حياة كريمة…إصلاح لعوار تاريخي

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

الحضارة المصرية هي حضارة زراعية، والأرض والفلاح هما مصدر الثروة التي مولت تشييد الحضارة المصرية منذ عصر ملوك الفراعنة العظام. المشكلة هي أنه بينما كان يجري توجيه فائض الثروة للنهوض بجودة الحياة في العاصمة والحواضر الكبرى، بقي الريف المصري على حاله لقرون طويلة.  تشكل الريف المصري تلقائيا منذ آلاف السنين، عندما تكونت تجمعات بشرية صغيرة، كان كل منها نواة لقرية مصرية من آلاف القرى التي صنعت ريف مصر. اختار المصريون التلال والأكوام المرتفعة ليبنوا عليها بيوتهم، حماية لها من الفيضان، في حين زرعوا الأراضي المنخفضة المحيطة بهذه المرتفعات الصغيرة. كان الفيضان يأتي كل عام ليغمر الأرض الزراعية المنخفضة، فيما تبقى…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

الحضارة المصرية هي حضارة زراعية، والأرض والفلاح هما مصدر الثروة التي مولت تشييد الحضارة المصرية منذ عصر ملوك الفراعنة العظام. المشكلة هي أنه بينما كان يجري توجيه فائض الثروة للنهوض بجودة الحياة في العاصمة والحواضر الكبرى، بقي الريف المصري على حاله لقرون طويلة. 

تشكل الريف المصري تلقائيا منذ آلاف السنين، عندما تكونت تجمعات بشرية صغيرة، كان كل منها نواة لقرية مصرية من آلاف القرى التي صنعت ريف مصر. اختار المصريون التلال والأكوام المرتفعة ليبنوا عليها بيوتهم، حماية لها من الفيضان، في حين زرعوا الأراضي المنخفضة المحيطة بهذه المرتفعات الصغيرة. كان الفيضان يأتي كل عام ليغمر الأرض الزراعية المنخفضة، فيما تبقى البيوت المبنية على الأرض المرتفعة في مأمن. ينتهي الفيضان، وتنحسر مياه النهر، لتكشف عن أراضي خصبة جاهزة لغرس البذور، فينزل الفلاحون من قراهم المرتفعة ليعملوا في الحقول. 

بسبب مساحة الأرض المحدودة فوق الكوم أو التلة التي بنيت عليها القرية، فإن شوارع القرية ضيقة، وبيوتها متلاصقة. لقد ولدت هذه التجمعات القروية نمطا اجتماعيا لحياة ثقافية واجتماعية اتسمت بالتزاحم، فمنحت التكوين الاجتماعي المصري أحد أهم ملامحه: الازدحام بكل ما يسببه من صراعات، وكل ما يوفره من فرص للتضامن. 

كانت العاصمة والحواضر تزدهر، فيما بقي الريف محكوما بحتميات النهر والفيضان. ظل لفلاح المصري حتى سنوات قليلة يمارس حياته بنفس الطريقة التي عاش بها  أجداده في زمن ملوك الفراعنة، وهو ما تشهد به المقارنة بين الرسومات على جدران المعابد، وما جاء في كتاب وصف مصر بعد ذلك بثلاثة آلاف عام. 

لقد جرى تحديث نظام الري المصري، بدءا من القرن التاسع عشر، وتم إنشاء القناطر والترع والمصارف الكبرى، ثم بناء الخزانات والسدود. لقد أحدثت هذه المشروعات تغييرا كبيرا في العلاقة بين الفلاح والأرض والنهر، فسمحت بزارعة المزيد من الأرض والمحاصيل وزيادة الثروة، وحررت الفلاح من حتميات النهر والفيضان. لم يعد خطر الغرق قائما، ولم تعد الحاجة قائمة لمواصلة السكن فوق الكوم أو التل، فنزل الفلاحون من قراهم المرتفعة، وبنوا بيوتهم في اي مساحة خالية. توسعت القرى في اتجاه سفوح التلال والأكوام، واختلطت المساكن بالأرض الزراعية في عشوائية، بعد أن أصبح البناء على الأرض الزراعية ممكنا، وأقيمت قرى جديدة وتجمعات سكانية متفاوتة الحجم وسط الحقول، وهو أمر لم يكن من الممكن تصوره قبل السيطرة على الفيضان. 

لقد نشأت العزب نتيجة تطورات القرن التاسع عشر، فقد رفض أعضاء طبقة كبار ملاك الأرض، التي تكونت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، العيش في القرية المزدحمة فوق التل، واختاروا العيش وسط مزاراعهم، وجذبت بيوتهم وملكياتهم الزراعية أسر الفلاحين التي عملت في أرض المالك الثري، وفي رعاية بيته الكبير المقام خارج القرية. 

حدث كل هذا تلقائيا، ودون أي تخطيط مسبق، ودون أي محاولة للمواءمة بين متغيرات الاقتصاد والمجتمع والثقافة والعمران، فكان التغير يحدث بمبادرات فردية، تخدم المصالح الخاصة، حتى لو كان في هذا تعارضا مع مصالح المجموع الريفي والوطني. تغير التركيب الاجتماعي للريف، واختفى كبار الملاك من الريف المصري بعد قوانين الإصلاح الزراعي، وبعد أن تولت قوانين المواريث تفتيت ما تبقى من ملكيات كبيرة، وانتشرت الملكيات القزمية بين سكان الريف الذين تضاعف عددهم عدة مرات، لكن العزب ظلت قائمة، وهي التي نعتبرها الآن توابع للقرى. 

المشكلة الكبرى التي تواجه الريف حاليا هي نقص مساحات الأرض المخصصة للبناء والسكن، فزاد التزاحم، وأصبح من الصعب توفير الأرض اللازمة لبناء منشآت خدمية تستجيب لحاجات السكان، من المدارس والمستشفيات ومراكز الشرطة ومكاتب البريد والوحدات المحلية ومكاتب الجهاز الإداري للدولة. لعقود طويلة لم يكن توفير هذه الخدمات خاضعا لخطة حكومية، وإنما كان موضوعا للواسطة وممارسة النفوذ، ولسنوات طويلة كان استجلاب الخدمات لأهل الريف هو المجال الرئيسي للمنافسة بين المتنافسين على الفوز بثقة الناخبين الريفيين في الانتخابات النيابية، التي مثلت فرصة أهل الريف الوحيدة للحصول على الخدمات. وبينما كان السياسيون والمثقفون من أهل المدينة ينظرون باستعلاء لنائب الخدمات الريفي، فإن هذا النوع من النواب كان هو فرصة أهل الريف للفوز ببعض من حقهم في الخدمات. 

كان الريف هو المصدر الأساسي لإنتاج الثروة في البلاد، لكن فائض هذه الثروة كان يتم نزحه إلى المدينة، ليعاد استثماره فيها، سواء في شكل مظاهر بذخ اجتماعي استفزازي، أو من أجل إنشاء مشروعات عمرانية وخدمية وصناعية تستجيب لحاجات أهل المدن، وهو الأمر الذي تواصل حتى في زمن ثورة يوليو. كان لثورة يوليو طموحات كبيرة تخص الفلاح، وكان لقوانين الإصلاح الزراعي أثرا مهما في إعادة توزيع الدخل في الريف. غير أن حكومات الثورة واصلت نزح الفائض الاقتصادي من الريف لاستثماره في المدينة، من خلال نظام الدورة الزراعية، واحتكار الدولة لتجارة المحاصيل الرئيسية، فكان فائض الإنتاج الزارعي هو مصدر تمويل برنامج التصنيع الطموح، ومشروعات التنمية والخدمات الكبرى في المناطق الحضرية. فبقيت الفجوة بين الريف والمدينة متسعة، وظل الريف مرادفا للفقر ونقص الخدمات.

اليوم عندما يتم إطلاق مشروع حياة كريمة للنهوض بالريف المصري، وعندما يتم ضخ مليارات كثيرة لتنميته، فإن هذا يمثل محاولة حتى نعيد للريف حزءا من الثروة التي طالما جرى نزحها للمدينة، ونرد له بعض الجميل، بعد أن تحمل تكلفة بناء الحضارة في هذا الوادي.  

ــــــــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ١٥ يوليو ٢٠٢١.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب