تنمية ومجتمع

المهاجرون في مصر: سياسات داعمة

فرضت طبيعة إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تكون مصر إحدى الوجهات أو بلدان المقصد للمهاجرين واللاجئين من بعض دول إفريقيا والوطن العربي؛ الأمر الذي يجعل من مصر بلدًا مُصدرًا للمهاجرين، ومستقبلًا لهم في الوقت ذاته. فعلى الرغم من أن عدد المصريين المهاجرين بغرض العمل أو الدراسة في مختلف دول العالم تجاوز عشرة ملايين مهاجر في 2017 وفقًا لإحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء؛ إلا أن عدد المهاجرين واللاجئين في مصر بلغ 6.3 ملايين مهاجر وفقًا لمكتب المنظمة الدولية للهجرة في مصر، علاوةً على أن مصر تُعد “بلد عبور” للعديد من المهاجرين الأفارقة المتجهين إلى أوروبا، الأمر الذي يتطلب سياسات…

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة

فرضت طبيعة إقليم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تكون مصر إحدى الوجهات أو بلدان المقصد للمهاجرين واللاجئين من بعض دول إفريقيا والوطن العربي؛ الأمر الذي يجعل من مصر بلدًا مُصدرًا للمهاجرين، ومستقبلًا لهم في الوقت ذاته. فعلى الرغم من أن عدد المصريين المهاجرين بغرض العمل أو الدراسة في مختلف دول العالم تجاوز عشرة ملايين مهاجر في 2017 وفقًا لإحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء؛ إلا أن عدد المهاجرين واللاجئين في مصر بلغ 6.3 ملايين مهاجر وفقًا لمكتب المنظمة الدولية للهجرة في مصر، علاوةً على أن مصر تُعد “بلد عبور” للعديد من المهاجرين الأفارقة المتجهين إلى أوروبا، الأمر الذي يتطلب سياسات وتشريعات واضحة للتعامل مع هذا العدد الضخم من جنسيات وخلفيات ثقافية متنوعة، بشكل يسمح بإدماجهم في المجتمع وتمتعهم بالحقوق التي نصت عليها المواثيق الدولية دون تأثير سلبي على المجتمع المصري.

إحصاءات الهجرة بين الإتاحة وضرورة التحديث

يقسم الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المهاجرين في مصر إلى مهاجرين بغرض العمل، ومهاجرين بغرض الدراسة، ولاجئين، وطالبي لجوء. ووفقًا لكتيب الهجرة في مصر الصادر في 2019، فقد تطورت أعداد المهاجرين واللاجئين بين عامي 2011 و2017 بشكل ملحوظ، وقد شهدت مصر تنوعًا في جنسيات المهاجرين حسب الغرض من الهجرة كما يلي:

1. المهاجرون بغرض العمل: بلغ إجمالي المهاجرين العاملين في القطاعين الحكومي والخاص 18900 عامل في 2011، ثم انخفض العدد إلى 14600 في 2017، وتصدرت الهند وبنجلاديش قائمة الدول المصدرة للعمالة إلى مصر بنسبة 11% لكل منهما من إجمالي الأجانب العاملين بمصر في 2011، ثم فلسطين وسوريا والفلبين والصين بنسب تجاوزت 5%، وتضمنت القائمة مهاجرين من إنجلترا وإيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وغيرها.

المصدر: كتيب الهجرة في مصر 2018، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء

2. المهاجرون بغرض الدراسة: بلغ عدد المهاجرين المقيدين بالتعليم العالي 43130 وافدًا في 2011، ثم ارتفع العدد إلى 52619 في 2017، وبعد إطلاق نظام التأشيرة الدراسية في 2019 بلغ عدد الوافدين 87 ألف طالب من 75 جنسية مختلفة، هذا بخلاف 40 ألف وافد يدرسون في جامعة الأزهر.

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 2019

3. اللاجئون: تضاعفت أعداد اللاجئين في مصر بين عامي 2012 و2013، حيث ارتفع العدد من 110 آلاف لاجئ في 2012 إلى 230 ألف لاجئ في 2013، واستمر العدد في الارتفاع تدريجيًا إلى أن بلغ 232 ألف لاجئ في 2017، ثم 258 ألف لاجئ في 2019، واستحوذت دول سوريا وفلسطين والسودان على النسب الأكبر بين صفوف اللاجئين في مصر.

المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، 2019.

أما فيما يتعلق بطالبي اللجوء، فقد ارتفع عدد طلبات اللجوء من 16 ألف طلب في 2012 إلى 56 ألف طلب في 2017، تصدرهم اللاجئون من دول السودان وإثيوبيا وإريتريا؛ وإن كان خلال عامي 2020 و2021، ارتفع عدد طلبات اللجوء من إفريقيا جنوب الصحراء والعراق واليمن إلى 96200 طلب، في زيادة كبيرة عما كان سائدًا حتى عام 2017.

وبالنظر إلى عدد المهاجرين في مصر الذي أعلنته المنظمة الدولية للهجرة والمقدر بحوالي 6.3 ملايين مهاجر، يتضح أن هناك فارقًا كبيرًا بين الأعداد التي أعلنها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء وما أعلنته المنظمة الدولية، الأمر الذي يؤكد الحاجة لتدقيق البيانات، وتوحيد التعريفات، وقيام الجهات المعنية، خاصة مصلحة الجوازات والهجرة والجنسية، بنشر ما يتجمع لديها من بيانات، والتعاون بين الجهات ذات الصلة من أجل جمع وتحسين جودة وإتاحة البيانات. 

كيف يعيش المهاجرون في مصر؟

قبل التطرق إلى سياسات مصر في التعامل مع المهاجرين الوافدين، يمكن أولًا أن نشير إلى أن 80% من جملة المهاجرين الوافدين إلى مصر -أي ما يزيد عن خمسة ملايين مهاجر- ينتمون إلى ثلاث جنسيات فقط هي: السودان وليبيا وسوريا، وقد جاء ذلك في تصريح لرئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة في مصر في 2019، وبلغ عدد السودانيين في مصر منفردين حوالي 3.5 مليون مهاجر، وهو ما أكده مقال نشرته “بروكنجز – Brookings” في 2016، حيث أوضح المقال أن عدد اللاجئين والمهاجرين في مصر بلغ خمسة ملايين مهاجر بينهم أربعة ملايين سوداني و500 ألف سوري().

وفيما يتعلق بالتزام مصر بحماية حقوق اللاجئين والمهاجرين، فقد وقعت اتفاقية اللاجئين عام 1951، وبروتوكلها عام 1967، إضافة إلى اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية التي تحكم الجوانب الخاصة بمشكلات اللاجئين في إفريقيا عام 1969. وقد قدمت الحكومة المصرية نموذجًا دوليًا يُحتذى به في التعامل مع المهاجرين واللاجئين، حيث ترفض أن يقيم اللاجئون في مخيمات أو مناطق محددة مسبقًا بما يمكّنهم من العيش جنبًا إلى جنب مع المواطنين المصريين، ويكفل لهم التمتع بالحق في الحياة والحرية والأمان، والحق في العمل والتعليم وحرية التنقل.

ووفقًا للمفوضية السامية لشئون اللاجئين، يتمتع كل اللاجئين في مصر بالخدمات الصحية على قدم المساواة مع المواطنين المصريين، أما الخدمة التعليمية فتقدمها الحكومة المصرية للطلاب السوريين والسودانيين واليمنيين دون غيرهم كما تقدمها للطلاب المصريين؛ وقد يرجع ذلك إلى التزام مصر مع الأمم المتحدة بخطتي استجابة لتمكين اللاجئين وطالبي اللجوء من إفريقيا جنوب الصحراء والعراق واليمن وسوريا. يتضح بذلك أن نسبة الذين لا يتمتعون بالوصول المجاني للخدمة التعليمية تتراوح بين 20-25% من الطلاب المهاجرين في مصر، لتتحمل سفارات الدول التي تنتمي إليها هذه النسبة من الطلاب مسئولية تقديم الخدمة التعليمية وفقًا لضوابطها.

وعلى صعيد المساعدات الإنسانية وتوفير الغذاء، تعمل الحكومة المصرية مع عدد من الشركاء الدوليين مثل (المفوضية السامية لشئون اللاجئين، ومنظمة الهجرة الدولية، ومنظمة الغذاء العالمية، واليونيسيف، ومنظمة الصحة العالمية، وصندوق الأمم المتحدة للسكان) ومنظمات المجتمع المدني مثل (الهلال الأحمر، وهيئة إنقاذ الطفولة، وهيئة الإغاثة الكاثوليكية) على تقديم مساعدات مالية لأسر اللاجئين والمهاجرين الذين يسجلون للحصول على هذه المساعدات.

أما فيما يتعلق بالحد من الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، فقد شكّلت الحكومة المصرية اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر منذ مارس 2014، كما انضمت إلى بروتوكول “مكافحة تهريب المهاجرين” وبروتوكول “مكافحة الاتجار بالبشر” بالأمم المتحدة، وصدق البرلمان المصري عليهما، بالإضافة إلى إقرار القانون رقم 82 لسنة 2016 لمنع تهريب المهاجرين والهجرة غير الشرعية، الذي أسهم بدوره في القضاء على رحلات الهجرة غير الشرعية عبر الساحل الشمالي المصري.

وتمثلت بعض الإجراءات التي اتبعتها الحكومة المصرية للحد من الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر فيما يلي:

وضعت اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر في ديسمبر 2018 خريطة حددت بموجبها المحافظات والمناطق التي تضمنت حالات إتجار بالبشر في أي من أشكاله.

قامت اللجنة الوطنية -بالشراكة مع المنظمات الدولية والجهات المانحة- بحملة توعية حول مخاطر الهجرة غير الشرعية.

قدمت الحكومة إرشادات للدبلوماسيين المصريين حول الاتجار بالبشر وحماية الضحايا، فضلًا عن تدريبات في مجال حقوق الإنسان تضمنت إرشادات تتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر في دورات ما قبل مغادرتهم البلاد.

أعفت الحكومة اللاجئين وطالبي اللجوء من كافة رسوم التواجد في البلاد بعد انتهاء تصاريح الإقامة.

معوّقات تحسين سياسات مصر تجاه المهاجرين

على الرغم من الإشادة بالنموذج المصري في التعامل مع اللاجئين والمهاجرين؛ إلا أن هناك بعض المعوقات التي تقف أمام تحسين السياسات المصرية في التعامل مع المهاجرين، وقد يأتي نقص البيانات والمعلومات حول أعداد المهاجرين الوافدين وتصنيفهم في مقدمة تلك المعوقات، وهو ما يتطلب إجراء مسح شامل لحصر جميع المهاجرين على الأراضي المصرية، وإتاحة المعلومات على نطاق أوسع إذا كانت متوفرة لدى السلطات المصرية.

أما المعوّق الثاني فيتمثل في ضعف الإطار التشريعي الحاكم للتعامل مع المهاجرين واللاجئين، فعلى الرغم من أن الدستور المصري يكفل في مادته الحادية والتسعين حماية اللاجئين وطالبي اللجوء؛ إلا أن القانون المصري الوحيد الذي يتناول ظاهرة الهجرة هو القانون رقم 111 لسنة 1983 الذي يختص بالمهاجرين المصريين في الخارج، ولا يتناول من بعيد أو قريب أوضاع المهاجرين الوافدين إلى مصر، الأمر الذي يتطلب العمل على إصدار تشريعات حاكمة للعلاقة بين السلطات المصرية والمهاجرين والمنظمات الدولية الداعمة لهذه الفئة على أرض مصر، على أن يساهم في إعدادها المعنيون وأصحاب المصالح من مستويات وخلفيات متعددة.

معوق آخر يتمثل في استمرار حالات الهجرة غير الشرعية على الرغم من كل الجهود المبذولة، وهو ما يتطلب نظامًا جديدًا لحماية الحدود وتأمين المعابر والمنافذ الحدودية لضمان عدم عبور مهاجرين غير شرعيين من وإلى مصر.

ختامًا، يمكن القول إن سياسات مصر تجاه المهاجرين واللاجئين تمثل نموذجًا إنسانيًا يُحتذى به، لكن هذا النموذج يحتاج إلى إطار تشريعي حاكم، ونظام جديد لتسجيل هوية المهاجرين واللاجئين وتصنيفهم حسب الغرض من الهجرة، بالإضافة إلى تشديد الإجراءات على الحدود بما في ذلك الفحص الطبي والفحص الأمني وتسجيل بصمات اليد أو العين لتيسير مهمة متابعتهم خلال فترة إقامتهم في مصر.

محمود سلامة
باحث ببرنامج السياسات العامة