تحديات المصالحة الفلسطينية

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

الانقسام الفلسطيني هو العقدة الأكثر خطورة في الوضع الراهن في فلسطين. يوفر الانقسام الفلسطيني لإسرائيل ذريعة للتهرب من استحقاقات السلام، فالسلطة الشرعية المعترف بها دوليا لا تسيطر على كافة الأراضي التابعة لها، فيما السلطة الفعلية في قطاع غزة في يد حركة حماس، المتهمة بالإرهاب، وغير المعترف بها دوليا. يعطل الانقسام الفلسطيني البدء الجدي في جهود إعادة إعمار القطاع المدمر، فالسلطة الفلسطينية ليس لها ما يكفي من السلطة على القطاع يما يمكنها من الإشراف على عملية إعادة الإعمار، فيما حكومة حماس ليس لديها ما يكفي من المسوغات لتسلم المساعدات الدولية الموعودة. الانقسام بين الفلسطينيين هو محصلة لقرارات واختيارات اتخذتها قيادات وفصائل…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

الانقسام الفلسطيني هو العقدة الأكثر خطورة في الوضع الراهن في فلسطين. يوفر الانقسام الفلسطيني لإسرائيل ذريعة للتهرب من استحقاقات السلام، فالسلطة الشرعية المعترف بها دوليا لا تسيطر على كافة الأراضي التابعة لها، فيما السلطة الفعلية في قطاع غزة في يد حركة حماس، المتهمة بالإرهاب، وغير المعترف بها دوليا. يعطل الانقسام الفلسطيني البدء الجدي في جهود إعادة إعمار القطاع المدمر، فالسلطة الفلسطينية ليس لها ما يكفي من السلطة على القطاع يما يمكنها من الإشراف على عملية إعادة الإعمار، فيما حكومة حماس ليس لديها ما يكفي من المسوغات لتسلم المساعدات الدولية الموعودة.

الانقسام بين الفلسطينيين هو محصلة لقرارات واختيارات اتخذتها قيادات وفصائل فلسطينية، ولأخطاء وقعت فيها هذه القيادات، وعليها تقع مسئولية إصلاح ما ارتكتبته من أخطاء. الانقسام الفلسطيني هو أيضا محصلة لتطورات وظروف موضوعية أحاطت بالقضية الفلسطينية منذ نشأتها، الأمر الذي يجعل الأمر أكثر عمقا من مجرد قرارات خاطئة اتخذها هذا القائد أو ذاك؛ فالقضية الفلسطينية كانت طوال الوقت موضوعا للتأثير من جانب قوى إقليمية ودولية عاتية ذات تأثير بعيد المدى، وقد أثرت هذه القوى على مصير ومسار القضية الفلسطينية بدرجة كانت بالمجمل أكبر من أثر اختيارات الفلسطينيين أنفسهم.

الحالة الفلسطينية هي بيئة خصبة للتعدد والانقسام. لقد طال بحث الفلسطينيين عن حل لقضيتهم بلا جدوى. انتهت حقبة التحرر الوطني منذ زمن طويل فيما الفلسطينيون مازالوا محرومين من الحق في تقرير المصير. الإخفاق في تحقيق أهداف الكفاح الوطني لفترة طويلة هو سبب مباشر لإضعاف شرعية الأجيال والتنظيمات التي قادت مراحل الكفاح المبكرة، ومناخا مناسبا لظهور تيارات وأطراف جديدة، تجرب أساليب وعقائد وأفكار لم يجربها السابقون؛ بكل ما يحمله ذلك من فرصة للصراع بين القديم والمستحدث.

تقع فلسطين في القلب من التفاعلات السياسية والإيديولوجية في العالم العربي، بل إن تطورات القضية الفلسطينية كانت هي السبب المباشر لتتابع ظهور التيارات الإيديولوجية في العالم العربي. انهزم العرب في حرب 1948، فتقوضت شرعية نظم الحكم الملكية شبه الليبرالية، وخرج العالم العربي من حكم الهاشميين والعلويين، لحكم حزب البعث والناصريين. انهزم القوميون الراديكاليون في حرب 1967، فانفتح الباب لموجة عاتية من الإسلام السياسي بألوانه المتعددة.

تسبب كل إخفاق واجه العالم العربي في إحقاق الحقوق الفلسطينية في إضعاف شرعية جيل وتيار إيديولوجي، وأفسح المجال لظهور جيل وتيار إيديولوجي جديد. تراجع تيار الوطنية الفلسطينية، الذي مثلته حركة فتح؛ وصعود الحركة الإسلامية الفلطسينية، ممثلة في حركة حماس؛ وما تبعه من انفجار الصراع بين الفريقين، هو جزء من ظاهرة الصراع بين التيارات الإيديولوجية في العالم العربي. المرحلة الراهنة في العالم العربي هي مرحلة صراع إيديولوجي حاد بين التيارات الوطنية والتيارات الإسلامية، وما يجري في فلسطين ليس مختلفا كثيرا عن هذا.

التدخل في الشأن الفلسطيني كان هو الأسلوب المفضل لدى كل الأطراف الطامحة للعب دور إقليمي في الشرق الأوسط. اصطناع فصيل فلسطيني، أو تبني فصيل قائم بالفعل، من أجل الإمساك ببعض من الورقة الفلسطينية المهمة إقليميا، كان هو الممارسة الشائعة التي اتبعتها الدول المتنافسة من أجل النفوذ في الإقليم.

عمقت التدخلات الإقليمية من الانقسامات الفلسطينية، وأطالت أمدها؛ وما يحدث اليوم فيه شبه كبير بما حدث في العقود الممتدة من الستينيات وحتى الثمانينيات. أما جديد هذه المرحلة فيتمثل في أنه قد أصبح للفلسطينيين اليوم سلطة يتصارعون عليها، حتى لو كانت سلطة منقوصة وتحت الاحتلال، وكلما زادت قيمة الجائزة التي يدور الصراع حولها، كلما زادت صعوبة التوصل إلى حل، وأصبحت المصالحة أقل احتمالا. الجديد في هذه المرحلة أيضا هو أن التدخل في الشأن الفلسطيني لم يعد احتكارا لدول العرب، بعد أن انضمت إيران وتركيا إلى قائمة المتدخلين في الشأن الفلسطيني، بل بعد أن حل الأتراك والإيرانيين محل العراق وسوريا وليبيا التي تعاني للخروج من أزماتها.

لقد أدت تطورات الصراع إلى إجبار حركة فتح، التنظيم الأم في الحركة الوطنية الفلسطينية، على المشاركة كطرف ثانوي في السلطة السياسية قبل استكمال مهمة التحرر الوطني. هذا هو ما حدث في أوسلو، عندما تأسست السلطة الفلسطينية المحدودة والجزئية، انتظارا لاستكمال التفاوض على قضايا الحل النهائي الأكثر صعوبة. بالدخول إلى السلطة تحولت فتح من حركة ثورية تتحدى الأمر الواقع، إلى حزب سلطة له مصلحة في الحفاظ – ولو جزئيا – على الأمر الواقع، وبما أدى إلى تآكل الشرعية الكفاحية للتيار المؤسس للحركة الوطنية الفلسطينة، خاصة بعد أن لحقت به السلبيات التي عادة ما تلحق بالأحزاب في موقع السلطة، مخلفا ورائه فراغا كفاحيا تقدم خصومه من حركة حماس لشغله. للخبرة الفلسطينيية في هذا لمجال شبه بالخبرة المصرية، عندما شارك الوفد، حزب الوطنية المصرية، في السلطة، قبل استكمال التحرر الوطني، الأمر الذي أضعف الطاقة الكفاحية للوفد، وأضعف شرعيته النضالية، لصالح تيارات رفض اجتماعي وسياسي، اشتراكية وشيوعية وإسلامية، بالإضافة إلى تنظيم الضباط الذي وجه الضربة القاصمة للنظام في النهاية.

لقد أسفرت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة عن زيادة شعبية حركة حماس، فيما ثار الكثير من الأسئلة بشأن أداء السلطة الفلطسينية، الأمر الذي تسبب في اختلال ميزان القوى بين الطرفين، وبما لا يسهل من إمكانية حدوث المصالحة بينهما، خاصة وأن حركة حماس ترى أنها في صعود، وأن المستقبل من نصيبها، وأن أي تنازل تقدمه لفتح والسلطة الفلسطينية هو تنازل مجاني. والمطلوب هو استعادة التوازن والتكافؤ بين الطريفين كشرط يسبق تحقيق المصالحة بينهما.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب