وحدة الدراسات الاقتصادية

ملامح الوقف الخيري في مصر وسبل إحيائه

ساهم نظام الوقف الخيري في لعب دور محوري في تاريخ الحضارة الإسلامية، فقد كان نظام الوقف الخيري هو الممول الرئيسي لمرافق التعليم والثقافة إلى جانب الرعاية الصحية والاجتماعية، باعتبار أن لديه القدرة على تمويل مشاريع مدرة للدخل وذاتية الاستدامة بدلًا من الأعمال الخيرية المتقطعة التي تميزت بها أعمال الإحسان. وبالرغم من أن نظام الوقف قد أسيء استخدامه وشهد بعض التراجع في الآونة الاخيرة، إلا أن هناك العديد من الدعوات لإحيائه بصورة حديثة، وتفعيل دوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وانطلاقًا من هذا نصّ الدستور المصري لعام 2014 على تشجيع نظام الوقف الخيري والعناية الخاصة بأمواله كما جاء بنص المادة (90) من…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

ساهم نظام الوقف الخيري في لعب دور محوري في تاريخ الحضارة الإسلامية، فقد كان نظام الوقف الخيري هو الممول الرئيسي لمرافق التعليم والثقافة إلى جانب الرعاية الصحية والاجتماعية، باعتبار أن لديه القدرة على تمويل مشاريع مدرة للدخل وذاتية الاستدامة بدلًا من الأعمال الخيرية المتقطعة التي تميزت بها أعمال الإحسان. وبالرغم من أن نظام الوقف قد أسيء استخدامه وشهد بعض التراجع في الآونة الاخيرة، إلا أن هناك العديد من الدعوات لإحيائه بصورة حديثة، وتفعيل دوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وانطلاقًا من هذا نصّ الدستور المصري لعام 2014 على تشجيع نظام الوقف الخيري والعناية الخاصة بأمواله كما جاء بنص المادة (90) من الدستور على أن تلتزم الدولة بتشجيع نظام الوقف الخيري لإقامة ورعاية المؤسسات العلمية، والثقافية، والصحية، والاجتماعية، وغيرها، وتضمن استقلاله، وتدار شئونه وفقًا لشروط الواقف، ومن أجل الهدف ذاته تم طرح فكرة إنشاء “صندوق الوقف الخيري” يضم كافة الفوائض لحسابات الأنشطة المتعددة والخاصة بأموال الوقف لتكون جميعًا تحت مظلة واحدة. وعليه فقد تم إعداد مشروع قانون الوقف الخيرى الذي أقره مؤخرًا مجلس الشيوخ، وتجري مناقشته في مجلس النواب تمهيدًا لإقراره.

وينصّ مشروع القانون على أن يكون لوزير الأوقاف سلطة التصرف في أموال الصندوق، كما تتكون موارد الصندوق من: فوائض حسابات اللجنة العليا للخدمات الإسلامية والاجتماعية، وصناديق النذور، وصناديق إعمار المساجد، وفوائض ريع الوقف وسائر التبرعات والهبات والمنح النقدية أو العينية التى يتلقاها من الأشخاص الطبيعية والاعتبارية والتي يقبلها مجلس إدارة الصندوق بما لا يتعارض مع أغراضه، وعائد استثمار أموال الصندوق.

كما تم إعفاء أموال وعوائد الصندوق من جميع الضرائب والرسوم وضريبة القيمة المضافة، وأنه لا تسري على الصندوق أحكام قانون ضريبة الدمغة ورسم تنمية موارد الدولة، كما لا يخضع لأي نوع من الرسوم والضرائب المباشرة المفروضة حاليًا أو التي قد تُفرض مستقبلًا.

أولًا- تعريف الوقف الخيري:

أن الوقف عبارة عن “حبس الأصل وتسبيل الثمرة”؛ أي منع التصرف في الأصل الموقوف وصرف المنفعة التي تتولد عنها لجهة أو أكثر من جهات الخير، ويجوز أن يكون الشيء الموقوف (معدات الإنتاج، أو عقارات، أو منقولات)، ويجوز أن يكون أموالًا نقدية، أو إيداعات بنكية، أو أسهمًا وسندات. ومن أنواع الوقف:

  • وقف أهلي، ما يخصص ريعه للإنفاق على النفس (الواقف) وذريته في حياته ومن بعد موته جيلًا بعد جيل، أو حسب ما يشترط ھو، أو حسب المدة التي يحددها القانون.
  • وقف خيري، ما يخصص ريعه للإنفاق على وجوه البر والمنافع العامة.
  • وقف مشترك، الذي يجمع بين النوعين (الأهلي والخيري). 

ثانيًا- الوقف الخيري في مصر:

ينظم الوقف الخيري في مصر قانون الوقف رقم 48 لسنة 1946 والذي خضع للعديد من التعديلات منذ صدوره بلغت نحو 19 تعديلًا، وإلى جانب صدور العديد من المراسيم والقرارات الخاصة بتنظيم وإدارة الأوقاف المصرية.

أن قانون الوقف جاء خاليًا من أي تعريف للوقف وأشكاله ومؤسساته، ولم يرد له تعريف في أي من التعديلات اللاحقة، بينما تركزت كل تلك القوانين على عملية تسجيل الوقف، وتخصيص ريعه، وقسمة الاستحقاق فيه، وإدارته، وضبط حساباته.

تم إلغاء الوقف الأهلي في أعقاب ثورة يوليو 1952، والابقاء فقط على الوقف الخيري بما ساهم في تعزيز العزوف الاجتماعي عن إنشاء أوقاف جديدة، بعد أن وضعت الحكومة يدها على الأوقاف الخيرية، وأسندت لوزارة الأوقاف مهمة إدارتها وأطلقت يدها في تغيير مصارفها حتى لو خالف بذلك شروط الواقفين.

وتجدر الإشارة إلى أنه قبل صدور قانون الوقف رقم 48 لسنة 1946 كانت جملة الأراضي الزراعية الموقوفة قد بلغت 700 ألف فدان، وبعد صدور القانون بست سنوات؛ أي في سنة 1952 تقلصت تلك المساحة إلى 582 ألف فدان؛ وذلك لعدة أسباب من أهمها أن القانون وضع قيودًا على إنشاء الوقف، وخاصة إذا كان أھليًا في بدايته، وفتح في الوقت نفسه أبواب الرجوع فيه برغبة الواقف. ثم تآكلت المساحة الزراعية الموقوفة بسبب الإجراءات التي أعقبت ثورة يوليو والقوانين التي صدرت بخصوص الأوقاف، ومنها المرسوم رقم 180 لسنة 1952 الذي قضى بحل الأوقاف الأهلية القائمة، وحظر إنشائها في المستقبل، والقانون 247 لسنة 1953 الذي أعطى وزير الأوقاف سلطة تغيير مصارف الوقف إلى أغراض غير التي حددھا الواقفون، وبموجب القانون 152 لسنة 1957 والقانون 44 لسنة 1962 اللذين قضيا باستبدال الأراضي الموقوفة على البر العام والبر الخاص وإعادتها لملاكها باعتبارها أوقافًا أھلية ومن ثم إخضاعها لقوانين الإصلاح الزراعي وانتزاعها منهم. ھذا بالإضافة إلى أن المحليات قد تسلمت جميع العقارات والمباني والأراضي الفضاء التي كانت تتواجد في بعض المدن والمراكز الحضرية، وتصرفت فيها مما أدى لضياعها.

بعد إنشاء ھيئة الأوقاف المصرية بموجب القانون رقم 80 لسنة 1971، وبصدور القانون 42 لسنة 1973 الذي قضى باسترداد جميع الأراضي والعقارات الموقوفة التي سبق أن سلمتها وزارة الأوقاف للإصلاح الزراعي والمحليات الزراعية والمحليات، ونجحت الوزارة وھيئة الأوقاف المصرية في استرداد ما مساحته 94.8 ألف فدان حتى سنة 1980، ثم زادت المساحة المستردة ووصلت إلى 101 ألف فدان حسب الإحصاءات الصادرة عن هيئة الأوقاف المصرية، ووزارة الأوقاف سنة 2007/2008، مقارنة بنحو 589 ألف فدان عام 1952 أي أصبحت “سدس” ما كانت عليه تقريبًا، وضاع الباقي ولم يسترد حتى اليوم، ولا يزال البحث جاريًا عن باقي المساحات أو أصبح مجهول المصير أو تم تمليكه لواضعي اليد بطرق مختلفة؛ بعضها بمعرفة وزارة الأوقاف، وبعضها بمعرفة جهات أخرى.

تطور مساحات الأراضي الموقوفة ما قبل الثورة 1952 حتى السبعينيات (القيمة بألف فدان)

هذا فيما يخص الأراضي الزراعية أما فيما يخص إحصاءات العقارات المبنية والمنقولات الموقوفة فلا توجد إحصاءات وتقديرات دقيقة لها، ولكن يمكن القول إن نطاق المؤسسات الوقفية كان يتمتع بانتشار واسع قبل ثورة يوليو 1952 وكثر عددها في مختلف أنحاء البلاد، ومن ذلك على سبيل المثال: المؤسسات التعليمية (مدارس الجمعيات الخيرية، ومدارس وزارة الأوقاف، ومدارس ديوان الأوقاف الملكية، والمدارس الإسلامية الحرة). ففي سنة 1952 بلغ عدد تلك المدارس باختلاف أنواعها 337 مدرسة، بينما بلغ عدد مدارس وزارة المعارف في السنة نفسها أيضًا 919 مدرسة، أي إن الأوقاف تُسهم بحوالي الثلث.

هذا إلى جانب وثوق الصلة بين الأوقاف وعدد كبير آخر من المؤسسات والجمعيات الخيرية العاملة في المجال الصحي والرعاية الاجتماعية (منها: جمعية المساعي المشكورة، وجمعية العروة الوثقى، والجمعية الخيرية الإسلامية، وجمعية المواساة، وجمعية التوفيق القبطية).

وبعد الثورة تم تحويل تبعية العديد من الممتلكات الموقوفة من مبانٍ ومدارس إلى الوزارات المعنية (مثال: الملاجئ ودور الرعاية الاجتماعية التي أُلحقت بوزارة الشئون الاجتماعية، وإلحاق المدارس بوزارة التربية والتعليم، والمستشفيات بوزارة الصحة).

ولقد أدت التعديلات التي أدخلت منذ قيام ثورة يوليو سنة 1952 على قانون الوقف رقم 48 لسنة 1946 إلى تقييد حرية المواطنين في المبادرة بالتبرع للمصلحة العامة وفقًا لنظام الوقف. 

ثالثًا- التجارب الدولية في الوقف الخيري:

كان نظام الوقف -ولا يزال- من النظم التي تمثل قاسمًا مشتركًا بين مختلف المجتمعات الإسلامية، واستفادت المجتمعات الغربية بكثير من تلك الخبرات في تطوير مؤسساتها الخيرية الحالية.

تجربة الكويت في الوقف الخيري:

قامت بإنشاء الأمانة العامة للأوقاف التي استحدثت الصناديق الوقفية والمشاريع الوقفية. والتي تتولى إنشاء مشروعات ذات أبعاد تنموية تلبي احتياجات الناس وتجديد الدور التنموي للوقف وتطوير العمل الخيري بالتعاون مع جمعيات النفع العام.

تجربة الهند في الوقف الخيري:

تم إنشاء برنامج تنمية الأوقاف الإسلامية الحضرية الذي خصصت له منحة مالية مقدارها 500 ألف روبية هندية يستخدمها المجلس المركزي للأوقاف في تقديم قروض صغيرة لتمويل مشروعات وقفية في المدن.

تجربة الولايات المتحدة الأمريكية في الوقف الخيري:

تمثل الجامعات العريقة أحد الامثلة على نظم الوقف الخيري في الدول الغربية سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة ومعاهد الأبحاث التي يستثمر بها رجال الأعمال وتمثل الأوقاف الأعلى ربحية، كونها تمتلك جزءًا في عائدات المشاريع والمنتجات والأجهزة التي تنتشر عالميًا ويبقى ريعها في ازدياد متراكم لخدمة أوقاف هذه الجامعات. 

أخيرًا، يتضح من العرض السابق وجود جمود وقيود في قوانين الوقف المصري، وقانون الجمعيات والمؤسسات الخيرية في مصر، بما يساهم في الحد من مبادرات المواطنين للمشاركة في إنشاء وتمويل مؤسسات النفع العام، كما أن منظومة قوانين الوقف في مصر تفصل وتعزل الأوقاف عن التنظيمات المؤسسية للعمل الخيري والنفع العام في المجتمع. أضف إلى هذا ضرورة تقديم حوافز ضريبية مشجعة للراغبين في إنشاء أوقاف جديدة أو دعم مؤسسات خيرية تعمل في خدمة المجتمع. 

وقد يساهم صدور صندوق الوقف الخيري في كسر الجمود الذي تعاني منه منظومة الوقف في مصر في أعقاب ثورة يوليو 1952، ولكن يُقترح منح حوافز جديدة للأفراد المتيسيرين والقادرين لتبني مفهوم الوقف مرة أخرى وتزكية الفكرة من جديد.

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية