وحدة الدراسات الأفريقية

تصفية الحسابات: السلطات الموريتانية في مواجهة الحرس القديم

شكل قرار سجن الرئيس الموريتاني السابق “محمد ولد عبدالعزيز” في الثالث والعشرين من يونيو 2021، على خلفية الاتهامات المتعلقة بقضايا فساد وجرائم اقتصادية تمت خلال فترة العشرية الماضية؛ نقطة تصدع أخرى بين داعمي الرئيس السابق وبين الرئيس الحالي “محمد ولد الغزواني”، والتي لم تكن الأولى من نوعها، بل كانت نتاج تراكمات لحالة التنافر التي شهدتها الساحة السياسية في أعقاب إزاحة “ولد عبدالعزيز” من الهيمنة على “حزب الاتحاد من أجل الجمهورية” الحاكم، وما تخللها من إبراز للتناقضات العميقة بشأن مرجعية الحزب. وقد خلفت تلك التطورات بروز جناحين في المشهد أحدهما موالٍ للرئيس السابق، وآخر داعم لتحركات وسياسات “ولد الغزواني”، وهو ما…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

شكل قرار سجن الرئيس الموريتاني السابق “محمد ولد عبدالعزيز” في الثالث والعشرين من يونيو 2021، على خلفية الاتهامات المتعلقة بقضايا فساد وجرائم اقتصادية تمت خلال فترة العشرية الماضية؛ نقطة تصدع أخرى بين داعمي الرئيس السابق وبين الرئيس الحالي “محمد ولد الغزواني”، والتي لم تكن الأولى من نوعها، بل كانت نتاج تراكمات لحالة التنافر التي شهدتها الساحة السياسية في أعقاب إزاحة “ولد عبدالعزيز” من الهيمنة على “حزب الاتحاد من أجل الجمهورية” الحاكم، وما تخللها من إبراز للتناقضات العميقة بشأن مرجعية الحزب. وقد خلفت تلك التطورات بروز جناحين في المشهد أحدهما موالٍ للرئيس السابق، وآخر داعم لتحركات وسياسات “ولد الغزواني”، وهو ما كان سببًا في تعجيل قرار إلقاء القبض على الرئيس السابق.

تصفية حسابات واصطفاف حزبي

لم تكن خطوة إيداع الرئيس السابق “محمد ولد عبدالعزيز” السجن هي الأولى من نوعها في ضوء التصفيات السياسية التي تشهدها الساحة الموريتانية، بل سبقتها خطوات إجرائية تصاعدية برزت في خضوع “ولد عبدالعزيز” للمراقبة القضائية المشددة منذ منتصف مارس 2021، وقد ظهرت العديد من الملفات الشائكة التي باتت تُصنف على أنها في إطار تصفية الحسابات تمثلت في:

  • العزل السياسي: منذ خروجه من السلطة يتعرض “ولد عبدالعزيز” لإجراءات متنامية تستهدف شلّ تحركاته السياسية المختلفة الرامية للهيمنة وبسط سيطرته على الحزب الحاكم. وقد تمثل أهم هذه الإجراءات في إقرار اللجنة المؤقتة لتسيير حزب الاتحاد من أجل الجمهورية بأن المرجعية السياسية للحزب تُستمد من الرئيس الحالي وبرنامجه السياسي منذ ديسمبر من عام 2019. ونتيجة لذلك؛ سعى “ولد عبدالعزيز” لخلق توازن جديد بين التكتلات الحزبية الفاعلة على الساحة السياسية، لتدارك خسارته للدعم الحزبي، وهو ما أدى في النهاية إلى عزله من المشهد السياسي الحالي.
  • الاصطفاف الحزبي: نتيجة لحالة الفراغ الحزبي التي بات يُعيشها “ولد عبدالعزيز” ومناصروه، اتجه هذا التيار للبحث عن بدائل مختلفة، وبرز ذلك بصورة كبيرة في ضوء مساعيه للانخراط في “الحزب الوحدوي الديمقراطي الاشتراكي”، غير أن إجراء إغلاق الحزب من جانب السلطات الموريتانية قطع الطريق على هذه المحاولات. وقد تمثلت المحاولة الثانية للرئيس السابق في العمل على الانضمام إلى حزب “الرباط من أجل الحقوق وبناء الأجيال” الذي تم تأسيسه عام 2016 تحت قيادة الناشط الحقوقي والسياسي “السعد ولد لوليد”؛ إلا أن هذه الخطوة جرى اعتراضها من جانب الحزب الحاكم من خلال انفتاحه على المعارضة ليتم تشكيل تنسيقية الأحزاب الموريتانية التي تضم حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم وعددًا من أحزاب المعارضة من بينها: تكتل القوى الديمقراطية – التحالف الشعبي التقدمي – حزب الصواب – اتحاد قوى التقدم.
  • ملفات فساد العشرية: يُعتبر هذا الملف أحد الملفات الحرجة التي أدت لحالة من اختلال التوازن الداخلي والتخبط بين جناح “ولد الغزواني” وجناح “ولد عبدالعزيز”، حيث أدى إطلاق الرئاسة الجديدة يد اللجنة البرلمانية للتحقيق في ملف الفساد خلال سنوات حكم ولد عبدالعزيز إلى إثارة عدد كبير من ملفات الفساد والجرائم الاقتصادية؛ الأمر الذي برر سلسلة من الإقالات لعدد كبير من المسئولين المنتسبين لجناح الرئيس السابق. وفي المقابل، لا يزال الرئيس السابق متمسكًا بنص المادة (93) من الدستور التي تمنحه الحصانة المطلقة من المساءلة القانونية والقضائية.

سياق مضطرب وتداعيات محتملة

لا يمكن عزل المشهد المتصاعد في موريتانيا عن السياق السياسي النشط الذي تشهده البلاد في الشهور الأخيرة. فمنذ تولي الرئيس “ولد الغزواني” السلطة، تتصاعد ضغوط الأحزاب المعارضة من أجل الانخراط بصورة كبيرة في المشهد السياسي، خاصة بعدما شهدت تراجعًا كبيرًا إبان الرئيس “ولد عبدالعزيز”، ولعلّ هذا الأمر دفع بالأحزاب المعارضة، وعلى رأسها “حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية”، إلى قبول مقترح النظام الحاكم بإجراء حوار سياسي شامل للتحول من الديمقراطية الشكلية إلى حالة من التطبيق الفعلي لتلك الديمقراطية، تعكس متطلبات الواقع السياسي، وتُعزز من مكانة الأحزاب السياسية داخل الحكومة والمناصب العليا.

كما أنّ التحول الذي شهدته العلاقات الرابطة بين الرئيسين السابق والحالي بات عاملًا مؤثرًا على الرأي العام، خاصة في ضوء الخطاب الصادر عن الرئيس السابق مطلع أبريل 2021، والمتضمن انتقادًا واسعًا للسلطة الحالية وفشلها في كافة الأصعدة، محملًا النظام مسئولية التراجع والانتكاس الداخلي وتراجع الحريات الفردية والجماعية الحزبية وكذلك الإعلامية، الأمر الذي يؤدي في مجمله إلى تهديد الوحدة الوطنية. ونتيجة لهذا السياق المضطرب قام النظام السياسي بالتحرك باتجاه أحزاب المعارضة، وذلك عبر الاستجابة لمطلبها بعقد حوار وطني بين الأحزاب الموالية والمعارضة، وبرز ذلك بصورة كبيرة خلال إعلان حزب “الاتحاد من أجل الجمهورية” الحاكم في (21 يونيو 2021) أنه تم الاتفاق بين جميع المكونات الحزبية الممثلة في البرلمان على إجراء حوار سياسي والاتفاق على خارطة طريق سياسية عبر التشاور المجتمعي حول القضايا الوطنية الرئيسية.

ويمكن القول إن هناك تداعيات متباينة بحالة التصعيد الواضح بين السلطة الراهنة والنظام السابق، تتضمن انقسام الحزب الحاكم داخليًا، وظهور حالة تعبئة غير مسبوقة للأحزاب السياسية بشقّيها الداعم للنظام الحاكم والمعارض له، وقد برز ذلك بصورة كبيرة في الدعوات التي أطلقها “السعد ولد لوليد” رئيس حزب الرباط بتنظيم مسيرات واعتصامات في كافة أنحاء الدولة مناصرة للرئيس السابق “ولد عبدالعزيز”، وهو ما يُمثل ورقة ضغط على الحكومة الموريتانية. إلا أن ما شهدته الأزمة من تقارب بين داعمي الرئيس الحالي وبين المعارضة قد يشكل نواة لعملية مراجعة شاملة تُعيد الاستقرار للمشهد السياسي الموريتاني.
ختامًا؛ تُعتبر خطوة فتح ملف الفساد والجرائم الاقتصادية التي وقعت إبان حكم الرئيس “محمد ولد عبدالعزيز” إحدى المحطات الجوهرية نحو عزل الحرس القديم بصورة جذرية عن المشهد السياسي، والتي تأتي للرد على تحرك ولد عبدالعزيز للانخراط في المعارضة وما تبعها من حالة تعبئة سياسية غير مسبوق على النظام الراهن، غير أنها تؤجج بصورة كبيرة لحالة الاحتقان الداخلي، خاصة وأن الرئيس السابق لا يزال يحظى بقدر من الدعم من بعض القائمين على حزب “الاتحاد من أجل الجمهورية” الحاكم. واستباقًا لأي تحركات مناوئة، يأتي الحوار الوطني الذي دعا إليه الرئيس “محمد ولد الغزواني” الرامي لتحسين العلاقة بين النظام والمعارضة ليكون مظلة وإطارًا جامعًا لكافة الأقطاب السياسية لوضع خارطة طريق مستقبلية للمشهد السياسي.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at