وحدة الدراسات الاقتصادية

قطاع النقل والخدمات اللوجستية في ظل كورونا

تعد علاقة قطاع النقل والخدمات اللوجستية بالتجارة الداخلية والخارجية وبالاستثمار علاقة متداخلة، حيث تساهم تنمية القطاع في تعزيز وضع مصر كمركز للتجارة وتعزيز الاستثمارات الداخلية والأجنبية، ولكنها تتأثر أيضًا بوضع سلاسل التوريد العالمية وغيرها من اضطرابات في الاستثمارات. وقد أثرت الجائحة بشكل مباشر عن طريق تطبيق سياسات الإغلاق وحظر التجول وغير مباشر عن طريق الاضطرابات في التجارة الخارجية عالميًا وزيادة عدم اليقين، مما أدى إلى اضطرابات متعددة للقطاع. الأمر الذي يشير إلى أهمية تحقيق الأهداف الاستراتيجية الثلاثة للدولة والتي تتمثل في تطوير نظام نقل آمن ومستدام، تعزيز الوسائط المتعددة والخدمات اللوجستية، وتشجيع الاستثمارات. يُناقش هذا التحليل وضع قطاع النقل والخدمات…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تعد علاقة قطاع النقل والخدمات اللوجستية بالتجارة الداخلية والخارجية وبالاستثمار علاقة متداخلة، حيث تساهم تنمية القطاع في تعزيز وضع مصر كمركز للتجارة وتعزيز الاستثمارات الداخلية والأجنبية، ولكنها تتأثر أيضًا بوضع سلاسل التوريد العالمية وغيرها من اضطرابات في الاستثمارات. وقد أثرت الجائحة بشكل مباشر عن طريق تطبيق سياسات الإغلاق وحظر التجول وغير مباشر عن طريق الاضطرابات في التجارة الخارجية عالميًا وزيادة عدم اليقين، مما أدى إلى اضطرابات متعددة للقطاع. الأمر الذي يشير إلى أهمية تحقيق الأهداف الاستراتيجية الثلاثة للدولة والتي تتمثل في تطوير نظام نقل آمن ومستدام، تعزيز الوسائط المتعددة والخدمات اللوجستية، وتشجيع الاستثمارات.

يُناقش هذا التحليل وضع قطاع النقل والخدمات اللوجستية وتداعيات الجائحة عليه والتوقعات المستقبلية.

أولًا: وضع قطاع النقل والخدمات اللوجستية

وفقًا لتقرير مصر 2020 الصادر عن مجموعة أكسفورد التجارية، كان قطاع النقل في العام المالي 2019/20 يعد من أكبر القطاعات نموًا في الفترة الأخيرة، حيث نما بنسبة 3.2% في العام المالي 2017/18 وبنسبة 4.1% في العام المالي 2018/2019، في حين كان من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 7.5% في العام المالي 2021/2022 (ولكن قد يؤثر التغيير في نمو الناتج المحلي الإجمالي في هذه النسبة). وتم تخصيص حوالي 3 مليار ونصف المليار جنيه مصري من ميزانية الدولة إلى قطاع النقل.

كذلك، نما إجمالي الاستثمارات في قطاع النقل من 65.7 مليار جنيه في العام المالي 2017/18 إلى 77 مليار جنيه في العام المالي 2018/19. الأمر الذي أدى إلى تحسن ترتيب مصر في المؤشرات العالمية للنقل. ووفقًا لمؤشر التنافسية العالمية في ركيزة البنية التحتية لمحور النقل، فقد بلغ ترتيب مصر في مؤشر جودة البنية التحتية للطرق 28 في 2019 من المرتبة رقم 45 في 2018. كذلك بلغ ترتيب الدولة في مؤشر اتصال الطرق-وهو المؤشر الذي يقيس متوسط سرعة واستقامة مسار القيادة الذي يربط بين أكبر عشرة مدن أو أكثر، والتي تمثل ما لا يقل عن 15% من إجمالي السكان- 48 في 2019 من المرتبة رقم 54 في 2018. كذلك وفقًا لتقرير مجموعة أكسفورد التجارية ولبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء، رصفت الدولة في عام 2018 حوالي 180 ألف كيلو متر، وهي ما تعد زيادة بحوالي 1.7% عن العام السابق. ومن ضمن مشروع الطرق الوطنية، ففي أوائل 2020، وخصصت وزارة النقل ميزانية بحوالي 9.8 مليار دولار لتطوير الطرق، بعد أن تم الانتهاء من 2000 مشروع للطرق في العام المالي 2019/20. ويأتي هذا الاهتمام بنظام الطرق للحد من أزمة ازدحام الطرق وضمان استيعاب الزيادة في أعداد السيارات الخاصة وعربات الشحن والحد من الحوادث.

أما بالنسبة لمؤشر الاتصال بشبكات الشحن الدولية، فقد تحسن ترتيب مصر للمركز رقم 18 في عام 2019 من 26 في عام 2018. حيث تحتوي مصر على 48 ميناء تجاريًا يمر من خلالها حوالي 90% من منتجات التجارة الخارجية المصرية. وتتعامل هذه الموانئ مع حوالي 14 ألف سفينة سنويًا بحمولة حوالي 160 مليون طن. وتعمل الدولة والشركات الخاصة على تطوير الموانئ وزيادة طاقتها الاستيعابية. هذا بالإضافة إلى توسيع قناة السويس، وهو المشروع الذي يهدف إلى زيادة سعة القناة من 49 سفينة يوميًا في عام 2015 إلى 97 سفينة يوميًا بحلول عام 2023، بهدف زيادة الإيرادات السنوية من القناة من 8.5 مليار دولار إلى 13.2 مليار دولار.

وقد ساهم الاهتمام بالقطاع بالفعل في جذب الاستثمارات الخارجية وجعل مصر واحدة من أوائل الدول الإفريقية التي تنضم إلى مبادرة الحزام والطريق الصينية، حيث استثمرت الصين في مشروع قناة السويس وفي بناء خط للسكك الحديدية في العاصمة الإدارية الجديدة (والذي ستشارك فيه شركة صناعة الطيران الصينية (AVIC) الدولية ومجموعة السكك الحديدية الصينية بقيمة 1.24 مليار دولار). كذلك وفقًا لتقرير مجموعة أكسفورد التجارية، فقد قام البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية في أغسطس 2019 بتوقيع منحتين بقيمة إجمالية 1.5 مليون يورو لتجديد القاطرات وتطوير قدرة الشحن لشبكة السكك الحديدية. هذا إضافة إلى المشاريع الأخرى التي يقوم بها البنك في قطاع النقل وغيره. 

ثانيًا: أثر الجائحة على القطاع والتوقّعات المستقبليّة

كان للجائحة آثار عديدة على قطاع النقل واللوجستيات. وفقًا لتقرير مجموعة أكسفورد التجارية، فقد أثرت الجائحة على النقل عن طريق الطرق (والذي يمثل 94% من الشحن الداخلي) بسبب تطبيق سياسات حظر التجول والتي أدت إلى ازدحام شديد في الأوقات الأخرى، ولكن قامت الحكومة بعمل استثناءات للشاحنات التي تنقل المواد الغذائية أو غيرها من المواد الأساسية. كذلك عملت الموانئ بقدرة محدودة ويرجع ذلك إلى تدابير الاحتواء التي اتخذتها معظم دول العالم وانخفاض الطلب. هذا بالإضافة إلى تأثر قطاع النقل والخدمات اللوجستية بشكل خاص بالاضطرابات في سلاسل التوريد الصينية والتي تعد من الموردين الرئيسيين للدولة. أخيرًا، أثرت الجائحة على الشحن الجوي- وهو وسيلة النقل الأكثر استخدامًا في نقل المواد الطبية والمواد الأولية لقطاع التصنيع وغيرها من المواد الأساسية- مما أدى إلى اضطرابات في العرض في العديد من القطاعات مثل قطاع التصنيع (وهذا يرجع أيضًا إلى الاضطراب العالمي في الإنتاج وفي سلاسل التوريد، جاء هذا على الرغم من استثناء الدولة الشحن الجوي للسلع الأساسية من قرارها بوقف الرحلات الجوية في مارس 2020). ولكن كان لهذا القرار تأثير ضخم على شركات الطيران، ففي مايو 2020، قامت شركة مصر للطيران بعمل قرض ثانوي بقيمة ملياري جنيه مصري (أي حوالي 123 مليون دولار).

على الرغم من تأثر القطاع في المدى القصير والمتوسط مع تأثر الناتج المحلي الإجمالي بشكل عام والاضطرابات العديدة للجائحة على القطاع، إلا أن الاستثمارات الأخيرة وتحسن وضع القطاع ساهمت في الحد من فترة تأثر القطاع، كذلك ستساهم الصفقات التجارية وخصوصًا تلك التي ستتم مع إفريقيا والزيادة الضخمة في التجارة الالكترونية وأيضًا الطلب الثابت على السلع وخدمات النقل في ضمان المسار الإيجابي للقطاع في المدى الطويل.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة