وحدة الدراسات الاقتصادية

قانون العوار: أزمة تعويضات سفينة إيفر جيفن

عندما جنحت سفينة الحاويات الضخمة MV Ever Given في الساعة 7 صباحًا يوم 23 مارس وسدت الطرف الجنوبي لقناة السويس تمامًا لمدة سبعة أيام تقريبًا، كان من المحتم أن تكون هناك تداعيات شديدة تتناسب مع أزمة تعطيل جزء كبير من حركة التجارة العالمية. إذ أدى الحادث إلى تأخر يقدر بالأيام في مرور أكثر من 400 سفينة عبر القناة. كما تسبب في تحول العديد من السفن الأخرى للدوران حول إفريقيا، قبل أن تفاجِئ هيئةُ قناة السويس العالمَ بالسيطرة على الأزمة في زمن قياسي لم يتوقعه أغلب المحللين. وتم سحب السفينة بعد مجهود ضخم من التجريف والتوجيه بعد ذلك إلى منطقة البحيرات…

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

عندما جنحت سفينة الحاويات الضخمة MV Ever Given في الساعة 7 صباحًا يوم 23 مارس وسدت الطرف الجنوبي لقناة السويس تمامًا لمدة سبعة أيام تقريبًا، كان من المحتم أن تكون هناك تداعيات شديدة تتناسب مع أزمة تعطيل جزء كبير من حركة التجارة العالمية. إذ أدى الحادث إلى تأخر يقدر بالأيام في مرور أكثر من 400 سفينة عبر القناة. كما تسبب في تحول العديد من السفن الأخرى للدوران حول إفريقيا، قبل أن تفاجِئ هيئةُ قناة السويس العالمَ بالسيطرة على الأزمة في زمن قياسي لم يتوقعه أغلب المحللين. وتم سحب السفينة بعد مجهود ضخم من التجريف والتوجيه بعد ذلك إلى منطقة البحيرات المرة الكبرى، للخضوع لفحص كامل. ومع انفراج الأزمة، بدأت التوابع القانونية المتعلقة بالتعويضات عن الأضرار خاصة المادية. وهو ما أدى إلى سلسلة من المطالبات من الهيئة ضد ملاك السفينة، ومطالبات مضادة، مع إصدار محكمة مصرية قرارًا باحتجاز إيفر جيفن Ever Given بكامل حمولتها.

مطالب بالتعويضات من الطرفين

قدمت هيئة قناة السويس مطالبة تعويض بمبلغ 916 مليون دولار ضد مالك السفينة الياباني، شوي كيسن كايشا، مع العلم بأن السفينة حاليًا قيد الاستئجار لشركة Evergreen Line التايوانية. وأوضحت الهيئة أن التعويض ضروري لتغطية الضرر المعنوي الكبير، وخسائر رسوم العبور، والأضرار التي لحقت بالمجرى المائي أثناء جهود التجريف والإنقاذ، فضلًا عن تكلفة المعدات والعمالة؛ إلا أن شوي كيسن كيشا رفض قبول هذه المطالب.

وفي 8 مايو، صرح أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس، بأنه لا يبدو أن هناك احتمالًا فوريًا للتوصل إلى تسوية. ومن ثم في يوم 9 مايو، بعد مفاوضات بين الطرفين، أعلنت الهيئة تخفيض المبلغ بحوالي 30% من قيمته ليصل إلى 600 مليون دولار. ثم قامت بتخفيض إضافي بقيمة 50 مليون دولار لتصبح الكلفة الكلية 550 مليون دولار، يتم دفع جزء مقدم منها مع تحصيل المتبقي طبقًا لخطة ممنهجة. ولكن كل هذه التسهيلات المتتالية لم تُثنِ مالك السفينة عن موقفه بعدم القبول بالدفع. وبدلًا من ذلك، قام بإطلاق مطالبات مضادة بالمحاكم ضد هيئة قناة السويس، مدعيًا أن الأزمة حدثت نتيجة لخطئها في المقام الأول. كما وصف شوي كيسن حجز السفينة إيفر جيفن بالعمل غير القانوني، وأصدر مطالبة مضادة لتأخير السفينة في بحيرة المياه المالحة في منتصف الطريق في قناة السويس. وبغض النظر عن الجوانب القانونية المتعلقة بحجز السفينة، يبدو أن هناك مشكلة متعلقة بالتأمين أكثر تعقيدًا حول هذه الحلقة بأكملها.

كواليس أزمة التأمين

أعلنت شركة تأمين السفينة نادي المملكة المتحدة للحماية والتعويض UK Club for Protection and Indemnity، وقت عمليات إنقاذ السفينة، أنها قد أمنت مالك شركة إيفر جيفن على أي التزامات خاصة بأضرار البنية التحتية ومطالبات التعطيل التي قد تنشأ عن الحادث. وأنه سيتم التأمين على السفينة نفسها وحمولتها بشكل منفصل. إلا أنه بعد احتجاز السفينة، وصلت التعويضات إلى 300 مليون دولار مقابل عمليات الإنقاذ و300 مليون دولار عن الإضرار بسمعة القناة.

وصرح نادي المملكة المتحدة بعدها بأن ملاك السفينة وشركات التأمين الخاصة بهم كانوا يتفاوضون بحسن نية مع هيئة الأوراق المالية والسلع. كما قدموا، في 12 أبريل، عرض سخيًا (بحسب وصف شركة التأمين) ومدروسًا بعناية إلى هيئة قناة السويس لتسوية مطالبتها. إلا أن شركة التأمين شعرت بخيبة أمل من القرار اللاحق الذي اتخذته الهيئة باحتجاز السفينة، وهو ما دفع الشركة لتقديم استئناف إلى محكمة مصرية ضد عملية الاحتجاز، مدعيةً عدم وجود أدلة داعمة لادعاء هيئة قناة السويس. ولكن رفضت المحكمة المصرية هذا الاستئناف في أوائل شهر مايو 2021.

ومن الجدير بالذكر أن حادثة سفينة إيفر جيفن تعتبر سابقة فريدة لانسداد ممر ملاحي من أهم الشرايين التجارية في العالم والتسبب في هذا الاضطراب الدولي والتكاليف الإضافية الضخمة بواسطة سفينة واحدة. ولكن في بعض الحوادث والنزاعات القضائية الدولية المتعلقة بالحركة الملاحية السابقة تاريخيًا، كان من الممكن أن يوفر مالك السفينة ضمانًا متفقًا عليه من شأنه أن يسمح للسفينة والطاقم بمواصلة رحلتهم مع قيام المحكمة بتحديد قرار نهائي في وقت لاحق. إلا أن خطورة هذا الحادث بالأخص وأهميته وفداحة تكاليفه دفعت هيئة قناة السويس إلى الاحتفاظ بالسفينة حتى يتم الوصول إلى تسوية من نوع ما.

تأثير قانون العوار العام على الأزمة

كان شوي كيسن قد أعلن في الأول من شهر أبريل 2021 اعتماده على مبدأ قانوني هو العوار العام General Average أثناء عملية التسوية، وهو مبدأ من مبادئ القانون البحري، حيث يتقاسم جميع أصحاب المصلحة بالتناسب أي خسائر ناتجة عن التضحية الطوعية بجزء من السفينة أو الشحنة لإنقاذ الكل في حالة الطوارئ. على سبيل المثال، في حالة تخلي الطاقم عن بعض البضائع من على ظهر السفينة لتخفيف العاصفة، فسيتم تقاسم الخسارة بالتناسب من قبل كل من الناقل ومالكي البضائع. ولجوء ملاك السفينة لهذا المبدأ قد يؤدي إلى المزيد من التعقيدات أثناء إتمام عملية التسوية الكاملة. وذلك بسبب أنه من المحتمل، في هذه الحالة، أن يُطلب من جميع مالكي البضائع على متن السفينة مشاركة النفقات التي يتكبدها مالك السفينة. ومن هذا المنطلق قد يشمل التقاضي 20000 حاوية وما يصل إلى 20 مصلحة شحن لكل حاوية.

وفي حالة تطبيق هذا المبدأ، ستبدأ عمليات تقييم قيمة كل شحنة على متن السفينة وتحديد نسبة المساهمة والمسئولية المالية لكل مالك شحنة. بعدها سيتسلم العملاء المؤمن عليهم حمولتهم أولًا عند تقديمهم شهادة التأمين، بينما يحتاج غير المؤمّنين إلى الأرقام النهائية لدفع ودائعهم وتغطية التكاليف الكاملة قبل الحصول على إفراج لبضاعتهم. وهي العملية التي قد تأخذ أسابيع وربما شهورًا. وهناك بالفعل تكهنات كبيرة تحيط بالنسبة المئوية للبضائع على متن سفينة إيفر جيفن التي ليس لديها أي غطاء تأميني على الإطلاق. إذ تشير تلك التكهنات بأن ما بين 35 إلى 40 ٪ من إجمالي البضائع غير مؤمن عليها من الأساس. وإن صحت هذه التكهنات، فستزيد من تعقيد التسوية الكاملة إن تم اللجوء إلى مبدأ العوار العام.

وعلى الرغم من أن إعلان مبدأ العوار العام أمر نادر الحدوث هذه الأيام، إلا أن آخر حادثة شهيرة استخدم بها كانت في عام 2018 بعد حريق على متن السفينة Maersk Honam. حيث قام مُقَيِّم المطالبات بتسوية ضمان الإنقاذ الثابت بنسبة 42.5 ٪ من قيمة البضائع و11.5 ٪ كوديعة. وهذا يعني أنه بالنسبة لشحنة تبلغ قيمتها 100 ألف دولار، كانت المدفوعات للحصول على الإفراج عن البضائع 54000 دولار. وهو ما سمح لملاك السفينة بالحصول على امتيازات للبضائع، والسماح لهم بالبيع في حالة عدم دفع نسب المسئولية المادية من قبل ملاك البضائع.

خطط موازية لقناة السويس

رغم الحادث، إلا أن سرعة تدارك الأزمة من قبل هيئة قناة السويس أعادت حركة سير الملاحة كما كانت. كما أعلنت الهيئة على لسان رئيسها خططها الراهنة المختصة بالتطوير والتوسيع. وتضمنت هذه الخطط توسيع وتعميق الامتداد الجنوبي لقناة السويس، حيث تعثرت السفينة إيفر جيفن. وهو ما يشمل توسيع ما يمتد لحوالي 30 كيلومترًا من القناة بين مدينة السويس ومنطقة البحيرات المرة بمقدار 40 مترًا شرقًا. كما تخطط لتعميق هذا القسم بمقدار مترين. بالإضافة إلى ذلك، سيتم تمديد ما يقدر بحوالي 10 كيلومتر بالجانب الجنوبي من البحيرات المرة استكمالًا لتفريعة القناة التي تم افتتاحها في عام 2015 للسماح بحركة مرور ثنائية الاتجاه. وسينتج عن ذلك زيادة في طول التفريعة الإجمالي إلى 82 كيلومترًا.

إلا أن هذه الخطط لن تعطل الهيئة عن استكمال عمليات التفاوض والتقاضي الخاصة بتعويضات سفينة إيفر جرين، التي من المتوقع أن تكون نتائجها سابقة يتم الاستعانة بها في القانون البحري وقضايا التعويضات والتأمينات ذات الطبيعة الدولية.

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة