وحدة الدراسات العربية والإقليمية

تعثر “النهضة” ومستقبل الإسلام السياسي في المغرب العربي

شكٌلت قرارات الرئيس التونسي “قيس سعيد” في الخامس والعشرين من يوليو 2021 المتعلقة بتجميد البرلمان التونسي وإقالة الحكومة التونسية نقطة فارقة في مسار الإسلام السياسي وضربة قاصمة للتنظيمات الإسلامية وعلى رأسها “حركة النهضة” التي انخرطت بصورة كبيرة في المشهد السياسي التونسي في أعقاب عام 2011. ولعل تلك القرارات الناجمة عن الانسداد السياسي الداخلي ومساعي “حركة النهضة” للسيطرة على مفاصل الدولة فضلًا عن تحرك الشارع التونسي ضد تلك الحركة ومهاجمة مقارها في عدد من المدن تُقلص من فرص الهمينة التي تستهدفها تلك التنظيمات الإسلامية للسيطرة على المؤسسات المختلفة داخل الدولة. فقد شهدت “حركة النهضة التونسية” تراجعًا غير مسبوق سواء كان ذلك…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

شكٌلت قرارات الرئيس التونسي “قيس سعيد” في الخامس والعشرين من يوليو 2021 المتعلقة بتجميد البرلمان التونسي وإقالة الحكومة التونسية نقطة فارقة في مسار الإسلام السياسي وضربة قاصمة للتنظيمات الإسلامية وعلى رأسها “حركة النهضة” التي انخرطت بصورة كبيرة في المشهد السياسي التونسي في أعقاب عام 2011. ولعل تلك القرارات الناجمة عن الانسداد السياسي الداخلي ومساعي “حركة النهضة” للسيطرة على مفاصل الدولة فضلًا عن تحرك الشارع التونسي ضد تلك الحركة ومهاجمة مقارها في عدد من المدن تُقلص من فرص الهمينة التي تستهدفها تلك التنظيمات الإسلامية للسيطرة على المؤسسات المختلفة داخل الدولة.

فقد شهدت “حركة النهضة التونسية” تراجعًا غير مسبوق سواء كان ذلك على صعيد التمثيل التشريعي بتقلص عدد المقاعد التي تحظى بها خلال الدورة التشريعية الراهنة مقارنة بالانتخابات السابقة عام (2011 و2014)، إلى جانب افتقادها لثقة الشارع السياسي والتصدعات المتعددة مع التكتلات الحزبية الأخرى، الأمر الذي دفع المظاهرات لرفع شعارات لإسقاط الحركة وما يتبعها كما هو الحال بالنسبة لرئيس الوزراء “هشام المشيشي”، وهو ما يُعزز من فرص تراجع تلك الحركة.

ولعل التطورات الأخيرة التي حدثت في تونس خاصة تلك المتعلقة بتجميد البرلمان الذي تسيطر عليه “حركة النهضة” وعدد آخر من الأحزاب الإسلامية، يُلقى بظلاله على مسار الإسلام السياسي في منطقة شمال إفريقيا، خاصة وأن ذلك التطور في المشهد التونسي يتزامن مع بروز خط عام في تلك المنطقة الجغرافية يتجلى في اتخاذ خطوات لتحجيم التمدد الإخواني والحركات الإسلامية المتباينة، والتي باتت تتكشف حقائقها أمام الرأي العام الداخلي، كما هو الحال بالنسبة للجزائر، وهو ما يدفعنا نحو تناول وضعية الإسلام السياسي في المغرب العربي ومآلاته المستقبلية.

تراجع وانكماش 

إن منطقة المغرب العربي قد شهدت تصاعدًا غير مسبوق للأحزاب الإسلامية في أعقاب ما يُعرف باسم “الربيع العربي” عام 2011، وما أفرزته من بيئة خصبة لنشاط وصعود تلك الأحزاب التي سيطرت بصورة كبيرة على المشهد السياسي كما هو الحال بالنسبة لتونس “حركة النهضة” و”قلب تونس”، والجزائر كما برز في حركات “حركة مجتمع السلم – حمس وكذلك “حركة البناء الوطني”، والمغرب متمثلة في “العدالة والتنمية”، وموريتانيا في حزب “التجمع الوطني للإصلاح والتنمية – تواصل”، هذا التصاعد يمكن فهمه من خلال تفكيك أحداث الربيع العربي وحالة السخط الشعبي على الأنظمة الحاكمة والأحزاب التقليدية، وهو ما يهيئ الساحة لتصدرها المشهد، خاصة وأن تلك الحركات كانت الأكثر تنظيمًا حينذاك.

وانطلاقًا من السابق، ولكون منطقة المغرب العربي واحدة من أبرز المناطق الحاضنة للتيارات الإسلامية المدعومة من قِبل قوى إقليمية ودولية تستهدف تحقيق حضور سياسي لها في تلك المنطقة الاستراتيجية، تخضع فيه الأحزاب الإسلامية السياسية بصورة جوهرية لمظلة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ولم تخلُ دولة في الشمال الإفريقي من وجود أحزاب إسلامية -المتشددة منها والمعتدلة- منخرطة بصورة أو أخرى في السلطة بمختلف مستوياتها أو لديها تأثير على المشهد السياسي، ولعل الحالة التونسية والليبية أبرز تلك الدول التي يوجد بها إسلام سياسي وبدرجة أقل في كل من الجزائر والمغرب، بينما يتناقص وجودها وثقلها في موريتانيا.

غير أنه وفي الآونة الأخيرة تشكلت جملة من العوامل التي آلت في نهاية المطاف إلى تراجع قدرة التنظيمات الإسلامية وعباءتها الحزبية يمكن توضيحها في الآتي:

  • المرجعية الخارجية: لقد شكل التداخل بين التيار الإسلامي السياسي في منطقة المغرب العربي مع الأجندات الخارجية، نقطة مفصلية في زعزعة الثقة الشعبية لها وتراجع قدرتها على التأثير الداخلي، خاصة في ظل الولاء الظاهر والتبعية للأجندات الأجنبية سواء كانت سياسية دينية عقائدية أو طائفية أو مذهبية، وتحديدًا مع النظام التركي الذي بات محركًا ومؤثرًا رئيسًا على أجندة عمل ذلك التيار في منطقة المغرب العربي وفي ظل غياب الأجندات الوطنية الداعمة لمسارات الإصلاح السياسي والاقتصادي الداخلي، الأمر الذي بات محل رفض واسع لشريحة كبيرة من شعوب تلك المنطقة، وقد برز الانصياع للأجندات الخارجية في الأحزاب ذات الصبغة الإسلامية في تونس كما هو الحال بالنسبة “لحركة النهضة” التي باتت محل انتقاد واسع في أعقاب التقارب الأخير الملحوظ بين رئيس الحركة والمسؤولين الأتراك، وبرز كذلك في الحالة المصرية عن طريق جماعة الإخوان.
  • عودة الأحزاب التقليدية: أبرز متغيرات المشهد السياسي في عمق المغرب العربي يتجلى في العودة القوية للأحزاب التقليدية أو أحزاب الموالاة ذات التأثير الواسع في الشارع السياسي بعدما شهدت حالة من التراجع في أعقاب التغيرات السياسية التي طرأت داخل تلك الدول، خاصة وأن لدى تلك الأحزاب القدرة التنافسية والتنظيمية التي لا تزال تتمتع بها، وبرز ذلك على الساحة الجزائرية بين (جبهة التحرير – التجمع الوطني الديمقراطي) التي استطاعت تحقيق فوز بالانتخابات التشريعية التي عُقدت في منتصف عام 2021، إلى جانب استمرارية قدرة حزب “الاتحاد من أجل الجمهورية” الموريتاني من السيطرة على المشهد السياسي.
  • ضآلة التأثير والمناورات الخاسرة: لطالما انتهجت تيارات الإسلام السياسي داخل مجتمعات المغرب العربي استراتيجية مناورة لخلق موطئ قدم لها على الساحة السياسية، وذلك من خلال تصدير صورة مغايرة للواقع حول عدم انتماء أحزاب ذلك التيار للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين. وقد تجلى ذلك بوضوح في تونس عندما قرر حزب حركة النهضة الإسلامي التخلي عن النشاط الدعوي على خلفية المؤتمر العام العاشر للحزب في مايو 2016، وذلك لاكتساب شريحة أوسع من القواعد الشعبية، وكذا اجتذاب قواعد انتخابية أوسع تضمن من خلالها تحقيق وجود سياسي في الداخل التونسي، وهو نمط خداعي للرأي العام، فبات هذا الحزب يدور في فلك التنظيم الدولي للإخوان.

الأمر الآخر هنا؛ وهو المباغتة التي باتت تنتهجها الأحزاب الإسلامية في الجزائر والتي انتهجت خطابًا مغايرًا لذلك الخطاب القائمة على البعد الديني والأيديولوجي، بيد أنه هذا الأمر لم يظل كثيرًا بل عزز من فرضية تراجع تلك الأحزاب وقدرتها التنظيمية وتراجع تأثيرها.

  • تصدعات داخلية: لقد برزت في الآونة الأخيرة حالة من التصدعات والاستقطابات داخل أحزاب الإسلام السياسي، وهي إحدى المرتكزات الرئيسية نحو تراجع تماسك تلك الأحزاب وافتقادها للمصداقية الخارجية، مما أحدث ارتباكًا نوعيًا في مسارها السياسي، وبرز ذلك فيما شهدته الأحزاب الإسلامية في الجزائر من حالة من الانقسام والتفكك والتي برزت بصورة كبيرة في انخراط عدد من الأحزاب الإسلامية على رأسها “حركة البناء الوطني” في مبادرة ” القوى الوطنية للإصلاح” – الداعمة بصورة ضمنية لخارطة الطريق التي وضعها الرئيس “تبون”.
  • تعددية هشة: من المُلاحظ أن أحد أسباب تراجع تلك الأحزاب هو حالة التعدد التي باتت تتسم بها الأحزاب الإسلامية بشقيها المتطرف والمعتدل، يسبب حالة من الضعف والهشاشه داخل المشهد السياسي، ولعل ذلك يظهر بصورة كبيرة إبان الانتخابات النيابية داخل تلك الدولة.
استراتيجيات متباينة 

اتصالًا بالسابق؛ وفي ضوء الحديث عن حالة التراجع التي شهدتها أحزاب الإسلام السياسي والتي يدور غالبيتها في فلك التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، وفي ظل حالة التشرذم المجتمعي والنخبوي على تلك الأحزاب، انتهجت دول المغرب العربي نهجًا مغايرًا في تعاطيها مع تلك التكتلات برز في جملة من الإجراءات التي ساهمت بشكل كبير في كبح جماح تلك الأحزاب ويمكن توضيحها في النقاط الآتي:

  • استراتيجية الاستقطاب وتبني الحوار والشراكة: من بين مسارات التحرك التي اتخذها عدد من دول المغرب العربي وعلى رأسها موريتانيا لتقليص وتحجيم التيارات السياسية الإسلامية هو استقطابها وخروجها من عباءة الدينية البحته للمظلة السياسية الداعمة للنظام الحاكم وغلق الطرق أمام تلك الاحزاب للانخراط في اللعبة السياسية في ظل مساعي تلك الأحزاب للسيطرة على الأنظمة المغاربية، ولعل تلك الاستراتيجية تبلورت بصورة جلية خلال الإجراءات التي تم اتخاذها في نواكشوط للاحتواء المبكر من جانب الرئيس “محمد ولد الغزواني” للأحزاب الإسلامية للحيلولة دون خروجها عن مسار النظام الحاكم. وقد برز بصورة كبيرة خلال المشاروات المتكررة مع رئيس حزب “تواصل” وهو توجه مغاير تمامًا لما كانت عليه الأوضاع خلال الرئيس السابق “محمد ولد عبد العزيز” الذي كان رافضًا لتلك الأحزاب.

فضلًا عما تشهده المغرب من احتواء حزب “العدالة والتنمية” ذي التوجه الإسلامي الذي شهد انخراطًا كبيرًا في الحكومة المغربية، وتقاربًا واصطفافًا ملحوظًا مع المؤسسة الملكية، وبرز ذلك بصورة كبيرة في مسار قضية إعادة استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية مرة أخرة/ إلى جانب انتقاده لحزب “تواصل” الموريتاني لاستضافته أعضاء من جبهة البوليساريو (مارس 2021).

  • قطع الطريق وتضييق الخناق: تتبع بعض الدول في تلك المنطقة على استراتيجية التطويق لتقييد أحزاب التيار الإسلام السياسي عبر رفض الترخيص للأحزاب القائمة على إيديولوجية دينية، وبرز ذلك في الجزائر التي أكد أيضًا الرئيس “تبون” خلال حواره مع صحيفة “لوبوان الفرنسية” في السادس من يونيو 2021، بأن أيديولوجيا الإسلام السياسي لن توجد داخل الدولة مرة أخرى. 
  • خلق توازنات داخلية وتفتيت التقاربات الإسلامية: شهد عدد من دول المغرب العربي حالة من بلورة توازنات داخلية عبر تصعيد حركات سياسية أو تدشين أخرى تضم تكتلات حزبية متعددة تقلص فرص التمدد الشعبي للحركات الإسلامية، وبرز ذلك بصورة كبيرة في الجزائر عبر إطلاق ما يُعرف باسم “مبادرة القوى الوطنية للإصلاح” والتي تأسست في الحادي عشر من أغسطس 2020 وتضم قرابة 50 حزبًا ومؤسسة مدنية وهيئات اقتصادية استقطبت “حركة البناء الوطني” الإسلامية.

وتتسم تلك المبادرة بالتنوع الإيديولوجي مما يُعزز من فرص حضورها على الساحة السياسية؛ بغرض بناء إطار للقوى الوطنية تدعم الثوابت الوطنية ودعم مسار خارطة الطريق والتحول الديمقراطي، وتكمن أهمية تلك المبادرة في سعيها لخلق حالة من التوافق السياسي يكسر حاجز الانسداد في العملية السياسية ويكرس لمبادئ وخارطة الطريق التي كان قد أعلن عنها الرئيس عبد المجيد تبون، وهو الأمر الذي يخلق ظهيرًا سياسيًا للرئيس تبون خاصة وأنها تمتاز بحالة من التنوع الإيديولوجي، وتساهم تلك المبادرة في إيجاد توزان سياسي لقوى الإسلام السياسي، فضلًا عن بروز مبادرة سياسية أخرى تُعرف باسم “مبادرة 22 فبراير” والذي يعد مشروعًا سياسيًا للحراك الشعبي في الجزائر ويضم الكثير من نشطاء الحراك، وذلك بغرض الوصول لاتفاق سياسي توافقي داخل الحراك ويعزز من مسار الانتقال السياسي توازي تحركات التيارات الإسلامية.

وهو ذات النهج الذي برز في تونس من خلال مبادرة “”جبهة الاستفتاء” التي تم تشكيلها (28 يونيو 2021) والتي تضم أحزاب اليسار على رأسها “حركة مشروع تونس” وعدد من المنظمات المدنية والتي تعزز من مساندة النظام الحاكم في مواجهة الحركات الإسلامية.

  • الارتهان للشعب: من بين مسارات تحرك الأنظمة الحاكمة في دول المغرب العربي تكمن ورقة الشعب كأحد استراتيجيات مواجهة التيار الإسلامي، ويتضح ذلك بصورة كبيرة في تونس من خلال المراهنة على الشعب من جانب الرئيس “قيس سعيد” وعدم الانتماء لحزب سياسي، وهي الحالة المتشابهة مع الرئيس “عبد المجيد تيون” الذي يرفض تأسيس أو الانتماء لحزب سياسي كظهير له، ويعول الرئيسان على ورقة الشعب كظهير لهما في مواجهة تفاقم ظاهرة الأحزاب الإسلامية.
تبعات متعددة ومستقبل مضطرب

لقد أدت العوامل المذكورة أعلاه إلى تبعات سلبية على مسار تحرك أحزاب تيار الإسلام السياسي برزت بصورة كبيرة في النقاط الآتية:

1.فقدان التأثير على المشهد السياسي: وتراجع قدرتها الانتخابية سواء كان ذلك على مستوى السلطة التشريعية أو التنفيذية، ففي موريتانيا لم يتمكن المرشح “محمد ولد بوبكر” المدعوم من جانب حزب “تواصل” من الفوز بالانتخابات الرئاسية ولم تتجاوز نسبة الأصوات التي حصل عليها 17.9% ليحل في المرتبة الثالثة، وهو ذات الأمر الذي شهدته الجزائر في الانتخابات الرئاسية عام 2019 والتي حقق خلالها الرئيس “تبون” نسبة 58.13% بينما حصل مرشح الإسلاميين “عبد القادر بن قرينه” رئيس حركة “البناء الوطني” على نسبة 17.37%..

وبرز ذلك أيضًا في الانتخابات التشريعية الجزائرية التي احتلت الأحزاب الإسلامية وعلى رأسها “حركة مجتمع السلم – حمس” التابعة لتنظيم الإخوان المرتبة الثالثة بموجب عدد 64 مقعدًا، في حين حققت الأحزاب التقليدية هيمنة نسبية على المقاعد وعلى رأسها جبهة التحرير الوطني، وهو ذات الأمر الذي ظهر في الانتخابات التشريعية التونسية والتي كانت تسيطر عليها حركة النهضة الإسلامية إلا أنها شهدت تراجعًا كبيرًا في انتخابات عام 2019 والتي لم تحصل إلا على 53 مقعدًا مقارنة بعدد 69 مقعدًا عام 2014.

2.سقوط الرمزية الإسلاموية: إن المتأمل للمشهد السياسي في دول المغرب العربي يجد أن الرمزية والقدرة على التنظيم التي كانت تمتاز بها تيارات الإسلام السياسي باتت تتقلص بصورة كبيرة، وتجلى ذلك بصورة كبيرة في مشهد الاقتحامات المتعددة لمقرات تلك الأحزاب مؤخرًا في تونس، ولعل هذا يحدث هزة كبيرة في الصورة الذهنية للشعوب حيال تلك الأحزاب.

ومن خلال ما سبق يمكن القول إن مستقبل تيارات الإسلام السياسي في دول شمال إفريقيا بات قاب قوسين أو أدنى من التراجع والاندثار على صعيد المستقبل المنظور وحتى على الصعيد طويل الأجل؛ إذ ستشهد هذه الأحزاب ما يمكن تسميته “الكمون” خاصة في ظل المتغيرات الوطنية لدول تلك المنطقة وحالة التصدع التي تشهدها أحزاب هذا التيار.

ولعل ارتباك المشهد وخلط الأوراق في العمق التونسي التي تعد الترمومتر الحقيقي لاستشراف المستقبل الخاص بالإسلام السياسي في النطاق الجغرافي الواقع بشمال إفريقيا، يبرهن بصورة كبيرة على انحسار غير مسبوق لتيار الإسلام السياسي، خاصة في ظل تفاقم الأوضاع الداخلية وتراجع شعبية “حركة النهضة” والأحزاب الإسلامية الأخرى داخل تونس. ولعل التصدعات التي وقعت مؤخرًا في تونس تُعد مؤشرًا حول بلورة رؤية واستراتيجية عامة في المنطقة من جانب شعوبها لمواجهة تلك التيارات وكسر منطق الشعبوية التي كانت تعتمد عليه تلك الحركات، ومن ثٌم فإن قرار تجميد مجلس نواب الشعب التونسي ومواجهة مقرات حركة النهضة مؤشر حقيقي ورمزي كبير لكسر حالة الالتفاف حول الرأي العام وبمثابة نهاية تعاطف العامة معها.

ختامًا؛

لقد مرت أحزاب الإسلام السياسي داخل تونس وفي إطار أوسع داخل المنطقة المغاربية، بمنحى تجلت مراحل صعوده النسبية قبيل عام 2011 وما تلاها على خلفية تسارع الأحداث التي أطاحت بالأنظمة الحاكمة في عدد من تلك الدول، وهو ما هيأ المناخ أمام الصعود البارز والانخراط المبكر في السلطة والمؤسسات الرسمية في الدولة عقب تلك الاضطرابات وحققت سيطرة واسعة على المجالس النيابية كمنفذ للسيطرة على باقي أجهزة الدولة، غير أن المحطة الحرجة في وضعية تلك الأحزاب تمخضت عن ثورة الثلاثين من يونيو 2013 في مصر، وما تبعها من حالة اندثار غير مسبوقة لأحزاب الإسلام السياسي في الدول الأخرى كما هو الحال بالنسبة للجزائر والمغرب وما يحدث الآن في تونس، ولعل هذا التراجع لأحزاب الإسلام السياسي والسياق الداخلي والإقليمي يُنذر بحالة اندثار لتلك الأحزاب خاصة وأنها لم تعد محل قبول ليس فقط على مستوى الأنظمة الحاكمة ولكن أيضًا على صعيد الشعوب.

نقلا عن إصدار تونس .. تصحيح المسار “خريف النهضة “
عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at