وحدة الدراسات الاقتصادية

الحماية الاجتماعية: جهود الدولة للحدّ من الفقر ودعم الفئات الأكثر احتياجًا

شهدت مؤشرات الفقر في مصر تراجعًا ملحوظًا (3% تقريبًا) للمرة الأولى خلال العقد الأخير، بعدما كانت تتصاعد باستمرار نتيجة عدة أسباب على رأسها الأزمة المالية العالمية وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي بدأ عام 2011، مرورًا بتحرير أسعار الصرف وأخيرًا أزمة كورونا، والتي حملت في طياتها تخوفات من الانعكاسات السلبية على عودة معدلات الفقر للارتفاع مرة أخرى. ووفقًا لآخر بيانات وفرها الجهاز المركزي للتبعئة العامة والإحصاء قبل أزمة كورونا فإن جهود الدولة المصرية قد نجحت من خلال تنفيذ عددٍ من برامج الحماية الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي انتهجته منذ عام 2016، في تحقيق نتائج إيجابية انعكست…

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية

شهدت مؤشرات الفقر في مصر تراجعًا ملحوظًا (3% تقريبًا) للمرة الأولى خلال العقد الأخير، بعدما كانت تتصاعد باستمرار نتيجة عدة أسباب على رأسها الأزمة المالية العالمية وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي بدأ عام 2011، مرورًا بتحرير أسعار الصرف وأخيرًا أزمة كورونا، والتي حملت في طياتها تخوفات من الانعكاسات السلبية على عودة معدلات الفقر للارتفاع مرة أخرى. ووفقًا لآخر بيانات وفرها الجهاز المركزي للتبعئة العامة والإحصاء قبل أزمة كورونا فإن جهود الدولة المصرية قد نجحت من خلال تنفيذ عددٍ من برامج الحماية الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي انتهجته منذ عام 2016، في تحقيق نتائج إيجابية انعكست على معدلات النمو الاقتصادي والبطالة والتضخم، فضلًا عن التراجع النسبي في معدلات الفقر المدقع في مصر في عام 2019/2020 لمستويات مقاربة لما كانت عليه قبل عام 2013، حيث وضعت الدولة على رأس أولوياتها تخفيض معدلات الفقر بين المواطنين لتخفيف الأعباء عنهم. وسوف يتناول المقال تطور معدلات الفقر في مصر وجهود الدولة لدعم الفئات الأكثر احتياجًا:

أولًا: تطور معدلات الفقر في مصر

وفقًا لبيانات نشرة الدخل والإنفاق الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد شهدت معدلات الفقر في مصر ارتفاعا منذ عام 1999/2000، ولكن ولأول مرة تراجعت معدلات الفقر وفقًا لبيانات عام 2019/2020. ويبين الشكل التالي تطور معدلات الفقر في مصر:

شكل رقم (1): تطور معدلات الفقر في مصر خلال الفترة من عام 1999/2000 إلى عام 2019/2020

 المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

يبين الشكل السابق التراجع النسبي في معدلات الفقر على مستوى الجمهورية، فبعد أن وصلت معدلات الفقر 32.5% عام 2017/2018، تراجعت المعدلات لتصل إلى 29.7% من إجمالي عدد السكان وذلك عام 2019/2020، وكانت الدولة قبل أزمة كورونا تستهدف خفض معدلات الفقر في مصر إلى 28% بنهاية العام الجاري 2021، إلا أنه نظرًا لارتباط معدل نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ومعدلات البطالة والتضخم بمعدلات الفقر في مصر، فإن الأزمة قد تؤخر من تحقيق معدلات الفقر المستهدفة من وراء تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي والمتمثلة في الوصول إلى معدلات الفقر لمستوى دون 25% بنهاية البرنامج.

ووفقًا لآخر بيانات للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن قيمة خط الفقر القومي للفرد في السنة والمعبر عن تكلفة الحصول على السلع والخدمات الأساسية، قد بلغ 8.8 آلاف في السنة، أما قيمة خط الفقر المدقع للفرد في السنة والتي ترتبط بمدى قدرة الأفراد على تأمين حاجتهم من الغذاء للبقاء على قيد الحياة فقد بلغ 5.9 آلاف جنيه.

وفيما يتعلق بنسبة الفقر المدقع فقد اتسمت النسبة بالتذبذب بين الصعود والانخفاض وذلك خلال الفترة من عام 1999/2000 إلى عام 2019/2020 مع الأزمات سواء على المستوى العالمي أو المستوى المحلي من أزمة الغذاء العالمية لأزمة ارتفاع الاسعار في مصر على أثر تحرير سعر الصرف. ويبين الشكل التالي نسبة الفقر المدقع في مصر:

تطور نسبة الفقر المدقع في مصر خلال الفترة 1999/2000 وحتى عام 2019/2020

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

كما هو موضح في الشكل السابق فقد شهدت نسبة الفقر المدقع في مصر تراجعًا خلال العام 2019/2020 لتبلغ 4.6% مقابل 6.2% عام 2017/2018، لتقترب من المستويات التي كانت عليها خلال عام 2012/2013.

ثانيًا: متوسط الدخل السنوي الصافي للأسرة

حقق متوسط الدخل السنوي الصافي للأسرة بمصر ارتفاعا ملحوظًا في عام 2019/2020 وذلك وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ويبين الشكل التالي تطور متوسط الدخل السنوي الصافي للأسرة في مصر:

شكل رقم (2): تطور متوسط الدخل السنوي الصافي للأسرة في مصر خلال الفترة من 2015-2019/2020

 القيمة: بالألف جنيه

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

نلاحظ من الشكل السابق صعود متوسط الدخل السنوي الصافي للأسرة في مصر من 44.2 ألف جنيه عام 2015 ليصل إلى 60.4 ألف جنيه عام 2017/2018، وبنسبة نمو بلغت نحو 30%، وقفز متوسط الدخل السنوي الصافي للأسرة مرة أخرى ليصل إلى 69.1 ألف جنيه عام 2019/2020 وبنسبة زيادة قدرها 15%.

وتجدر الإشارة إلى أن متوسط الدخل السنوي الصافي للأسرة في الحضر بلغ 51.2 ألف جنيه عام 2015، ليرتفع إلى 69.6 ألف جنيه عام 2017/2018، وبنسبة زيادة بلغت 30.5%، ليواصل الارتفاع إلى 80.9 ألف جنيه عام 2019/2020 وذلك بمعدل نمو بلغ 16.3%، أما متوسط الدخل في الريف فقد بلغ 38.31 ألف جنيه عام 2015، ليصبح 52.7 ألف جنيه عام 2017/2018، ليبلغ معدل النمو حينها 36.1%، ليعاود الارتفاع مرة أخرى وصولًا إلى 59.7 ألف جنيه عام 2019/2020، وبمعدل نمو بلغ 13.3%، وذلك وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

ونلاحظ أن الشريحة الدنيا من الأسر تنفق 44% من دخلها على الطعام والشراب، أما الشريحة العليا من الأسر فتنفق 20.1% من دخلها على نفس السلع، وبشكل عام فإنه مع الزيادة السكانية وارتفاع أعداد الأفراد ضمن الأسرة الواحدة فإن ذلك أدى إلى ارتفاع متوسط الإنفاق السنوي للأسرة بالجنيه، فوفقًا لآخر بيانات وفرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإن متوسط الإنفاق السنوي للأسرة ارتفع من 26.2 ألف جنيه عام 2012/2013، ليصل إلى 51.4 ألف جنيه عام 2017/2018.

ثالثًا: جهود الدولة لدعم الفئات الاكثر احتياجًا

تبذل الدولة المصرية جهودًا حثيثة بهدف خفض معدلات الفقر، ورفع معدلات الدخول والإنفاق، وذلك لتحسين جودة حياة المواطن، حيث قامت الدولة بإعداد خريطة لتسهيل الوصول إلى الأسر الفقيرة وأماكنهم على مستوى الجمهورية، فتم حصر القرى والمدن والمحافظات على مستوى الجمهورية التي تعاني من الفقر، وجاءت على رأس القائمة محافظات الصعيد، وبشكل خاص محافظة أسيوط وسوهاج والأقصر والمنيا وقنا.

كما وضعت استراتيجية تهدف من ورائها لمساعدة المواطنين الأكثر احتياجًا، وذلك من خلال تطبيق برامج الحماية الاجتماعية، وضمان وصول الدعم لمستحقيه. وتجدر الإشارة إلى أن 88.5% من الأسر المصرية تستفيد من منظومة الدعم الغذائي وذلك وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فوفقًا لوزارة المالية فقد تركز برنامج الدعم بالموازنة العامة للدولة على دعم السلع التموينية. ويبين الشكل التالي سياسة الدولة لدعم الفئات الأكثر احتياجًا من خلال تخصيص القدر الأكبر من برامج الدعم نحو الدعم الغذائي:

شكل رقم (3): أهم برامج الدعم بالموازنة العامة للدولة 2019/2020

 المصدر: وزارة المالية.

يبين الشكل السابق استحواذ دعم السلع التموينية على قمة أولويات الحكومة ضمن برنامج الدعم، حيث بلغ دعم السلع التموينية 36.1 مليار جنيه في موازنة عام 2019/2020، وبنسبة زيادة قدرت بـ2.3% مقارنة بما كانت عليه عامي 2018/2019 و2017/2018.

أيضًا جاء الهدف من إطلاق برنامج “تكافل وكرامة” لحماية الفقراء من خلال تقديم الدعم النقدي المشروط وذلك بشكل دوري، وبالتالي فإن البرنامج يعمل على الحد من الفقر من ناحية بجانب ترك الحرية للمواطن لتوجيه إنفاقه وفقًا لرغباته، مقارنة ببرنامج الدعم العيني الذي تقدمه الدولة.

أيضًا قامت الدولة بإطلاق مبادرة “حياة كريمة” التي تهدف إلى رفع المستوى الاجتماعي والاقتصادي والبيئي للأسر المستهدفة، وتوفير فرص عمل للأسر الأكثر احتياجًا، حيث تهدف المرحلة الأولى من المبادرة إلى دعم القرى الأكثر احتياجًا والتي تبلغ نسب الفقر فيها 70%، وتأتي المرحلة الثانية من المبادرة لتغطي القرى التي تبلغ نسبة الفقر فيه ما بين 50% – 70%، وأخيرًا المرحلة الثالثة تستهدف القرى ذات نسب فقر أقل من 50%.

فضلًا عن ذلك، قامت الدولة بتقديم منحة شهرية للعمالة غير المنتظمة، وقدمت الدعم للشروعات الصغيرة والمتوسطة، وأطلقت العديد من المبادرات التي تستهدف أصحاب تلك المشاريع وذلك لتوفير فرص عمل للمواطنين، ومن ثمّ خفض معدلات البطالة وتوفير الدخل اللازم للإنفاق، والذي سيفضي إلى خفض معدلات الفقر بصفة عامة وتحسين مستوى معيشة المواطنين.

وبالرغم من أن الدولة استطاعت ولأول مرة تحقيق تراجع في معدلات الفقر والفقر المدقع إلا أنه تظل هناك تخوفات مع تعرض الاقتصاد للتحديات التي خلفتها أزمة كورونا من ارتفاع معدلات الفقر مرة أخرى، لذلك قامت الدولة باستنفار الأجهزة المعنية لوضع الخطط للحد من تداعيات الأزمة على المواطنين وبشكل خاص الفقراء منهم، كما زادت من حزم ومخصصات الدعم المقدم للأسر الفقيرة، وتعقد الآمال على أن تفضي جهود الدولة تلك إلى الوصول بمعدلات الفقر للمستويات التي استهدفها برنامج الإصلاح الاقتصادي أو على الأقل إلى مستويات قريبة منها.

أسماء فهمي
باحث في وحدة الدراسات الاقتصادية