مبادرة روجرز وبناء حائط الصواريخ

مستشار المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

أغسطس 1970 كان أحد أهم صفحات النضال المصرى، حيث كان تاريخا فاصلاً بين القتال الضارى عبر قناة السويس وبين وقف إطلاق النار خلال حرب الاستنزاف التى تصاعدت تدريجيا ضد القوات الإسرائيلية فى سيناء عقب حرب يونيو. لم تكن تلك المبادرة التى سُمٍيت باسم وزير الخارجية الأمريكى روجرز هى الأولى، بل سبقها العديد من المبادرات المصرية والعربية الأجنبية وارتكزت كلها على قرار مجلس الامن 242 بخصوص انسحاب إسرائيل من جميع الأراضى التى احتلتها، وقوبلت كلها بالرفض الإسرائيلى أو الفيتو الأمريكى اعتماداً على النص البريطانى الملتوى الصياغة لأراض وليست الأراضى مما يعطى إسرائيل مطاطية لكى تبقى حيثما تريد وهو ما طبقته وما…

لواء دكتور/ محمد قشقوش
مستشار المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

أغسطس 1970 كان أحد أهم صفحات النضال المصرى، حيث كان تاريخا فاصلاً بين القتال الضارى عبر قناة السويس وبين وقف إطلاق النار خلال حرب الاستنزاف التى تصاعدت تدريجيا ضد القوات الإسرائيلية فى سيناء عقب حرب يونيو.

لم تكن تلك المبادرة التى سُمٍيت باسم وزير الخارجية الأمريكى روجرز هى الأولى، بل سبقها العديد من المبادرات المصرية والعربية الأجنبية وارتكزت كلها على قرار مجلس الامن 242 بخصوص انسحاب إسرائيل من جميع الأراضى التى احتلتها، وقوبلت كلها بالرفض الإسرائيلى أو الفيتو الأمريكى اعتماداً على النص البريطانى الملتوى الصياغة لأراض وليست الأراضى مما يعطى إسرائيل مطاطية لكى تبقى حيثما تريد وهو ما طبقته وما زالت فى الجولان السورى والضفة الغربية والقدس الفلسطينيتين.

وقدمت إسرائيل مبادرة واحدة تدعو الى السخرية بأن ينسحب الجيشان المصرى والإسرائيلى خلف قناة السويس بمسافة 50 كم كنوع من فض الاشتباك مع تطهير قناة السويس وفتحها لخدمة الملاحة الدولية مع المساهمة فى التطهير وربما نسبة من دخل القناة! ومن الناحية العسكرية تستطيع القوات الإسرائيلية ان تقطع تلك المسافة الى القناة فى اقل من ساعتين بل وتعبرها اذا ارادت، بينما تحتاج القوات المصرية أضعاف ذلك الوقت للوصول إلى القناة عبر المناطق السكنية والأراضى الزراعية والموانع المائية، وهوما رفضته مصر.

وهنا يبرز السؤال المهم لماذا قبلت إسرائيل بمبادرة روجرز بعد رفضها كل المبادرات السابقة؟ والإجابة لأنها بدأت تعانى الخسائر الضخمة فى قواتها بسيناء خاصة فى القوات البشرية التى يصعب استعواضها بين قتلى وجرحى وأسرى، حيث كانت تلك المرحلة الثالثة والأخيرة من حرب الاستنزاف أى الإنهاك العسكرى المتصاعد الذى تدرج من الصمود إلى التصدى وانتهاء بالردع، وهى مرحلة عبور عناصر خاصة من قواتنا المسلحة قناة السويس الى سيناء للقيام بأعمال الكمائن والإغارات ضد مواقع العدو ودورياته ومواقع خط بارليف الحصين، وكان للكاتب شرف قيادة إحدى المجموعات عدة مرات كان أكبرها ضد الموقع الحصين للمعدية رقم 6 شرق الاسماعيلية.

كان ذلك ردا على تصعيد العدو بقواته الجوية المتفوقة نوعا وعددا ضد العمق المصرى مثل مدرسة بحر البقر وابو زعبل وقناطر نجع حمادى، خاصة بعد تهجير مدن القناة الثلاث التى كان يستهدفها ردا على فتح قواتنا النيران ضد قواته العسكرية فى سيناء. كما تطلب الوقف ضرورة بناء حائط صواريخ دفاع جوى غرب القناة وخارج مدى مدفعية العدو لمجابهة الطيران الإسرائيلى فى تلك المرحلة، ولاحقا لتغطية قواتنا التى ستعبر القناة فى الحرب المنتظرة وهو ما كان خلال حرب رمضان أكتوبر 1973 المجيدة حيث غطت مظلة الدفاع الجوى عمق 15-20 كم داخل سيناء. كان هناك سباق محموم بين إرادتين: المصرية لإتمام الحائط مع بوادر مبادرة روجرز فى بداية يونيو حيث تسرب ان وقف إطلاق النار سيشمل إيقاف الغارات الجوية الإسرائيلية ضد مصر مقابل إيقاف عبور القوات الخاصة وإيقاف بناء حائط الصواريخ المصري، وبين الإرادة الإسرائيلية لتدمير هذا الحائط بالغارات الجوية شبه اليومية، وكانت الخسائر البشرية المصرية شبه يومية سواء من المهندسين العسكريين او الشركات المدنية وخاصة شركتى عثمان احمد عثمان وحسن علام وآخرين، ولتفادى الخسائر كان العمل يتم ليلا.

وكانت خسائر الطائرات الإسرائيلية محدودة، إلى أن كان يوم 30 يونيو حيث قام العدو بهجمة جوية كبيرة بعدد 10 طائرات حديثة حيث نجح الحائط فى إسقاط 8 طائرات! ولم تعاود إسرائيل اختبار يدها الطولى مرة أخرى وسمته الاثنين الأسود، بينما أصبح هذا اليوم هو يوم الدفاع الجوى المصرى. لتدخل المبادرة حيز التنفيذ فى 8 اغسطس1970. ورغم ان معظم صواريخ الحائط كانت من أسلحة الحرب العالمية الثانية إلا ان إرادة المقاتل المصرى وشجاعته هما اللتان صنعتا الفارق فى مواجهة أحدث الطائرات الأمريكية والفرنسية.

نقلا عن جريدة الاهرام بتاريخ 7 اغسطس 2021
لواء دكتور/ محمد قشقوش
مستشار المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب