الخمسينيات.. عصر يوليو الذهبى القصير

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

لثورة يوليو، ولزعيمها جمال عبد الناصر، مكانة مركزية فى تشكيل مصر المعاصرة، فالثورة بنجاحاتها وإخفاقاتها تمثل الفصل الأهم فى تاريخنا الحديث. قاد جمال عبد الناصر الثورة ومصر طوال سنوات الخمسينيات والستينيات. الخمسينيات، هو العقد الذهبى الحقيقى لثورة يوليو، ففيه حققت أروع الانتصارات. بعده جاء عقد الستينيات ومعه بعض الانكسارات، فظهرت ملامح شيخوخة مبكرة على النظام الثوري. فى الخمسينيات تحققت أروع إنجازات ثورة يوليو، ففيها تم إنهاء الاحتلال البريطانى، وإحباط محاولات القوى الاستعمارية لمواصلة السيطرة على المنطقة من خلال ربط دولها بأحلاف إمبريالية، وتأميم قناة السويس، والشروع فى بناء السد العالى، والانتصار على العدوان الثلاثى، وتطبيق المرحلة الأولى من الإصلاح الزراعى،…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

لثورة يوليو، ولزعيمها جمال عبد الناصر، مكانة مركزية فى تشكيل مصر المعاصرة، فالثورة بنجاحاتها وإخفاقاتها تمثل الفصل الأهم فى تاريخنا الحديث. قاد جمال عبد الناصر الثورة ومصر طوال سنوات الخمسينيات والستينيات. الخمسينيات، هو العقد الذهبى الحقيقى لثورة يوليو، ففيه حققت أروع الانتصارات. بعده جاء عقد الستينيات ومعه بعض الانكسارات، فظهرت ملامح شيخوخة مبكرة على النظام الثوري.

فى الخمسينيات تحققت أروع إنجازات ثورة يوليو، ففيها تم إنهاء الاحتلال البريطانى، وإحباط محاولات القوى الاستعمارية لمواصلة السيطرة على المنطقة من خلال ربط دولها بأحلاف إمبريالية، وتأميم قناة السويس، والشروع فى بناء السد العالى، والانتصار على العدوان الثلاثى، وتطبيق المرحلة الأولى من الإصلاح الزراعى، وإطلاق سياسة طموح للتصنيع، وإنشاء المدارس فى ربوع البلاد، وتأسيس أول وزارة للثقافة. وضعت كل هذه الإنجازات مصر فى موقع القيادة العربية، ونصبت ناصر زعيما بلا منازع للأمة العربية، فقررت الأحزاب السياسية السورية وضع بلدهم، درة تاج المشرق، تحت حكم ناصر، فتأسست فى عام 1958 دولة الوحدة المصرية السورية، التى توقع كثيرون أن تكون نواة لدولة وحدة عربية شاملة،تحت قيادة مصرية، تنهى انقسام العرب وضعفهم. دخلت مصر عقد الستينيات بطموح وتفاؤل كبيرين، لكن سلسلة من الاختيارات الخاطئة حولت انتصارات الخمسينيات إلى انكسارات. انهارت دولة الوحدة، فى الثامن والعشرين من سبتمبرعام 1961، بعد أن سيطر انقلاب عسكرى على سوريا. لم يكن الانفصال لينجح لولا تأييد قسم من النخب السورية، بمن فيهم بعض من أهم من سبق وناضلوا لإنشاء دولة الوحدة. لم تدرك القيادة الناصرية أن حدثا بحجم الوحدة مع سوريا يحتاج إلى إدخال تعديلات وإصلاحات عميقة على مؤسسات الدولة والحكم والممارسة السياسية، وأن نظام الحزب الواحد المعمول به فى مصر أضيق من أن يستوعب الحياة السياسية النشطة فى سوريا، وأن القيادات السورية التى توجت ناصر فى دمشق تتطلع إلى مكان بجواره عند القمة، فهى ترى نفسها شريكا، ولو صغيرا، فى السلطة فى دولة الوحدة. لقد تم حشر سوريا الكبيرة فى حلقوم السياسة والحكم والضيق فى مصر، فعجزت عن ابتلاعها، وأجبرت فى النهاية على تقيئها. كانت سوريا أكبر من أن يتم إلحاقها بمصر دون إدخال الإصلاحات المناسبة، أما وأن ذلك لم يحدث، فقد انتهت وحدة مصر وسوريا، ومن يومها لم تقم لوحدة العرب قائمة.

وجه الانفصال ضربة موجهة لزعامة مصر فى الإقليم، وتطلعت القيادة المصرية لتعويض الخسارة. رتبت الصدف التاريخية الأحداث بطريقة مدهشة، فقبل يومين من انفصال سوريا، كان الجيش اليمنى ينقلب على نظام الإمامة الرجعى، وقبل أن ينقضى أسبوعان كانت مصر قد أرسلت كتيبة من جيشها لحماية النظام الجديد فى اليمن. تحول اليمن إلى ساحة صراع مسلح بين العرب التقدميين والعرب الرجعيين، وتم إرسال المزيد من القوات المصرية إلى هناك، حتى اقترب عدد القوات المصرية فى اليمن من السبعين ألفا، فكان اليمن بمثابة فيتنام مصر، أو لأن التدخل المصرى فى اليمن سبق التدخل الأمريكى فى فيتنام، فإن بعض الدارسين يصفون فيتنام بأنها يمن أمريكا.

مثلت حرب اليمن استنزافا حادا للقدرات المصرية، بما فيها القدرات العسكرية، حتى أن الكثير من المحللين يقيمون صلة بين التورط المصرى فى حرب اليمن والهزيمة فى حرب يونيو. لا داعى لنكء جرح يونيو فى هذه المناسبة، وإن كان من الضرورى التذكرة بأن التصدى للهجمات التى تعرضت لها زعامة مصر فى الإقليم كان من بين العوامل التى دفعت القيادة المصرية لإدارة أزمة يونيو 1967 بالطريقة المعروفة.

كافحت القيادة المصرية من أجل تعزيز قبضتها على الإقليم، فوضعت على كاهلها أعباء يصعب تحملها. حدث الشيء نفسه فى الداخل، فما أن بدأت الستينيات إلا وعززت الدولة قبضتها، فأممت البنوك فى فبراير 1960، والصحف فى مايو من نفس العام، وما إن أتى شهر يوليو من العام التالى، إلا وقامت بتأميم الشركات الكبيرة وكثيرمن الشركات المتوسطة العاملة فى كل مجالات الاقتصاد، ضمن ما سمى بتحول اشتراكى، شمل أيضا مجموعة واسعة من الضمانات والخدمات المجانية للطبقات العاملة، ونظام معمم للدعم السلعى تتمتع به كل الطبقات، وتسعير جبرى لكل السلع.

التجرية المصرية هى بنت عصرها، فقد طبقت الدولة المصرية هذه السياسات فى زمن كانت فيه الاشتراكية صيحة العصر، بدعوى تسريع معدلات التنمية والتحول الاجتماعى، بدلا من انتظار القطاع الخاص البطىء والتفاعلات الاجتماعية التلقائية المعقدة لإنجاز مهمة التقدم الصعبة. بهذه السياسات وضعت الدولة نفسها فى مكانة مهيمنة فوق المجتمع، صحافة واقتصادا وسياسة، لكنها فى نفس الوقت حملت نفسها بأعباء اقتصادية واجتماعية هائلة، احتاجت عدة عقود بعد ذلك للتخفف منها.

تقييد التنوع والمبادرة والحيوية المميزة لطبقات المثقفين والمستثمرين هو أخطر ما أسفرت عنه هذه السياسات. تحول القسم الأكثر تعليما ووعيا فى المجتمع الى موظفين نمطيين، يتلقون راتبهم فى نهاية الشهر، بغض النظر عن الكفاءة والإنتاجية ومجال العمل. ارتكبت الدولة خطأين متعارضين، فلا هى تركت للمجتمع حرية المبادرة، ولا هى ساقته تحت قيادتها الفعالة على طريق البناء والتقدم. بدت الدولة فائقة القوة وكاملة الهيمنة، لكنها فى الحقيقة كانت أقرب إلى جسد هائل الحجم يقف على سيقان خشبية سهلة الكسر. خبرات يوليو شديدة الثراء، ومنها نتعلم الكثير،حين أصابت الهدف، وحين أخطأته أيضا.

ــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، ٢٩ يوليو ٢٠٢١.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب