الانسحاب الأمريكي وعودة “طالبان”

عضو الهيئة الاستشارية

بعد عقدين من الحرب، لم تحقق الولايات المتحدة، فى أفغانستان، سوى مكاسب ضئيلة تتمثل فى تخلصها من القيادات المركزية لحركة طالبان وتفكيك معسكرات القاعدة، بينما تكبدت خسائر كبيرة بعدما وصلت تكلفة الحرب الى ما يقرب من تريليون دولار، بالإضافة الى مقتل مايزيد على 2300 جندى امريكى وجرح اكثر من 20 ألفا آخرين. وفق هذه المعطيات، ترسخ لدى أمريكا قناعة عدم جدوى الوجود فى الأراضى الأفغانية، ما دفع الرئيس الأمريكى الى تأييد قرار سابقه، دونالد ترامب،معلنا ان عملية الانسحاب الأمريكى ستتم فى أسرع وقت، محددا تاريخ 31 أغسطس الحالى، موعدا نهائيا لانسحاب آخر القوات الأمريكية. سوف يحدث الانسحاب الأمريكى فراغا سياسيا…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

بعد عقدين من الحرب، لم تحقق الولايات المتحدة، فى أفغانستان، سوى مكاسب ضئيلة تتمثل فى تخلصها من القيادات المركزية لحركة طالبان وتفكيك معسكرات القاعدة، بينما تكبدت خسائر كبيرة بعدما وصلت تكلفة الحرب الى ما يقرب من تريليون دولار، بالإضافة الى مقتل مايزيد على 2300 جندى امريكى وجرح اكثر من 20 ألفا آخرين. وفق هذه المعطيات، ترسخ لدى أمريكا قناعة عدم جدوى الوجود فى الأراضى الأفغانية، ما دفع الرئيس الأمريكى الى تأييد قرار سابقه، دونالد ترامب،معلنا ان عملية الانسحاب الأمريكى ستتم فى أسرع وقت، محددا تاريخ 31 أغسطس الحالى، موعدا نهائيا لانسحاب آخر القوات الأمريكية.

سوف يحدث الانسحاب الأمريكى فراغا سياسيا وامنيا وعسكريا كبيرا، بسبب فشل الولايات المتحدة فى إرساء نظام ديمقراطى فى أفغانستان، فلم يكتمل الانسحاب بعد، وبوادر تداعياته بدأت فى الظهور.مع ضعف قدرة الجيش الافغانى على تحقيق الامن وتصاعد حدة العنف، استطاعت طالبان السيطرة على بعض المدن الأفغانية، واستطاعت، خلال الشهرين الأخيرين، السيطرة على مساحات من الأراضى تتجاوز الأراضى التى كانت تسيطر عليها فى قمة قوتها قبل 2001. وشنت هجوما واسعا على 5 عواصم إقليمية منها لشكر قاه، قندهار، هرات، مما أدى الى نزوح الآلاف من المدنيين.

فى تكرار لسيناريو الانسحاب الأمريكى من فيتنام، سوف يجد الأفغان، الذين اعتقدوا انهم من الممكن ان يثقوا فى أمريكا،انفسهم فى مواجهة مباشرة مع طالبان. ففى عام 1975، انسحبت أمريكا، بعد 10 سنوات من الحرب، من فيتنام تاركة الملايين من الفيتناميين الجنوبيين فى مواجهة الفيتناميين الشماليين. وأدى ذلك إلى إعادة توطين نحو 1.6 مليون فيتنامى جنوبى، إما كلاجئين، أو بموجب برنامج المغادرة المنظم الذى كان يسمح بهجرة الفيتناميين إلى الولايات المتحدة ودول أخري. ومن المتوقع ان يواجه الأفغان نفس المصير، لكن هل سيجدون دولا تستقبل الفارين واللاجئين منهم؟ يبدو الامر صعبا للغاية.

بعد الانسحاب الأمريكى ومع توقع استيلاء طالبان السريع على السلطة، يبدو ان أفغانستان مقبلة على حرب أهلية طويلة الأمد، لكن هل ستقود هذه الحرب لتصبح افغانستان، مرة أخرى، مركزا للجماعات الإرهابية وقبلة للإرهابيين؟ طالبان لم تغير شيئا من أيديولوجيتها القتالية فى المناطق الواقعة تحت حكمها، ولا تزال الأقليات العرقية والدينية مضطهدة فى البلاد. وبعد سيطرتها على الأرض لاشك انها ستستخدم وسائل مختلفة لإرهاب الناس وإخضاعهم.ومع استمرار توسعها ربما ستتحالف مع جماعات إسلامية من دول المنطقة، وهذا ما يخلق تخوفا لدى قوى إقليمية خاصة روسيا والصين والهند وباكستان وإيران. وستتخذ هذه القوى، تحديدا روسيا والصين، خطوات للوقوف فى وجه طالبان، ليس بالضرورة من خلال التدخل العسكرى وانما أيضا دبلوماسيا، ولكل دولة دوافعها فى ذلك.

بالنسبة لروسيا، لديها تخوف من تحالف طالبان مع الجماعات الإسلامية فى الشيشان وتسللها لجمهوريات الاتحاد السوفيتي. وقد حذرت موسكو من تجاوز طالبان للحدود من خلال توسعاتها السريعة فى الأراضى الأفغانية، مما جعلها على تماس مباشر مع المصالح الروسية، بعد سيطرة الحركة على مناطق قرب الحدود بين أفغانستان وجمهوريات الاتحاد السوفيتى السابقة. وكنوع من التفاوض بين الجانبين، صرح المتحدث باسم المكتب السياسى لطالبان، بأن هذه الأخيرة تناقش مع الجانب الروسى قضية رفع العقوبات عن الحركة، مقابل تعهدها بعدم التحول لشن قاعدة هجوم على دول حليفة او حدودية مع روسيا. ولأنه لا يمكن الوثوق فى تعهدات طالبان فى ظل تقدمها على حدود طاجيكستان، فقد أعلن الرئيس الروسى ان بلاده التى تدير واحدة من اكبر قواعدها العسكرية فى الخارج (طاجيكستان) ستساعد فى استقرار الحدود مع أفغانستان، سواء بشكل مباشر او من خلال تكتل امنى إقليمي. بالنسبة للصين، فلها تخوفات أيضا من تحالف محتمل بين طالبان والحركات الإسلامية من منطقة الايجور ذاتية الحكم، والتى تطالب بعض المنظمات فيها بالانفصال عن الصين. كما يشكل ممر واخان على الحدود الأفغانية الصينية تهديدا حقيقيا بعد سيطرة طالبان على مقاطعة بدخشان الشمالية الشرقية واقترابها من الحدود مع شينجيانغ الصينية. وتفضل الصين التفاوض مع طالبان واعتماد سياسة الاحتواء والتعاون للحد من التوتر على الحدود الصينية الأفغانية.

عواقب الانسحاب الأمريكى وخيمة، ولا خيار الا بالضغط أمميا والتحالف استخباراتيا من أجل منع طالبان من مد نفوذها ومخاطرها.

نقلا عن جريدة الأهرام، ١٢ أغسطس ٢٠٢١.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب