العيد وفرص المراجعة في زمن كورونا

عضو الهيئة الاستشارية

للعام الثاني على التوالي، يحتفل العالم الإسلامي بعيد الاضحى وسط أجواء من الحيطة والحذر بسبب جائحة كورونا. وعلى الرغم من اننا نحاول ان نتعايش مع هذا الضيف الثقيل، لكنه ومع ذلك لايزال يفرض شروطه على العالم اجمع، واولها التباعد، والابتعاد عن طقوس نعرفها في الاعياد، ومنها صلاة العيد (في بعض البلدان ومنها المغرب)؛ انطلاقا من أن أعظم مقاصد شريعة الإسلام حفظ النفوس وحمايتها من كل الأخطار؛ والامتناع عن زيارة الأرحام ولمة الأقارب. لكن لكل فعل ثوابه متي ما صلحت النيات. خطر كورونا يحوم حولنا منذ اكثر من سنة ونصف، واحتمال موجات جديدة اشد فتكا وارد في معظم البلدان، والإجراءات المتخذة…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

للعام الثاني على التوالي، يحتفل العالم الإسلامي بعيد الاضحى وسط أجواء من الحيطة والحذر بسبب جائحة كورونا. وعلى الرغم من اننا نحاول ان نتعايش مع هذا الضيف الثقيل، لكنه ومع ذلك لايزال يفرض شروطه على العالم اجمع، واولها التباعد، والابتعاد عن طقوس نعرفها في الاعياد، ومنها صلاة العيد (في بعض البلدان ومنها المغرب)؛ انطلاقا من أن أعظم مقاصد شريعة الإسلام حفظ النفوس وحمايتها من كل الأخطار؛ والامتناع عن زيارة الأرحام ولمة الأقارب. لكن لكل فعل ثوابه متي ما صلحت النيات.

خطر كورونا يحوم حولنا منذ اكثر من سنة ونصف، واحتمال موجات جديدة اشد فتكا وارد في معظم البلدان، والإجراءات المتخذة لمواجهته أثرت على طبيعة المشهد الاجتماعي وبنيته عامة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، بل حتى الثقافي، إذ أصبحت معها الاعياد موصومة بالتباعد، بعد أنت كان محطة للتقارب الاجتماعي. إجراءات التباعد الجسدي التي تفرضها الجهات المعنية هي شرط أساسي للحفاظ علي الصحة العامة، وهي ايضا واجب شرعي ومطلب وطني للحد من انتشار الفيروس وتحوراته التي تؤثر في فعالية اللقاحات ضده. لكن هذا لا يمنع من الفرح والسرور بقدوم العيد، تحقيقا لشعيرة من شعائر الإسلام العظيمة. 

ولأن العيد يأتي في ظروف استثنائية، فربما هذه اعظم فرصة للتأمل في روحه وغايته، خاصة بعدما تحول على مدار عقود من سنة نبوية الى فريضة مجتمعية ينتابها الكثير من الخلل والعيوب. فعيد الاضحى هو عيد الفداء بالروح والنفس طاعة لله وامتثالا لأوامره. وهو ايضا مناسبة لتعزيز اواصر المحبة بين البشر وتقوية العلاقات الاجتماعية وتحقيق مظاهر التكافل الاجتماعي بين افراد المجتمع. وهو فرصة أيضا للاعتداد بالتراث الديني والحضاري وتجديد روح التضحية في الامة. وتعَد الأضاحي إحدى موارد التكافل الاجتماعي في عيد الأضحى، حيث يتم التوزيع منها على الفقراء والمساكين، والتوسعة عليهم وإدخال السرور على قلوبهم بإطعامهم من لحومها في يوم العيد. 

هذه هي الروح التي يجب الحفاظ عليها، لكنه للأسف، تحول العيد على مدار سنوات، من سنة نبوية تعبر عن الامتثال لاوامر الله، ومن رمز للتضحية، الى عادات اجتماعية ربطت العيد بإلزامية شراء الأضحية. ففي بعض البلدان، يمارس عيد الأضحى ضغطا اجتماعيا على الأسر، وخصوصا المتوسطة منها التي قد تستدين لشراء الخروف، الذي لا بد ان يكون سمينا لأن هناك رقيبا مهما من الجيران والمحيط والأسرة. وبهذا تحول عيد الأضحى من فرصة لتجديد الطاعات والعبادات، ومحطة للتكافل الاجتماعي، بحيث لا يشعر الفقير فيها بالحاجة والعوز، الى مناسبة للإسراف في الانفاق والاقتراض من اجل التباهي بشراء الاضحية، وهو ما يتنافى مع قيم الإسلام وروح المناسبة.

مثلما فرضت جائحة كورونا التخلي مؤقتا عن بعض العبادات والعادات والتقاليد في عيد الأضحى، من أجل الحفاظ على صحة أفراد المجتمع وسلامتهم، وعدم التهاون في تنفيذ وتطبيق قرارات وقوانين الدولة الاحترازية لمكافحة الفيروس، فهناك حاجة أيضا الى التخلي على بعض العادات الاجتماعية السيئة التي جردت العيد من رمزيته الإنسانية والقيمية. ولا بد أيضا من الاهتمام اكثر بالفرحة المرافقة للعيد والتي بدأنا نفقدها اكثر واكثر بعدما طغت المادة على المجتمعات. فصورة العيد بدأت تتغير وبدأت تغيب اللهفة السابقة في ترقبه والاستعداد له، بسبب الاكتساح التكنولوجي وايضا تخمة العزلة داخل انفسنا، مما انعكس على علاقاتنا الاجتماعية وعلى احساسنا ببعضنا البعض. لكن يجب ان نتدارك هذا الانزلاق ونحفظ للعيد فرحته ولهفته وروحه ورمزيته ونورثها للاجيال القادمة حتى لا تدخل في طي النسيان.

واذا كان لكل دولة طقوسها وخصوصيتها، فالمفروض ان نحافظ على هذه الطقوس، ونكسر ما سببته شواغل الحياة عن القيام بواجب صلة الأرحام والتواصل مع أولي القربى وزيارة الأقارب (ان لم يكن عبر اللقاء المباشر بسبب كورونا، فعلى الأقل من خلال التواصل الهاتفي والالكتروني والسؤال على الاهل)، وصلة الأرحام مع الفقراء من خلال الاكثار من الصدقات التي تشكل بابا لدخول الجنة وحصول الرحمة.

إن طقوس الأعياد تشكل بلا شك موروثا ثقافيا، ومجرد تلاشيها يعني ان يتلاشى معها جزء من تراثنا وعلاقاتنا الانسانية التي بدأ يخيم عليها الجمود. أتمنى لكم عيدا سعيدا، وتقبل الله طاعاتكم.

ـــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس ٢٢ يوليو ٢٠٢١.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب