان الأساسي للحفاظ على حقه من احتمالية أن يحصل صندوق الاستثمار المخاطر على تفاصيل المشروع ويستبعد رائد الأعمال من ذلك المشروع.

أمر آخر يجب أن يُؤخذ في الاعتبار هو مدى قدرة رائد الأعمال على النجاح وإدارة المشروع من خلال نموذج أعمال جيد، ففي حال ارتفاع تلك القدرة لا يفضل أن يدخل رائد الأعمال في شراكات مع رأس المال المُخاطر من خلال أدوات الأسهم العادية والتي تتيح حقوقًا إدارية لحامليها، ولكن يُفضل أن تكون الشراكة من خلال أسهم ممتازة (أسهم لا تتيح لحاملها حقوق التصويت في الجمعية العمومية التي تضع القرارات الاستراتيجية في الإدارة، مثل تعيين المدير أو مجلس الإدارة، لكنها في الوقت نفسه تمنح حاملها الحق في الحصول على توزيعات أرباح قبل باقي حملة الأسهم العادية).

Sources

1.Guttman, A. (2015) 10 Top Cities Around The World To Launch Your Startup, Forbes. Available at: https://www.forbes.com/sites/amyguttman/2015/11/29/top-10-cities-in-the-world-to-launch-your-startup-somemay- surprise-you/#a6167cf7e573 (Accessed: 24 APR. 2021).

[2] Cassamatta, C., 2003. Financing and advising: optimal financial contracts with venture capitalists. Journal of Finance 58 (5), 2059–2085.

[3] Dybvig, P., Wang, Y., 2002. Debt and equity. Working paper, Washington University and Boston University.

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة