وحدة الدراسات الاقتصادية

منظومة البناء الجديدة في مصر

مع توجه الدولة المصرية نحو التوسع العمراني وإنشاء مدن ومجتمعات عمرانية جديدة لمواجهة النمو السكاني، وتزايد احتياج الأفراد إلى مسكن ملائم، والقضاء على ظاهرة البناء على الأراضي الزراعية، اشتملت استراتيجية الدولة على تطوير منظومة البناء داخل المدن، وذلك لتنظيم عملية البناء والقضاء على ظاهرة البناء العشوائي، مع الحفاظ على سلامة المواطنين واستيفاء حقوق الدولة ومنع المخالفات وتجاوز القوانين. وتعمل منظومة البناء في مصر وفقًا لقانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008، إلا أنه تم القيام بالعديد من أعمال البناء المخالفة لأحكام القانون، فجاء القانون رقم 17 لسنة 2019 الخاص بالتصالح في مخالفات البناء أحد أبرز مظاهر تطوير منظومة البناء في…

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

مع توجه الدولة المصرية نحو التوسع العمراني وإنشاء مدن ومجتمعات عمرانية جديدة لمواجهة النمو السكاني، وتزايد احتياج الأفراد إلى مسكن ملائم، والقضاء على ظاهرة البناء على الأراضي الزراعية، اشتملت استراتيجية الدولة على تطوير منظومة البناء داخل المدن، وذلك لتنظيم عملية البناء والقضاء على ظاهرة البناء العشوائي، مع الحفاظ على سلامة المواطنين واستيفاء حقوق الدولة ومنع المخالفات وتجاوز القوانين. وتعمل منظومة البناء في مصر وفقًا لقانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008، إلا أنه تم القيام بالعديد من أعمال البناء المخالفة لأحكام القانون، فجاء القانون رقم 17 لسنة 2019 الخاص بالتصالح في مخالفات البناء أحد أبرز مظاهر تطوير منظومة البناء في مصر، وقد استغرق إعداد ذلك القانون نحو 4 سنوات، وطرأت عليه عدة تعديلات جاء أبرزها في القانون رقم 1 لسنة 2020. وتم بمقتضى ذلك القانون تصالح السلطات المختصة في بعض مخالفات البناء، مقابل دفع غرامات تحددها لجان محلية معنية بكل محافظة. وامتدت فترة تقديم طلبات التصالح في مخالفات البناء حتى نهاية مارس 2021. 

وقد شهدت حركة البناء في مصر حالة من الجمود خلال فترة تقديم طلبات التصالح في مخالفات البناء وحتى اعتماد الضوابط الجديدة للبناء في مايو 2021، وتم تطبيق منظومة البناء الجديدة لفترة تجريبية بدأت من أول مايو 2021 لمدة شهرين في 27 مركزًا ومدينة بالمحافظات، على أن يتم البدء في تطبيق المنظومة على باقي المدن في الأول من يوليو 2021. وتعد منظومة البناء الجديدة بداية لعهد جديد للامتداد العمراني المنضبط على أسس إنشائية علمية لإعادة تنظيم عملية البناء في إطار خطة الدولة للقضاء على ظاهرة البناء العشوائي. 

عقود طويلة من عشوائية البناء

بدأت الدولة خطة تطوير منظومة البناء والقضاء على العشوائيات من خلال مواجهة التحديات المتراكمة طوال العقود الماضية والتي ترتب عليها آثار سلبية تمسّ مصلحة المواطنين بل وتهدد حياتهم، فضلًا عما تمثله من انتهاك لحقوق الدولة وتشويه المظهر الحضاري. وقد جاءت تلك المخالفات نتيجة أطماع بعض المقاولين في زيادة أرباحهم من خلال الغش في البناء والخروج عن اشتراطات السلامة، وبحث المواطنين على فرص للحصول على مسكن بأسعار منخفضة، وتلاقى ذلك مع فساد بعض العناصر بالإدارات المحلية، مع تراخي وعدم الصرامة في منع وإزالة المخالفات، الأمر الذي ترتب عليه انتشار ظاهرة البناء العشوائي.

وقد أجاز القانون رقم 17 لسنة 2019 قبول الدولة للتصالح في مخالفات البناء مقابل دفع غرامات تتراوح بين 50 إلى 2000 جنيه للمتر تحددها لجان محلية معنية بالمحافظات، وفقًا للمستوى العمراني والحضاري وتوافر الخدمات في المناطق المختلفة. مع استثناء بعض الحالات التي لا يجوز فيها قبول التصالح وهي تلك الحالات التي تخل بالسلامة الإنشائية للبناء، والتعدي على خطوط التنظيم وحقوق الارتفاق، وتجاوز قيود الارتفاع المقررة من الطيران المدني أو تجاوز متطلبات شئون الدفاع عن الدولة، وحالات البناء على الأراضي المملوكة للدولة ما لم يكن تقدم بطلب لتقنين الأوضاع وفقًا للقانون المنظم، وكذلك المخالفات الخاصة بالمباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز. والبناء على الأراضي الخاضعة لقانون حماية الآثار ونهر النيل، وتغيير الاستخدام للمناطق التي صدر لها مخططات تفصيلية معتمدة ما لم توافق الجهة الإدارية، وحالة البناء خارج الحيز العمراني المعتمد عدا الاستثناءات الواردة بالقانون.

وعلى الرغم من وجود العديد من الصعوبات التي شهدتها فترة تقديم طلبات التصالح في مخالفات البناء، واستغراقها مدة زمنية طويلة نسبيًا، إلا أنها كانت خطوة ضرورية لتقنين أوضاع العقارات الموجودة بالفعل. وتم خلال تلك الفترة اتخاذ قرارات بإزالة العقارات المستثناة من التصالح، مع حظر بناء عقارات جديدة حتى يتم الانتهاء من وضع معايير البناء وفقًا لمنظومة البناء الجديدة.

اشتراطات بنائية وتخطيطية جديدة

تم تطبيق منظومة البناء الجديدة لفترة تجريبية بدأت من أول مايو 2021 لمدة شهرين في 27 مركزًا ومدينة موزعة في المحافظات، وهي: حي مصر الجديدة بالقاهرة، وحي جنوب الجيزة، ومركز ومدينة قها بالقليوبية، وحي المنتزه أول بالإسكندرية، ومركز ومدينة كفر الدوار بالبحيرة، ومدينة مطروح، ومركز ومدينة قويسنا بالمنوفية، وحي ثاني طنطا بالغربية، ومركز ومدينة سيدي سالم بكفر الشيخ، ومركز ومدينة فارسكور بدمياط، ومركز ومدينة طلخا بالدقهلية، ومركز ومدينة العريش بشمال سيناء، ومدينة شرم الشيخ بجنوب سيناء، وحي الشرق ببورسعيد، وحي ثالث الإسماعيلية، وحي السويس، وحي أول الزقازيق بالشرقية، ومركز ومدينة ناصر ببنى سويف، ومركز ومدينة المنيا، ومركز ومدينة الفيوم، وحى غرب أسيوط، ومركز ومدينة الخارجة بالوادي الجديد، وحى شرق سوهاج، ومركز ومدينة نقادة بقنا، ومركز مدينة أسوان، وحى جنوب الغردقة بالبحر الأحمر، ومركز ومدينة البياضية بالأقصر.

وتضمنت منظومة البناء الجديدة إجراء تعديلات على قانون البناء الموحد، وذلك لتلافي الأخطاء التي نتج عنها ما آلت إليه الأوضاع من عشوائية البناء وتهديد سلامة المواطنين وحقوق الدولة. وجاء من أبرز تلك التعديلات المساحات المخصصة للبناء وقيود على ارتفاعات المباني، ومستندات وإجراءات الحصول على التراخيص.

فأما بالنسبة للمساحة المخصصة للبناء، فقد ألزمت المنظومة الجديدة المواطنين بالبناء على 70% من إجمالي مساحة الأرض، على أن يتم استثناء المواطن الذي يمتلك مساحة أقل من 175 مترًا، ويتم الاستفادة من المساحة المستثناة من البناء كمساحات خضراء أو شوارع جانبية. وتم تحديد ارتفاع المبنى في المنظومة الجديدة وفقًا لعرض الشارع، فإذا كان عرض الشارع أقل من8  أمتار فإن الحد الأقصى للارتفاع يكون 10 أمتار بما يعادل دورًا أرضيًا ودورين علويين، بينما يصل الحد الأقصى للارتفاع إلى 13 مترًا بما يعادل دورًا أرضيًا وثلاثة أدوار علوية حال تراوح عرض الشارع ما بين 8 إلى 12متر، ويصل الحد الأقصى للارتفاع إلى 16 مترًا بما يعادل دورًا أرضيًا و4 أدوار علوية حال وصول عرض الشارع لأكثر من 12 مترًا. وبذلك تهدف المنظومة الجديدة إلى التوسع الأفقي وليس الرأسي، وفقًا لخطة الدولة الهادفة إلى إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة دون المساس بالرقعة الزراعية. فضلًا عن أن ضبط البناء يؤدي إلى الحفاظ على الشبكات والمرافق العامة بما يساهم في تقليل الأعطال، وتوفير الأموال المستنزفة في تطويرها. 

أما عن مستندات وإجراءات الحصول على تراخيص أي بناء جديد، فقد تضمن اختيار المواطن أحد النماذج النمطية للواجهات المعدة مسبقًا، ثم يتعاقد مع مهندس أو مكتب هندسي لإعداد ملف الرخصة، وإعداد التصميمات الهندسية للمبنى، وبعد إتمام البناء يقوم المهندس المشرف بتقديم شهادة صلاحية المبنى للإشغال للمركز التكنولوجي للمعاينة وتوصيل المرافق. ولا يتم التعامل مع أي مهندس إلا بعد تقديم شهادة مؤمنة من النقابة تثبت استمرار عضويته وعدم وجود أي عقوبات. أما عن إصدار التراخيص، فسوف تقوم وزارة الإسكان والتنمية المحلية بالتعاون مع نقابة المهندسين والجامعات في إنشاء منظومة حوكمة إصدار تراخيص البناء، وعليه يتم إصدار التراخيص من خلال الجامعات طبقًا للقواعد التي تنص عليها نقابة المهندسين ووزارة الإسكان والتنمية المحلية. وبذلك فقد جمعت منظومة البناء بين دور نقابة المهندسين في اعتماد المكاتب الاستشارية والمهندسين الاستشاريين الذين من حقهم المشاركة في إصدار التراخيص، فضلًا عن دور الجامعات في إصدار التراخيص، بما يؤدي إلى تقليل حوادث انهيارات العقارات المخالفة للاشتراطات الآمنة.

حوكمة منظومة البناء الجديدة والقضاء على ظاهرة العشوائيات

تساهم منظومة البناء الجديدة في التنسيق الحضاري والحد من ظاهرة العشوائيات، من خلال تحديد الاماكن التي يحظر فيها البناء في المناطق ذات كثافات شديدة الارتفاع، وحظر جزئي في المناطق ذات الكثافة المتوسطة إلى المرتفعة، وتحديد عدد الطوابق وفقًا لعرض الشارع، وكذلك تحديد مساحة البناء من المساحة الكلية. كما تشترط توفير جراج داخل العقار، لإزالة مشكلة الزحام المروري والتكدس بالشوارع. ويلاحظ أن تطبيق تلك المعايير من شأنه ليس فقط القضاء على العشوائيات، بل يساعد على عودة الشكل الجمالي للقرى المصرية، بما يؤدي إلى تنشيط السياحة الريفية. 

ومن جهة أخرى، تعمل منظومة البناء الجديدة وفقًا لخطة الدولة الرامية إلى التحول الرقمي وحوكمة الخدمات الحكومية؛ فمن خلال حوكمة إصدار التراخيص يتم تقليل التعامل بين المواطن وبين الجهات الحكومية المختلفة المانحة للتراخيص، وتخفف الأعباء البدنية والمالية على المواطنين، فضلًا عن إضافة دور الجامعات ونقابة المهندسين بما يساهم في تحقيق السلامة الإنشائية للمباني والعقارات، ويؤدي إلى تطوير البيئة العمرانية والحضارية بما يليق بالدولة المصرية والمواطنين المصريين.

وأخيرًا، يلاحظ أن إصدار الاشتراطات الجديدة لم يتم في صورة قانون، كما أنه تم تطبيقها لفترة تجريبية بمختلف المحافظات، يتيح الفرصة لمراجعتها والقيام بالتعديلات اللازمة وإعادة إصدارها مرة أخرى.

أسماء رفعت
باحثة بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة