وحدة الدراسات الاقتصادية

مخاوف اللبننة: مظاهر وتداعيات الأزمة الاقتصادية في تونس

تشهد تونس في الآونة الأخيرة أزمة على الصعيد السياسي والاقتصادي متمثلة في تصاعد التوترات بين الفاعلين السياسيين بالمجلس التشريعي من ناحية، وبين رئيسي الجمهورية والحكومة من ناحية أخرى، فضلًا عن عودتها للمرة الرابعة خلال عقد للتفاوض مع صندوق النقد الدولي سعيًا للتوصل إلى اتفاق على ثلاث سنوات لتأمين 4 مليارات دولار. وفي هذا الإطار، ظهرت الكثير من التوقعات التي أشارت إلى احتمالية اتجاه تونس لنفس السيناريو الحادث في لبنان نظرًا لسوء أوضاعها الاقتصادية والسياسية أيضًا. مظاهر وأسباب الأزمة 1.الأسباب السياسية: تضافرت العديد من العوامل لتصب مزيدًا من الوقود على الأزمة الاقتصادية في تونس، من أبرزها انتشار فيروس كورونا، والتوتر بين…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تشهد تونس في الآونة الأخيرة أزمة على الصعيد السياسي والاقتصادي متمثلة في تصاعد التوترات بين الفاعلين السياسيين بالمجلس التشريعي من ناحية، وبين رئيسي الجمهورية والحكومة من ناحية أخرى، فضلًا عن عودتها للمرة الرابعة خلال عقد للتفاوض مع صندوق النقد الدولي سعيًا للتوصل إلى اتفاق على ثلاث سنوات لتأمين 4 مليارات دولار. وفي هذا الإطار، ظهرت الكثير من التوقعات التي أشارت إلى احتمالية اتجاه تونس لنفس السيناريو الحادث في لبنان نظرًا لسوء أوضاعها الاقتصادية والسياسية أيضًا.

مظاهر وأسباب الأزمة

1.الأسباب السياسية:

تضافرت العديد من العوامل لتصب مزيدًا من الوقود على الأزمة الاقتصادية في تونس، من أبرزها انتشار فيروس كورونا، والتوتر بين القوى السياسية، فضلًا عن تدهور المؤشرات الاقتصادية.

2.انتشار فيروس كورونا:

تتسم تونس بعدم استقرار المشهد السياسي بشكل دائم مع وجود تصاعد بين مختلف السلطات خاصة التشريعية والتنفيذية مما صدّر صورة سلبية للمستثمرين والدائنين في الخارج، كما أفقد الشعب التونسي الثقة في تحسن الوضع في الآجال القريبة والمتوسطة. ومن الجدير بالذكر أنه قد تعاقب على البلاد حوالي 8 حكومات منذ عام 2011 بضغطٍ من عدم التوافق على شكل الحكومة أو الخلاف حول نسب تمثيل التيارات السياسية بها، هذا بالإضافة إلى عدم التوافق بين الكتل السياسية في مجلس النواب، والصراع بين التيارات الإسلامية والليبرالية.

أسفر فيروس كورونا عن تعميق الأزمة الاقتصادية في تونس نظرًا للإجراءات الاحترازية المتخذة على الصعيد العالمي، بدايةً من حظر التجوال وإغلاق أماكن التجمعات حتى توقف حركة السفر والطيران. وعلى إثر ذلك، كانت تونس من بين أكثر الاقتصادات تضررًا من الأزمة، حيث انكمش اقتصادها بنحو 8.8% خلال 2020، ليسجل واحدًا من أكبر الانكماشات الاقتصادية في العالم.

3.مؤشرات اقتصادية سلبية:

كما اتّسع عجز الموازنة ليصل إلى حوالي 12% من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2020 مقارنة مع 5% في المتوسط خلال العقد الماضي، وتجاوزت ديون الشركات المملوكة للدولة نسبة 40% من الناتج المحلي الإجمالي. أما عن الدين الخارجي، فقد وصل إلى 100 مليار دينار تونسي، أي حوالي 100% من الناتج المحلي الإجمالي، ويبلغ نصيب كل مواطن تونسي من الديون الخارجية نحو 2600 دولار. وأخيرًا، تراجع التصنيف الائتماني لوكالة “موديز” للدولة من “B2” إلى “B3” مع نظرة مستقبلية سلبية.

انطلاقًا من البيانات السابقة، توقعت شركة البحوث الاقتصادية “Capital economics” أن ترتفع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في تونس إلى 105% بحلول عام 2025. فيما كشفت دائرة المحاسبات التونسية أن البلاد ستسدد بداية من عام 2021 وحتى عام 2025 دفعات قروض بقيمة مليار دولار سنويًا، وهو ما يعكس معضلة الدين الخارجي الذي تورطت فيه الحكومات المتعاقبة في البلاد بعد 2011.

وبعيدًا عن تأثير كورونا، تعاني تونس من تسجيل مستويات مرتفعة من عجز الموازنة، فقد صوت مجلس النواب التونسي في ديسمبر 2020 على ميزانية عام 2021 بعجز متوقع بأكثر من 7% من إجمالي الناتج المحلي تبلغ قيمته ثمانية مليارات دينار تونسي (3 مليارات دولار)، وسيبلغ إنفاق الدولة نحو 41 مليار دينار تونسي، فيما يُتوقع أن تصل الإيرادات إلى نحو 33 مليار دينار.

واعتبر رئيس الحكومة “هشام المشيشي” أن هذه الميزانية تقدم بالأرقام صورة عن نتائج السياسات “غير الناجحة” الناتجة عن سنوات عدة من عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في البلاد. وفيما يلي تلخيص لبعض المؤشرات الاقتصادية في تونس:

الشكل (1): معدلات النمو الاقتصادي في تونس

Source: World Bank, GDP growth rate (Tunisia).

يتبين من الشكل السابق أن تونس استطاعت أن تحقق معدلات نمو إيجابية منذ عام 2012 وحتى 2019، مع تباطؤ النمو الاقتصادي خلال 2019 من 2.7% إلى 1%. وعن معدلات التضخم، يمكن عرضها على النحو الآتي:

الشكل (2): مؤشر أسعار المستهلكين شهريًا

Source: Moody’s Analytics, Tunisia – Consumer Price Index (CPI).

يتضح من الشكل السابق ارتفاع معدل التضخم مقاسًا بمؤشر أسعار المستهلكين خلال عام من 161.82 نقطة في مارس 2020 إلى 169.52 نقطة خلال مارس 2021 مما يمثل ارتفاعًا بنحو 4.75% على أساس سنوي. 

الشكل (3): تطور معدلات البطالة سنويًا

Source: World Bank, Unemployment rate (Tunisia).

 

من الشكل السابق، يتضح ارتفاع معدلات البطالة في تونس خلال العام الماضي إلى 16.69% مقابل 15.13% خلال 2019، بنسبة ارتفاع تقدر بنحو 1.56%. ويُمكن ملاحظة أن معدل البطالة بدأ من الاقتراب من مستويات عام 2011 والذي شهد أعلى مستوياته خلال الفترة محل الدراسة. وبالنسبة لسعر صرف الدينار التونسي مقابل الدولار.

الشكل (4): سعر صرف الدينار التونسي مقابل الدولار

Source: Xe: Currency Exchange Rates – International Money Transfer, US Dollar to Tunisian Dinar.

يتضح من الشكل التوضيحي السابق أن العملة التونسية شهدت انخفاضًا متتاليًا منذ عام 2011 وحتى منتصف عام 2021؛ إذ سجلت في أوائل عام 2011 نحو 1.3 دينار تونسي مقابل الدولار الواحد لتصل إلى 2.7 دينار تونسي مقابل الدولار بحلول يونيو من العام الجاري، وهو ما يمثل انخفاضًا بنحو 107.6%.

ولكن ينبغي الإشارة إلى أنه رغم هذا الارتفاع إلا أن العملة المحلية تُعد مستقرة بنسبة كبيرة خلال الفترة الأخيرة ليتراوح بين 2.6 دينار مقابل الدولار حتى 2.8 دينار مقابل الدولار رغم سوء الأحوال الاقتصادية وتداعيات كورونا السلبية.

تداعيات الأزمة

ساهمت جميع الأسباب السابقة في حدوث بعض التداعيات السلبية التي أثقلت عبء المواطن التونسي بشكل أساسي، وهو ما يُمكن تلخيصه على النحو التالي:

1. رفع أسعار الوقود:

قررت تونس رفع أسعار الوقود ثلاث مرات منذ بداية عام 2021 وحتى الآن، أي خلال ستة أشهر. أولها كان في شهر فبراير، ثم في مارس، وأخيرًا خلال أبريل ليصل سعر لتر البنزين من 1.995 دينار تونسي إلى 2.095 دينار تونسي، وذلك بهدف مواجهة عجز الموازنة وتطبيق بعض الإصلاحات الاقتصادية لتأمين قرض صندوق النقد الدولي أو أي مساعدات خارجية.

2. خفض الدعم وأجور القطاع العام:

تسعى تونس إلى خفض الأجور في القطاع العام إلى حدود 15% من الناتج الإجمالي المحلي بحلول عام 2022 مقارنة مع 17.4% خلال العام الجاري، مع تشجيع الموظفين على المغادرة الطوعية مقابل حصولهم على 25% من رواتبهم، أو الحصول على نصف الراتب مقابل أيام عمل أقل.

وتخطط الحكومة للدخول في تخفيض تدريجي لحجم الدعم الذي تقدمه لمجموعة من المنتجات الاستهلاكية الأساسية خلال الفترة المقبلة، وذلك في انتظار إلغاء منظومة الدعم بالكامل خلال سنة 2024. ومن المنتظر أن يشمل رفع الدعم التدريجي المواد الغذائية في مرحلة أولى، ثم الكهرباء والغاز في مرحلة لاحقة، قبل التخلي النهائي عن منظومة الدعم، وهو ما حدث بالفعل؛ إذ قررت الحكومة أوائل يونيو الجاري رفع سعر السكر الموجه للاستهلاك العائلي بنحو 22%.

3. آثار اجتماعية:

أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ارتفاع عدد المنقطعين عن الدراسة وتزايد عدد المهاجرين غير النظاميين وامتداد الاحتجاجات الشعبية، حيث تشير الإحصائيات إلى انقطاع أكثر من 100 ألف تلميذ سنويًا عن الدراسة، كما هاجر 16 ألف تونسي بشكل غير نظامي إلى إيطاليا خلال عام 2020.

4. ارتفاع تكلفة عدم سداد الديون:

أعلن وزير المالية التونسي “علي الكعلي” أواخر مايو الماضي أن الحكومة التونسية لا تعتزم إعادة جدولة ديونها الخارجية، رغم وضعها المالي الحرج، ومفاوضاتها الصعبة مع صندوق النقد الدولي. وجاءت هذه التصريحات عقب إعلان وكالة “ستاندرد آند بورز جلوبال” للتصنيفات الائتمانية استبعاد تخلف تونس عن ديونها السيادية خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، ولكن إذا حدث ذلك فإنه سوف يكلف البنوك المحلية حوالي 7.9 مليارات دولار.

وأخيرًا وبعد التحليل السابق، يُمكن القول إن الاقتصاد التونسي لا يزال أمامه بعض الوقت للوصول إلى مستوى الأزمة التي يمر بها نظيره اللبناني، خاصة في ظل استبعاد سيناريو التخلف عن سداد الديون في الوقت الحالي، واستقرار العملة المحلية نسبيًا مقارنة بالانهيار الحادث في الليرة اللبنانية، فضلًا عن تحقيق الاقتصاد معدلات نمو إيجابية حتى عام 2019 مقابل تسجيل الاقتصاد اللبناني انكماشًا منذ عام 2018، أي قبل أزمة كورونا بعامين. 

وأخيرًا، يبدو أن صندوق النقد الدولي أكثر انفتاحًا للتفاوض مع تونس مقارنة بلبنان، لا سيما في ضوء اتجاه الأولى لتطبيق إصلاحات هيكلية في منظومة الدعم، ولذا صرح المتحدث باسم الصندوق الشهر الماضي بأن المؤسسة “مستعدة” لمساعدة تونس عقب عقد بعض الاجتماعات المشتركة.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة