مقال تحليلي

الإخوان والربيع العربي.. بوادر السقوط الأخير في تونس

حينما تبرق السماء تتهيأ الآذان لسماع هزيم الرعد، فما جرى في مصر يوم 30 يونيو 2013، كان لمعان برق يعلن هزيمة المشروع الإخواني في المنطقة العربية بأسرها، وليس فقط دول ما يسمى بـ”الربيع العربي”. وما يجري في تونس بداية من يوم 25 يوليو 2021، هو دوي رعد، له أصداء ستُسمع حتمًا في ليبيا التي تستعد لانتخابات رئاسية وتشريعية يوم 24 ديسمبر المقبل. ففي الظواهر الطبيعية، يستدل بتكرار العادة على الاعتقاد بتجددها، مثل شروق الشمس في كل صباح. وفي العلوم الإنسانية، لا يمكنك توقع نتائج مختلفة لنفس المقدمات. من ثم، فإن التنبؤ بمستقبل حركة الأحداث في تونس، في ضوء المعطيات الموجودة،…

ياسر رزق
كاتب صحفي

حينما تبرق السماء تتهيأ الآذان لسماع هزيم الرعد، فما جرى في مصر يوم 30 يونيو 2013، كان لمعان برق يعلن هزيمة المشروع الإخواني في المنطقة العربية بأسرها، وليس فقط دول ما يسمى بـ”الربيع العربي”. وما يجري في تونس بداية من يوم 25 يوليو 2021، هو دوي رعد، له أصداء ستُسمع حتمًا في ليبيا التي تستعد لانتخابات رئاسية وتشريعية يوم 24 ديسمبر المقبل. ففي الظواهر الطبيعية، يستدل بتكرار العادة على الاعتقاد بتجددها، مثل شروق الشمس في كل صباح. وفي العلوم الإنسانية، لا يمكنك توقع نتائج مختلفة لنفس المقدمات. من ثم، فإن التنبؤ بمستقبل حركة الأحداث في تونس، في ضوء المعطيات الموجودة، لا يعد قفزًا على واقع ما زلنا نرصد وقائعه.

استغلال الانتفاضات

(*) الظاهر من مقارنة الانفجار المصري المتسلسل منذ الأسابيع الأولى لصعود الإخوان إلى سدة الرئاسة، وحتى بلوغ ذروته يوم الثلاثين من يونيو 2013، بالانفجار التونسي الذي لم يصل بعد إلى ذروته؛ أن جماعة الإخوان برداء حركة النهضة في تونس لم تتعلم من تجربتها برداء حزب “الحرية والعدالة” في مصر كأنها أسرة “بوربون” جديدة في زي أهل وعشيرة، تلك التي لم تنسَ شيئًا من نهجها في الحكم في فرنسا الذي أدى إلى انفجار ثورة 1789، ولم تتعلم حين عادت إلى الحكم الدرس من تلك الثورة فكان سقوطها أمرًا محتومًا.

(*) جاءت انتفاضات الغضب “الربيع العربي” لتعبدالطريق أمام جماعة الإخوان، كي تحقق حلمًا لها طال انتظاره أكثر من 80 عامًا للوصول إلى الحكم في المنطقة العربية، عبر الآليات الديمقراطية، بعدما فشلت مساعيها في القفز إلى السلطة عبر المؤامرات والاغتيال، بالأخصّ في عهدي عبدالناصر والسادات. وكان ذلك الطريق ممهدًا عبر تأييد من قوى كبرى، بالأخص الولايات المتحدة، التي وجدت فيها نموذجًا لــ”إسلام معتدل” يختلف عن “الإسلام المسلح” الذي خاض حربًا ضد قوى الدولة الجزائرية خلال سنوات التسعينيات ولقي هزيمة كاسحة.

(*) حظي ذلك النموذج الإخواني بتعاطف شعبي في ظل تغييب القوى السياسية المدنية بالمنطقة العربية، كما أنه لا يجد غضاضة في الاعتراف بإسرائيل، ويستطيع أن يبيع صفقة تسوية سلمية للقضية الفلسطينية تنطوي على تنازلات إقليمية للرأي العام العربي والإسلامي. عزز من ذلك وجود نماذج تنموية على يد حزب “العدالة والتنمية” الإخواني في تركيا بزعامة رجب طيب أردوغان، ومهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا ذي المرجعية الفكرية الإسلاموية.

 (*) استفاد الإخوان في طريقهم إلى السلطة من سياسات انتهجتها النظم التي أطاحت بها رياح “الربيع العربي”، حيث اعتمدت على التنكيل بالمعارضين وإغلاق الأفق السياسي، مع استشراء الفساد، وتغييب العدالة الاجتماعية، حتى في دول كانت تحقق نموًا اقتصاديًا مرتفعًا كتونس ومصر، وفاقم تلك السياسات أن النظم القومية التي يحكمها قادة ينتمون إلى خلفيات عسكرية سعوا إلى توريث الحكم أو ترتيب توريثه إلى أنجالهم في سوريا ومصر وليبيا واليمن، وجعلت تلك النظم من جماعات الإخوان -في أحاديثها المعلنة وفي مباحثاتها مع قادة الغرب- خصمًا لها ونقيضًا لنهجها وسياساتها، فكانت الجماعة -بطبائع الأمور- هي البديل لها عند سقوطها.

        (*) أدت الطبيعة القبلية في اليمن وليبيا والتركيبة الإثنية في سوريا، مع اعتماد الجيوش على عنصري القبائلية والطائفية، فضلًا عن المصالح الجيواستراتيجية المتصارعة للقوى الكبرى والإقليمية غير العربية؛ إلى دخول الدول الثلاث إلى منعطف حرب طاحنة تقوم على معارك بين أطراف محلية وهجينة مدعومة من قوى خارجية، أو بعمل مباشر من جيوش كبرى ومليشيات متعددة الجنسيات.

الصعود إلى السلطة

(*) على خلاف تلك الدول الثلاث، كان الأمر مختلفًا في الحالتين المصرية والتونسية، فلم تكن ثمة اعتبارات قبلية أو جهوية أو إثنية تهدد تماسك المجتمع في البلدين؛ إذ كانت الثورتان سلميتين، حيث خرج رئيسا البلدين من السلطة بسلاسة، بل كان هناك تسامح نسبي من جانب السلطة في ترك جماعة الإخوان تباشر عملها الخيري والخدمي، ومن ثم كان للإخوان تراث متراكم من التعامل المباشر مع الجماهير منذ عقود. إضافة إلى ضعف المجتمع المدني، وضغط السلطة على القوى والأحزاب المدنية، مما أدى إلى إضعافها. لذا، بدت الثورتان بوابة دخول واسعة أمام جماعة الإخوان في مصر إلى الحكم، وأمام حركة “النهضة” الإخوانية في تونس لتدلف منها بالتدريج نحو السلطة.

 (*) تكاد تكون شعارات الثورتين في مصر وتونس واحدة في المطالبة بـ”العيش أو الخبز والحرية والعدالة والكرامة”. وكانت ذروة مطالبهما هي “رحيل النظام”، وجاء هتاف المتظاهرين المصريين مستنسخًا من نظيره التونسي: “الشعب يريد إسقاط النظام”. هنا لا يمكن الجزم بأن الثورة التونسية التي سبقت المصرية بأسابيع كانت ملهمة للمتظاهرين المصريين، لكنها -على الأقل- كانت عاملًا مساعدًا في التسريع بتفاعلات انتفاضة الغضب، ورفع سقف الأهداف من إسقاط الحكومة إلى النظام.

(*) قدم الإخوان أنفسهم في مصر على أنهم “يحملون الخير” للشعب تعويضًا عن سنوات القهر والفساد والظلم الاجتماعي، ويبشرون بتجربة “نهضة” مستوحاة من النموذجين التركي والماليزي، واستقبلهم الناخبون المصريون من غير الإخوان بـ”تعشم” أن يكونوا نقيضًا لما عاشوه خلال عقدين أو أقل من سنوات مبارك الثلاثين.

(*) بينما اقتاد شبقُ السلطة إخوانَ مصر إلى السعي للاستحواذ على مؤسسات الحكم في مجلس الشعب عام 2012، ثم مجلس الشورى ورئاسة الجمهورية بعدما سبق أن أعلنوا أنهم لن يتقدموا بمرشح باسمهم إلى الانتخابات الرئاسية؛ انتهجت حركة النهضة مسارًا أقل تسارعًا نحو الاستحواذ على أركان السلطة، فقد ساندت حركة “النهضة” اختيار رئيس الجمهورية المؤقت عام 2011 شخصية غير إخوانية، لكنه متحالف معها هو اليساري القومي المنصف المرزوقي الذي انتخبه المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان المؤقت) وهو مجلس تحوز فيه حركة النهضة على 37% من مقاعده، وكان المرزوقي مجرد دمية تحركها حركة النهضة.

(*) لم تشارك حركة “النهضة” في انتخابات الرئاسة لعام 2014 بمرشح لها، وهي الانتخابات التي جاءت بالباجي قائد السبسي رئيسًا لتونس، ثم دفعت في عام 2019 بمرشحها عبدالفتاح مورو لانتخابات الرئاسة، وعندما سقط ساندت أستاذ القانون الدستوري المستقل قيس سعيد في الجولة الثانية للانتخابات، ظنًّا أنها سوف تستطيع تطويعه كيفما شاءت، لا سيما وأنه لا يستند إلى قاعدة حزبية.

(*) كان فشل حركة النهضة في تحقيق وعودها للناخبين، وعجز الحكومات التي تؤيدها عن صنع تغيير ملموس في حياة الجماهير، له تأثير كبير في انخفاض نصيب الحركة من مقاعد مجلس نواب الشعب، إذ انخفض من 89 مقعدًا في المجلس الوطني التأسيسي عام 2011 إلى 69 مقعدًا في مجلس النواب عام 2014، ثم إلى 52 مقعدًا في آخر انتخابات تشريعية عام 2019. واعتمدت الحركة على تحالفات متنوعة مع كتل يسارية ضعيفة لتحقيق أكثرية تُمكّنها من اقتناص أكبر عدد ممكن من الحقائب الوزارية.

استنساخ الأخطاء

(*) سلك إخوان مصر أسلوب الاقتحام المباشر ومن المواجهة بأقصر طريق للوصول إلى الحكم والاستحواذ على مفاصل الدولة المصرية، بينما سلك إخوان تونس أسلوب الاقتراب غير المباشر وانتهاج طرق التفافية للهيمنة على أركان السلطة. ولعل حركة النهضة أبطأت تسارع خطواتها نحو الحكم بعد سقوط الإخوان في مصر سعيًا لامتصاص توابع الضربة في تونس حتى تعود بإيقاع أسرع، وربما لهذا لم تدفع بمرشح لها في انتخابات عام 2014، لكنها في الواقع لم تتعلم شيئًا من درس ثورة 30 يونيو في مصر.

(*) لم تقدّم حركة النهضة أي مشروع للنهوض بتونس ولا بأحوال الشعب، كما استهدفت معارضيها من الإعلاميين والسياسيين، مما أدى إلى اغتيال شخصيات كشكري بلعيد ومحمد البراهمي، حيث وُجهت أصابع الاتهامات للحركة بمسئوليتها المباشرة عن تصفيتهما، كما اختارت “النهضة” وزراءها في الحكومات على أساس الولاء الإخواني وليس الكفاءة، وعمدت إلى تنصيب أتباعها من غير ذوي الخبرة في مواقع حيوية بالجهات الحكومية. كما أرهبت معارضيها من النواب التونسيين في البرلمان، وخاصة السيدات كالنائبة عبير موسى. علاوة على أن راشد الغنوشي رئيس مجلس نواب الشعب قد أسس “وزارة خارجية موازية” تنتهج سياسة مغايرة لسياسة الدولة التونسية خاصة إزاء النظام التركي.

(*) في ظل تلك الممارسات ثارت اتهامات رسمية لحركة النهضة وقياداتها بالفساد والكسب غير المشروع وتلقّي تمويلات خارجية خلافًا للقانون، وظنت الحركة وقياداتها أنهم سيكونون بمأمن من المحاسبة الجنائية والسياسية، في ظل هيمنتهم على مفاصل مهمة في نظام النيابة العامة.

(*) كانت وصفة الفشل في عام حكم الإخوان في مصر، والتي أدت إلى ثورة 30 يونيو، هي مزيج من إقصاء الغير والاستحواذ على مفاصل الدولة، وانعدام الخبرة الإدارية، وغياب الرؤية أو المشروع الوطني، والفشل التام في تلبية أبسط الاحتياجات الجماهيرية، جنبًا إلى جنب مع خنق الحريات والاعتداء على المتظاهرين السلميين وإطلاق الرصاص عليهم، وتهديد الأمن القومي للبلاد بسياسات أدت إلى ضرب ركائز الدولة الوطنية وثوابتها. تلك الوصفة بمزيجها هي تقريبًا التي استحالت إليها الأوضاع السياسية الاجتماعية في تونس تحت سيطرة حركة النهضة.

(*) بلغت الأزمة التونسية ذروتها حينما عجزت الدولة عن مجابهة الأزمة الاقتصادية، وتوفير اللقاحات المضادة لتفشي وباء (كوفيد-19)، فوجد الشعب نفسه متلقيًا لمساعدات غذائية وطبية من دول كان يفوقها نموًّا وازدهارًا قبيل تسلط حركة النهضة وحكوماتها. لذا، وجدت قرارات الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو 2021 ترحيبًا ملحوظًا لدى الرأي العام، ومساندة إقليمية، وعدم ممانعة دولية على أساس أن هدفها المعلن هو إنقاذ البلاد وليس “إنهاء الديمقراطية”.

(*) الملاحظ في المشهد التونسي هو تأييد المؤسسة العسكرية والأمنية للرئيس سعيد في قراراته التي شملت تجميد مجلس نواب الشعب لمدة شهر قابلة للتجديد، وإقالة رئيس الحكومة، وتولي الرئيس مؤقتًا مهام النيابة العمومية لتتمكن من مساءلة المتهمين بالفساد من أركان حركة النهضة.

توقعات مفتوحة

(*) تبدو التوقّعات مفتوحة إزاء مجريات الأحداث في تونس في المستقبل المنظور والقريب، بدءًا من الانطلاق من قرارات الرئيس سعيد نحو إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، ينتظر أن يعاقب فيها الشعب حركة النهضة بالاستبعاد من بؤرة القرار السياسي، ويُعيد انتخاب الرئيس سعيد بأغلبية أكبر مما حازها عام 2019. وحتى افتراض تنفيذ راشد الغنوشي تهديداته بإشعال الشارع بأعمال عنف قد تؤدي إلى خروج جماهيري حاشد، وتدخل خشن من المؤسسة العسكرية الأمنية لحماية المواطنين وصون الأمن القومي للبلاد، وبقاء الدولة. مع عدم استبعاد تأثير العنصر الإقليمي والتدخلات المباشرة خاصة من غرب ليبيا في المعادلة التونسية.

(*) يظلّ أنّ كل الطرق عبر الآليات الديمقراطية أو الخشنة تُشير إلى انسداد أفق المستقبل أمام حركة النهضة في تونس. فقد كانت جماعة الإخوان تعتبر أن نجاح حكم أتباعها في تونس سيكون المنطلق لهجوم مضاد لاسترداد السلطة في مصر، لا سيما في حالة فشل مشروع التنمية الوطني لنظام ثورة 30 يونيو. غير أن النجاح البارز لهذا المشروع، مع الفشل الظاهر للنموذج الإخواني في تونس، يدفع إلى الاعتقاد بأن ما يجري الآن هو بوادر سقوط الجيب الأخير لجماعة تعادي التقدم وتخاصم الديمقراطية.

نقلا عن تقديرات مصرية

ياسر رزق
كاتب صحفي