وحدة الدراسات العربية والإقليمية

منحدر خطر: أزمة العلاقات المغربية الألمانية إلى أين؟

شكل قرار الرباط استدعاء سفيرتها في برلين “زهور العلوي” في السادس من مايو 2021، نقطة تصدع في العلاقات المغربية الألمانية بصورة خاصة والأوروبية على وجه العموم، ويأتي هذا التصعيد والتأزم الدبلوماسي بالتوازي مع التوترات التي شهدتها العلاقات المغربية الإسبانية، ولم تكن تلك الخطوة وليدة اللحظة الراهنة، بل سبقها إعلان المملكة المغربية تجميد كافة أشكال التواصل مع السفارة الألمانية والمنظمات التابعة لها في مارس 2021. ولعل ذلك التصعيد من جانب المملكة المغربية تجاه عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا وإسبانيا، يعود بصورة جوهرية لحالة التنافر وعدم التلاقي حيال قضية الصحراء الغربية التي تُعتبر بالنسبة للرباط خطًّا أحمر. سياق متأزم ومسببات…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

شكل قرار الرباط استدعاء سفيرتها في برلين “زهور العلوي” في السادس من مايو 2021، نقطة تصدع في العلاقات المغربية الألمانية بصورة خاصة والأوروبية على وجه العموم، ويأتي هذا التصعيد والتأزم الدبلوماسي بالتوازي مع التوترات التي شهدتها العلاقات المغربية الإسبانية، ولم تكن تلك الخطوة وليدة اللحظة الراهنة، بل سبقها إعلان المملكة المغربية تجميد كافة أشكال التواصل مع السفارة الألمانية والمنظمات التابعة لها في مارس 2021. ولعل ذلك التصعيد من جانب المملكة المغربية تجاه عدد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا وإسبانيا، يعود بصورة جوهرية لحالة التنافر وعدم التلاقي حيال قضية الصحراء الغربية التي تُعتبر بالنسبة للرباط خطًّا أحمر.

سياق متأزم ومسببات متعددة

لقد جاءت قرارات المملكة المغربية بوقف الاتصال والتعاون مع السفارة الألمانية والمؤسسات التابعة لها في مارس 2021، وما تبعها من تصعيد غير مسبوق باستدعاء السفيرة المغربية، لتتزامن مع جملة من المتغيرات الوطنية والخارجية ولاعتبارات متعددة يمكن توضيحها في النقاط الآتية:

  • تجاوز “الخطوط المغربية الحمراء”: يأتي هذا التصعيد -من وجهة النظر المغربية- في ضوء الاعتبارات المتعلقة بالسيادة المغربية وتجاوز “برلين” الخطوط الحمراء الحرجة بالنسبة للرباط، والتي تتمثل في قضية السيادة على الصحراء الغربية، التي تستهدف خلق شرعية دولية داعمة لمبادرة الحكم الذاتي المطروحة من جانب المغرب؛ إلا أن الموقف الألماني من تلك القضية متقارب -إلى حدٍّ كبير- مع الرؤية الأخرى القائمة على التشديد على الالتزام بمخرجات الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والتي تستهدف بصورة كبيرة إجراء استفتاء لتقرير المصير للشعب الصحراوي، ودحض المساعي المغربية لفرض السيادة الكاملة على الصحراء الغربية. وقد برزت المواقف الألمانية الرافضة للنهج المغربي في مساعيها المختلفة للضغط على واشنطن للعدول عن الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء في ديسمبر 2020 وذلك عبر دعوة “برلين” لعقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن للتباحث حيال هذا الأمر، الأمر الآخر هو التأكيد المستمر من جانب ألمانيا برفض الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، والتأكيد على أنها منطقة متنازع عليها وآخرها تصريح المتحدثة باسم وزارة الخارجية الألمانية “ماريا أديبار” في السابع من مايو 2021، والتي بينت خلال هذا التصريح بعدم تغير موقف ألمانيا من تلك القضية، وكذا عدم الاعتداد بقرار الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” بالاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء الغربية.
  • العمل على إضعاف الدور المغربي في المشهد الليبي: يأتي أيضًا هذا التصعيد في التوتر بين المغرب وألمانيا على خلفية ما اعتبرته المغرب تهميشًا لدورها في الملف الليبي من جانب ألمانيا التي لم توجه للمغرب دعوة للمشاركة في مؤتمر “برلين 1” حول ليبيا والذي انعقد في التاسع عشر من يناير 2020، والذي شاركت فيه كافة الأطراف بما فيها الجمهورية الجزائرية، وهو ما اعتبرته “الرباط” استبعادًا وتقليصًا لدورها في هذا المشهد، وخروجها من المظلة الدولية الرامية لحماية الحوارات الليبية، وخلق توافق بين الدول الأعضاء بشأن الترتيبات المستقبلية لها، خاصة وأن الملف الليبي يُعد من القضايا الأساسية للمغرب. على هذا الأساس امتنع وزير الخارجية المغربي “ناصر بوريطة” عن المشاركة في أعمال مؤتمر “برلين 2” الذي عُقد في يونيو الماضي على الرغم من تلقيه دعوة ألمانية.
  • علاقات السلطات الألمانية بالمعارضة المغربية: تأتي قضية المعارض المغربي “محمد حاجب” لتقف حائلًا أمام احتواء الخلافات بين المغرب وألمانيا، وتبرز تلك المسألة في تواجد الناشط المغربي بألمانيا، وبث فيديوهات تُعارض النظام الحاكم في المغرب، ومطالبة السلطات الألمانية بمتابعته قضائيًا؛ غير أن القضاء الألماني اعتبر أنه ينتهج نهج المعارضة السلمية، لتفشل السلطات المغربية في إصدار أمر دولي بالقبض عليه، خاصة وأن لجنة المراقبة في الإنتربول قد رفضت قرار القبض الصادر من المملكة المغربية. هذا بجانب سماح السلطات الألمانية بتوسيع مجال نشاط حركة البوليساريو داخل ألمانيا، والذي جاءت آخر مظاهره في رفع علم الجبهة في مدينة بريمن شمال ألمانيا احتفالًا بذكرى تأسيس الجمهورية الصحراوية العربية الديمقراطية، فضلًا عن الزيارات التي يقوم بها الجانب الألماني للجمهورية الصحراوية، ومن بينها الزيارة التي تمت لمخيمات اللاجئين الصحراويين في مارس 2021.
  • إدراج المغرب في اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي: إن تأزم الموقف كذلك يرجع إلى الخطوة التي اتخذتها مجموعة العمل المالي (فاتف) FATF الخاصة بوضع معايير مكافحة غسل الأموال ومكافحة الإرهاب، بإدراج المغرب على قائمة زيادة المراقبة أو ما يُعرف باسم “اللائحة الرمادية” التي تضم 19 دولة ومنطقة لم تفِ بالقواعد الدولية المعمول بها لمكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال بصورة كاملة، وذلك في ضوء تولي “ألمانيا” لمجموعة تقييم قوانين مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في العالم وذلك لمدة عامين (2020-2022). ومن شأن هذا القرار الذي اتخذ بدفع ألماني أن يفرض قيودًا أمنية واقتصادية على التعاملات المالية الدولية للمغرب، وهو الأمر الذي ترفضه السلطات المغربية بصورة قاطعة.

آثار متعددة في ملفات جوهرية

إن تأزم العلاقات بين كلٍّ من الرباط وبرلين يُلقي بظلال سلبية على العلاقات الثنائية بين البلدين في الكثير من الملفات المتشابكة التي تُعد بمثابة مصالح مشتركة بين الطرفين، ويمكن توضيحها في الآتي:

  • ملف الأمن ومكافحة الإرهاب: لعل أول التحديات التي يمكن أن تواجه ألمانيا جراء ذلك التصعيد هو التأثير المحتمل على ملف التعاون الأمني المشترك بين الجانبين، خاصة في ضوء كون المغرب حليفًا رئيسيًا للدول الأوروبية في مجالات الأمن والتعاون من أجل مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية إلى أوروبا. وقد عززت المغرب من وضعيتها في هذا الملف عبر مشاركتها للمعلومات الاستخباراتية حول هجمات محتملة في أوروبا، وأبرزها مشاركتها معلومات استباقية مع “برلين” حول مساعي عناصر متطرفة لتنفيذ عمليات إرهابية في “شتوتجارت” بألمانيا في عام 2018، وسبقها أيضًا مشاركة معلومات عام 2016 حول عمليات دهس في العاصمة “برلين”، ويأتي ذلك تحت مظلة اتفاق التعاون الأمني في مجال مكافحة الإرهاب الموقّع في الأول من مارس عام 2016.
  • ملف الهجرة غير الشرعية: إن التماس الجغرافي بين المغرب والدول الأوروبية عزز من فرصة استغلال ورقة المهاجرين غير الشرعيين في التفاعلات المختلفة، خاصة في ضوء اضطلاع المغرب بملف الهجرة على خلفية رعايتها وترؤسها المستمر للمؤتمر الوزاري للحوار “5+5” حول الهجرة والتنمية، وذلك في إطار عمل شامل في غرب حوض المتوسط. وقد برزت مؤخرًا ورقة المهاجرين غير الشرعيين في تعاطي المغرب مع أزماتها الأوروبية، خاصة في ضوء التصعيد المتبادل بين المغرب وإسبانيا، وهو ما يُعتبر استثمارًا لنفوذها في مجال الهجرة كورقة ضغط على الجانب الأوروبي للحصول على مكتسبات أفضل على المستويين السياسي والاقتصادي.
  • الشراكة الاقتصادية: أحد الملفات التي من المحتمل أن تتأثر بصورة كبيرة في ضوء تعقد المشهد المغربي الألماني هو ملف التعاون الاقتصادي، وتراجع حدة الانخراط المتزايد في الشراكة الأوروبية المغربية التي أقرت في عام 2000 وما يترتب عليها من مراجعة وضعية المغرب في قائمة الدول المستفيدة من سياسة الجوار الأوروبي. هذا بالإضافة للتضرر المباشر الذي قد يؤثر على العلاقات الاقتصادية المغربية الألمانية، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين ثلاثة مليارات يورو سنويًا.

وختامًا؛ يبدو أن العلاقات المغربية الأوروبية باتت تسير في منحدر خطر وتأزم ممتد، وذلك لاختلاف التوجهات السياسية حيال عدد من القضايا الجوهرية في الداخل المغربي، وعلى رأسها قضية الصحراء الغربية. وترجح كافة المؤشرات مزيدًا من التصدعات بين المملكة المغربية والدول الأوروبية بصورة عامة، خاصة في ضوء القرار الذي صادق عليه البرلمان الأوروبي في العاشر من يونيو 2021 برفض الممارسات المنتهجه من جانب المملكة المغربية ضد إسبانيا، فضلًا عن التأكيد على موقف أوروبا من صراع المملكة المغربية والجمهورية الصحراوية وحتمية الامتثال لقرارات الأمم المتحدة، وهو الأمر الذي يُعد خطًا أحمر من جانب الرباط مما يُنذر باستمرارية حالة التصعيد.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at