مقال تحليلي

قراءة في الاتفاق العسكري الروسي الإثيوبي

بعد أربعة أيام من جلسة مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، والخاصة بأزمة سد النهضة في الثامن من يوليو الجاري، أعلنت إثيوبيا في الثالث عشر عن اتفاق تعاون عسكري شامل مع روسيا الاتحادية التي أعلنت عنه تاليًا، وجاء الإعلان الإثيوبي في إطار الاستقواء بالحليف الروسي الذي قال ممثله في مجلس الأمن: على أطراف الأزمة أن تكفّ عن الخطاب التصعيدي. قاصدًا مصر التي أعلنت أن العبث بحصتها من المياه هو خط أحمر، لأن المياه هي مسألة بقاء وأمن قومي قبل أن تكون مسألة تنمية، وقاصدًا السودان الذي أعلن أنه قادر على إرغام إثيوبيا على سحب باقي مواطنيها الذين تحرسهم مليشيات مسلحة…

لواء دكتور/ محمد قشقوش
مستشار المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

بعد أربعة أيام من جلسة مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، والخاصة بأزمة سد النهضة في الثامن من يوليو الجاري، أعلنت إثيوبيا في الثالث عشر عن اتفاق تعاون عسكري شامل مع روسيا الاتحادية التي أعلنت عنه تاليًا، وجاء الإعلان الإثيوبي في إطار الاستقواء بالحليف الروسي الذي قال ممثله في مجلس الأمن: على أطراف الأزمة أن تكفّ عن الخطاب التصعيدي. قاصدًا مصر التي أعلنت أن العبث بحصتها من المياه هو خط أحمر، لأن المياه هي مسألة بقاء وأمن قومي قبل أن تكون مسألة تنمية، وقاصدًا السودان الذي أعلن أنه قادر على إرغام إثيوبيا على سحب باقي مواطنيها الذين تحرسهم مليشيات مسلحة من داخل الحدود السودانية المتاخمة لمنطقة سد النهضة، بينما لم يُشر المندوب الروسي إلى التصعيد الفعلي الإثيوبي بالتصرفات الأحادية، وآخرها بدء الملء الثاني خلف السد أثناء كلمته في مجلس الأمن!.

جاء هذا الإعلان خلال الجلسة الحادية عشرة للجنة المشتركة العادية، وأُعلن كاتفاق عسكري خارج نطاق تلك اللجنة بعد جلسة مباحثات استمرت ثلاثة أيام، بدءًا من اليوم التالي لجلسة مجلس الأمن، لإعلان الاستقواء الإثيوبي بروسيا واستباقًا للخطوة التالية للمسار السياسي، وترأس الجانب الروسي “أناتولي بونتشوك” نائب مدير التعاون العسكري الخارجي الذي أشار إلى التعاون بعيد المدى بين البلدين، ومثّل الجانب الإثيوبي أعضاء هيئة الأركان برئاسة وزيرة الدولة للدفاع “مارتا لويجي”، التي أعلنت الاتفاق، وقالت إنه حصاد حوارات ممتدة بين رئيسي البلدين “آبي أحمد” و”بوتين”. وهنا سنتعرض إلى دوافع الدولتين قبل إلقاء ملمح عن الجيش الإثيوبي كما سيلي:

أولًا- الدوافع الإثيوبية:

1- إظهار الامتنان لروسيا على موقفها الداعم لها خلال مناقشات مجلس الأمن بخصوص سد النهضة، وكذلك الامتنان لموقفها تجاه الحرب الحكومية الإثيوبية ضد إقليم تيجراي التي أدانها العالم كله تقريبًا واعتبرته روسيا شأنًا داخليًا، وأيضًا دعم الانتخابات الإثيوبية التي كانت على غير رغبة بعض أقاليمها، لغياب عدالة التمثيل مثل الأغلبية الأورومية في مواجهة الأقلية الأمهرية التي تحظى بنصيب الأسد من المناصب القيادية في الدولة.

2- استعواض الخسائر الكبيرة للجيش في حربه ضد إقليم تيجراي في الشمال وصراعات مشابهة لبعض أقاليم الجنوب المتاخمة للصومال، مما يهدد بتفكك الدولة الفيدرالية بالإضافة إلى المشاكل العرقية.

3- التخوف من تخريب وإعطاب جبهة تحرير تيجراي لسد (تكازي) في الثاني من يوليو الجاري، وهو ما يمكن تكراره بشكل أكبر ومع مليشيات أخرى من أبناء شنقول ضد سد النهضة.

3- استعواض طائرات القتال والمروحيات المسلحة التي هرب بها طيارون وفنيون إلى كينيا وإريتريا.

4- تقوية الجيش بأسلحة حديثة لمواجهة الانشقاقات وتصاعد الأزمة على الحدود السودانية، حيث كانت آخر صفقة أسلحة روسية هامة عام 2013 بقيمة 100 مليون دولار، مع دعم الدفاعات الأرضية والدفاع الجوي عن سد النهضة، نظرًا لضعف القوات الجوية.

5- الحاجة إلى إعادة إنشاء قوات بحرية جديدة مرة أخرى بعد إلغائها عام 1996، وتحول إثيوبيا إلى دولة حبيسة بدون شواطئ بعد أن آلت سواحلها على البحر الأحمر ومعظم قطعها البحرية إلى إريتريا بعد الانفصال، حيث أصدر “آبي أحمد” قرارًا في 2019 بعد تعديل الدستور بإعادة إنشائها للعمل من موانئ صديقة قريبة، والمرشح هو ميناء بربرة في إقليم أرض الصومال المُطالِب بالانفصال، ويشجعه استثمار شركة موانئ دبي في الميناء حيث ساهمت إثيوبيا بنسبة 19% من أسهمه على حد إعلان إثيوبيا.

ثانيًا- الدوافع الروسية:

1- يتبع الجيش الإثيوبي مدرسة التسليح السوفيتي/الروسية بنسبة 95%، والنسبة المتبقية من المدرستين الأوكرانية والصينية، عدا قلة من المدرسة الأمريكية والإيطالية. وتريد روسيا استمرارها لهذا الاحتكار.

2- تطمع روسيا في موضع قدم في القرن الإفريقي والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر وباب المندب، لمزاحمة التواجد الغربي والياباني والصيني والخليجي المتواجد في قواعد عسكرية في جيبوتي وأرض الصومال، بالإضافة لوجود القيادة الأمريكية الإفريقية في جيبوتي أيضًا. 

3- سوف تسهل إثيوبيا التواجد الروسي على كل أراضيها بشكل غير مباشر، مع تواجد مباشر في الميناء البحري الإثيوبي الجديد المزمع في بربرة، مع إعادة بناء وتسليح القوات البحرية الإثيوبية الجديدة كسابقتها، وهو ما ينتظر أن يكون بندًا هامًا في الاتفاق العسكري.

4- تحاول روسيا أن يكون تواجدها البحري في الميناء الإثيوبي في بربرة هو إضافة لمحاولة دعم تواجدها في بورسودان في حوض البحر الأحمر أو بديلًا له حال تراجع السودان نظرًا للضغوط الأمريكية وغرب أوروبا مقابل حصول السودان على المعونات وإسقاط الديون وإلغاء العقوبات، وهو عرض كبير.

5- تريد روسيا أن تقدم نفسها بشكل أكبر دوليًا لمحاربة القرصنة من موقعها الجديد في القرن الإفريقي.

6- لا يُستبعد أن يشمل الاتفاق عناصر دفاع جوي متقدمة، ولكن ذلك سيصطدم بتفاهمات روسية أمريكية على منع توريد مثل تلك الأسلحة الأكثر تطورًا إلى مناطق الصراعات، رغم سابق بيع روسيا عدد 4 منظومات من طراز بانتسير المتطورة متوسطة المدى عام 2019 لنشرها حول سد النهضة.

ثالثًا- ملمح عن الجيش الإثيوبي:

1- يتكون من قوات برية وجوية ودفاع جوي دون قوات بحرية والجاري تشكيلها. وتستطيع تعبئة مليون فرد بنسبة 1% من إجمالي السكان البالغ حوالي 108 ملايين نسمة، دون تأثر قوة العمل كالقياسات الدولية.

2- القوات موزعة في مناطق عسكرية لقوات مدرعة ومشاة ميكانيكية في المنطقة المركزية حول العاصمة أديس أبابا، والشمالية في اتجاه تيجراي، والشرقية في اتجاه إريتريا، والغربية في اتجاه السودان وجنوبه، دون منطقة جنوبية في اتجاه الصومال لسحب قواتها لدعم الشمال والغرب.

3- القوات الجوية ضعيفة وتمتلك فقط 24 طائرة قتال شبه متقدمة من الميج 23، والسوخوي 27 منذ عام 2013، لذلك تحاول دعم قوات الدفاع الجوي للتغلب على هذا الضعف، وتحديث ما هو متقادم من طرازات سام 2 و3 التي استخدمتها مصر في حرب أكتوبر 1973، ويتم التحديث والتطوير بواسطة أوكرانيا التابعة لذات المدرسة التسليحية والتي أمدت إثيوبيا بعناصر رصد جوي سلبي لمسافة 700 كم، وكذلك عدد 400 دبابة منها 300 تي 72 طراز حديث نسبيًا ضمن الصفقة نفسها، مع عدد من المدفعيات منها جزء ذاتي الحركة وعربات نقل مدرعة منها جزء إسرائيلي المصدر. 

4- لم يثبت بدليل قاطع حصول إثيوبيا على منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلي طراز العنكبوت (سبايدر آر) ولكنّ هناك تعاونًا جديدًا في مجال الفضاء السيبراني والإلكتروني.

5- يعاني الجيش الإثيوبي من الانشقاقات والنزوح إلى دول مجاورة كما سبق ذكره، وكذلك تغلب العرقيات القبلية والمناطقية على الانتماء للدولة المركزية كما ظهر جليًا في حرب الدولة ضد أحد أقاليمها في تيجراي وبعض أقاليم الجنوب، بما يهدد بتفكك الدولة الفيدرالية المركزية.

استنادًا إلى ما سبق، يمكن استنتاج أن القصد الرئيسي من إعلان الاتفاق العسكري الإثيوبي الروسي هو التوقيت ذاته، التالي مباشرة لجلسة مجلس الأمن بخصوص أزمة سد النهضة، وللاستقواء الإثيوبي بروسيا عسكريًا بعد الاستقواء السياسي على لسان مندوب روسيا بمجلس الأمن الذي دعا الأطراف (يقصد مصر والسودان) إلى الكف عن خطابات التصعيد الذي جوهره الحفاظ على حصة مياه الدولتين، بينما لم يَرَ أي تصعيد في الملء الأحادي بواسطة إثيوبيا بالتزامن مع خطابه! كما كان الإعلان من الجانب الإثيوبي أولًا تماشيًا مع الهدف، ولم يُعلَن محتوى الاتفاق الذي نرى أنه غالبًا سيشمل دعمًا عسكريًا روسيًا، خاصة في مجال الدفاع الجوي المتطور، مع إعادة تشكيل وتسليح القوات البحرية في ميناء بربرة بأرض الصومال، حيث تبحث روسيا عن موضع قدم بديل لبورسودان، مع استعواض خسائر الحرب الكبيرة في إقليم تيجراي والانشقاقات العسكرية والهروب إلى دول الجوار، وخاصة الطيارين بطائراتهم، بما يهدد بتفكك الدولة الإثيوبية الفيدرالية.

لواء دكتور/ محمد قشقوش
مستشار المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية