وحدة الدراسات الأمريكية

حسابات أمريكية: أهداف الانسحاب من أفغانستان وتداعياته على الخصوم والحلفاء

في مشهد مثّل مأساة وصدمة في آن واحد سقطت الدولة الأفغانية في يد حركة طالبان، إذ فر الرئيس الأفغاني “أشرف غني” خارج البلاد، واستولت طالبان على مقاليد الحكم ومفاصل الدولة الأفغانية، وهو ما استتبعه صور مؤلمة لمواطنين أفغان يهرولون بمطار كابل في محاولات مستميتة للحاق بأي طائرة على وشك المغادرة؛ ما اعتبرته أغلب التحليلات دليلًا واضحًا للتأكيد على فشل سياسة واشنطن تجاه أفغانستان وخلل حساباتها في التعامل معها. وفي المقابل، أكد الرئيس “جو بايدن” في خطاب وطني بشأن موقف إدارته من الأحداث الأخيرة في أفغانستان، أنه اتخذ القرار “الصحيح لأمريكا” بالانسحاب من هناك، مؤكدًا أنه “ليس نادمًا” على القرار. الأمر…

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية

في مشهد مثّل مأساة وصدمة في آن واحد سقطت الدولة الأفغانية في يد حركة طالبان، إذ فر الرئيس الأفغاني “أشرف غني” خارج البلاد، واستولت طالبان على مقاليد الحكم ومفاصل الدولة الأفغانية، وهو ما استتبعه صور مؤلمة لمواطنين أفغان يهرولون بمطار كابل في محاولات مستميتة للحاق بأي طائرة على وشك المغادرة؛ ما اعتبرته أغلب التحليلات دليلًا واضحًا للتأكيد على فشل سياسة واشنطن تجاه أفغانستان وخلل حساباتها في التعامل معها. وفي المقابل، أكد الرئيس “جو بايدن” في خطاب وطني بشأن موقف إدارته من الأحداث الأخيرة في أفغانستان، أنه اتخذ القرار “الصحيح لأمريكا” بالانسحاب من هناك، مؤكدًا أنه “ليس نادمًا” على القرار. الأمر الذي يُثير التساؤل بشأن المعادلة التي حكمت الانسحاب الأمريكي من أفغانستان ومدى نجاعة الحسابات التي قامت عليها. 

تبعات خطيرة

تعتبر أغلب التحليلات الجارية أن حسابات واشنطن في التعامل مع المسألة الأفغانية قد فشلت، مستندين إلى حالة الفوضى التي ضربت الساحة الأفغانية، ونجم عنها سيطرة حركة طالبان على الحكم. خلال فترة حكمه تفاوض الرئيس “دونالد ترامب” على صفقة “عقيمة” مع حركة طالبان، وبعد وصول الرئيس “بايدن” أصر على الانسحاب غير المشروط، أي دون وجود ضمانات تفرض التزامات على طالبان. 

بعد عشرين عامًا من التواجد الأمريكي في أفغانستان، لم تنجح واشنطن في معالجة المؤسسات الأفغانية الهشة، كما لم تنجح أيضًا في بناء مؤسسات أمن ودفاع أفغانية احترافية؛ ناهيك عن قرار الانسحاب العشوائي الذي سحب البساط من تحت القوات الأفغانية، التي اعتمدت بشكل حيوي على المخابرات الأمريكية والدعم الجوي الأمريكي. علاوة على ذلك، لم تشرع واشنطن -قبيل المغادرة- في تنفيذ عملية سياسية حقيقية على الأرض، كما لم تضع برنامج عمل انتقاليًا لتطبيقه في أعقاب الانسحاب. 

وفي خضم هذه التشابكات، يبدو أن الحسابات الأمريكية المرتبطة بقرار الانسحاب من أفغانستان قد ينجم عنها عدد من المضاعفات الشديدة التي لن تتوقف آثارها عند حدود أفغانستان، وإنما ستلقي بظلالها على الساحتين الإقليمية والدولية؛ يأتي في مقدمتها:

فصل إرهابي جديد: على الرغم من أن التواجد الأمريكي في أفغانستان جاء في إطار ما يُعرف بــ”الحرب على الإرهاب” باعتباره هدفًا مركزيًا للسياسة الخارجية الأمريكية، إلا أنه من النتائج المباشرة المرجحة للانسحاب أن ينشط الإرهابيون الذين يقطنون مناطق متفرقة من العالم، ويرون في أفغانستان ساحة مناسبة لهم من أجل التلقين والتدريب. علاوة على ذلك، فإن نجاح طالبان في الحصول على اعتراف دولي، يزيد من فرص تحولها لنموذج “إسلامي” ملهم جديد في عيون المتطرفين يدفعهم لتكثيف تحركاتهم لإقامة إمارات إسلامية مماثلة. 

تدمير النموذج: يتضح أن المشهد العشوائي الذي ضرب الساحة الأفغانية بكل تفاصيله الدراماتيكية، يقوض بدرجة كبيرة صورة النموذج الأمريكي بشكل عام وتأكيدات إدارة “بايدن” – بشكل خاص – حول حقوق الإنسان والديمقراطية وحقوق المرأة؛ إذ بدا أن واشنطن قد سلمت أفغانستان لجماعة لا تبدي أي احترام لهذه الأمور ولا تحترم عقليتها هذه القيم. 

التخلي عن الحلفاء: يُظهر الانسحاب الأمريكي -للحلفاء والشركاء الإقليميين الآخرين- أن واشنطن شريك غير موثوق به، وأنها قد تتخلى في أي لحظة عن أي حليف حتى وإن نجم عن ذلك إلحاق ضرر ضخم به. فعلى الرغم من التأكيدات المتكررة للرئيس “بايدن” –في أكثر من مناسبة- على استمرار الدعم الأمريكي لأفغانستان، إلا أن مشاهد سيطرة طالبان على مفاصل الدولة الأفغانية تحمل كل معاني التخلي الكامل.

صورة واشنطن: إن ادّعاء “بايدن” المتكرر بشأن عودة أمريكا كقائدة للعالم الحر تبدو جوفاء أمام مشاهد اليأس والرعب والهلع التي عمت الساحة الأفغانية. وتقوض الكارثة التي أحلت بكابول الأساس المركزي لسياسة “بايدن” الخارجية، وهو أن واشنطن ستدافع عن القيم والحلفاء. بعبارة أوضح، سيقوض الانسحاب الأمريكي من أفغانستان الأساس القيمي الذي تقوم عليه سياسة “بايدن” بشكل خاص، وتقوم عليه صورة واشنطن بشكل عام. 

موجة الفوضى: تتجه أغلب التكهنات إلى التأكيد على أن حالة السيولة والفوضى التي ستعايشها الساحة الأفغانية جراء الانسحاب الأمريكي ستساهم في اتساع نطاق الأعمال غير المشروعة كتجارة السلاح والمخدرات، كما سيدفع باتجاه أزمات إنسانية أكثر تعقيدًا تتعلق باللاجئين والمهاجرين وعمليات الاتجار بالبشر وغيرها. ومن المرجح أن تأثيرات هذه الأمور لن تتوقف عند حدود أفغانستان ودول جوارها وإنما قد تنتقل مجددًا إلى العالم الغربي. 

تهديد مصير الصفقة النووية: على الرغم من كون الوصول لصفقة نووية مع طهران يقع ضمن أولويات سياسة “بايدن” الخارجية، إلا أن الانسحاب الأمريكي قد يعطي انطباعًا لإيران مؤداه أن استمرارها في التعنت والضغط قد يدفع باتجاه انتصار مماثل لانتصار طالبان، ما يحفزها على رفع الوتيرة – مع حلفائها ووكلائها – في العراق وسوريا، وربما أيضًا في اليمن ولبنان أملًا في تحقيق نصر ضخم.

أهداف يصعب تجاهلها

على الرغم مما يبدو كفشل للحسابات الأمريكية في قراءة وتفكيك المشهد الأفغاني بطريقة تحقق المصالح الأمريكية، إلا أنه من الصعب الجزم بأن واشنطن قد فشلت في استيعاب الدروس المستفادة من حرب السوفيت في أفغانستان، وأيضًا فشلت في فهم واستيعاب المسألة الأفغانية على مدار 20 عامًا. وارتباطًا بذلك، وعبر إلقاء نظرة أكثر بانورامية، يتضح أن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، حتى وإن تم وفق صيغة عشوائية، قد يساهم في تحقيق بعض الأهداف الأمريكية؛ أبرزها: 

أولوية قضايا الداخل: تشهد الولايات المتحدة أوضاعًا داخلية شديدة التعقيد، سيما مع التفشي الواسع لجائحة كورونا، وما ارتبط بها من تداعيات اقتصادية هائلة ألقت بظلالها على الشعب الأمريكي، وفرضت على الإدارة الأمريكية أعباء إضافية، مما يعني أن الموارد الأمريكية باتت في حاجة ملحة إلى إعادة التخصيص. بعبارة أوضح، لم يعد من المنطق أن تستنزف واشنطن مواردها في الخارج مع ترك قضايا الداخل بلا تعاطٍ عملي وحقيقي.

إرضاء الشارع الأمريكي: بعد مرور ما يقرب من 20 عامًا على الغزو الأمريكي لأفغانستان وما صاحبه من تكلفة مالية وبشرية، يبدو أن الشارع الأمريكي لم يعد مقتنعًا بأهمية استمرار الوجود الأمريكي في الخارج، ما يعني أن الشارع الأمريكي سئم الاستماع إلى مبررات الإدارات المتعاقبة بشأن الاستمرار في المستنقع الأفغاني. وعليه، يتضح أن إدارة “بايدن” تدرك ضرورة التعاطي مع قضية ترضي الشارع الأمريكي، لاستيعاب حالة السخط التي تضرب الداخل الأمريكي بفعل المشكلات المتعددة المتداخلة والمركبة.

أهمية الدور الأمريكي: على الرغم من أن هشاشة وضعف الدولة الأفغانية يعني في جزء كبير منه فشل الحملة العسكرية الأمريكية في أفغانستان، إلا أن أي تبعات سلبية ستظهر في أعقاب الانسحاب سترسل رسالة مفادها أن واشنطن حرصت لأعوام على دفع الفاتورة نيابة عن العالم من أجل التصدي للإرهاب، وكذا حماية الدولة الأفغانية من الانهيار، الأمر الذي قد يعني ظهور دعوات أكثر زخمًا لدور أمريكي أكثر فاعلية وتدخل حال تدهورت الأوضاع نحو مزيد من العنف والاضطراب.

إنهاك الخصوم: قد يكون من بين الدوافع التي شجعت واشنطن على الانسحاب هو دفع خصومها، لا سيما الصين وروسيا، لتحمل تكلفة التداعيات السلبية المتوقعة من الانسحاب، سيما اندلاع موجات المهاجرين واتساع نطاق التهديدات الإرهابية وتزايد الاضطرابات السياسية. كما قد يمثل الانسحاب سبيلًا بديلًا لسياسة واشنطن تجاه الصين، قائمًا على تعزيز التهديدات التي تُشتت مسار الصعود الصيني وتُعرقل التحركات التي تضمن لها دورًا عالميًا أوسع (مبادرة الحزام والطريق). إلا أن الاعتماد على هذه الآلية يحمل قدرًا ضخمًا من المخاطرة انطلاقًا من أن قدرة هؤلاء الخصوم على التعاطي الفعال مع الساحة الأفغانية في أعقاب الانسحاب يعني الإضرار بمصالح واشنطن وانحسار دورها لصالحهما.

تقديم محاكاة مخيفة: على الرغم مما بدا كمشهد عشوائي غير مدروس تغلفه الملامح الدرامية، إلا أنه من الممكن أن تكون واشنطن قد سعت إلى تقديمه كنموذج محاكاة مخيف حول شكل العالم بدون الولايات المتحدة، وبالأخص مع تزايد الرؤى التي تتحدث عن “أفول أمريكي” وصعود صيني. أي إن حالة الرعب والهلع والاستنجاد بالطائرات الأمريكية يمكن أن يعطي رسالة مفادها أن واشنطن هى الضامن للأمان والاستقرار.

مناهضة القرن الآسيوي: اتجهت أغلب التحليلات إلى اعتبار القرن الحادي والعشرين قرنًا آسيويًا، مثلما كان القرن العشرون أمريكيًّا، والقرن التاسع عشر أوروبيًّا. ويُشير “القرن الآسيوي” إلى الدور المهيمن الذي من المتوقع أن تلعبه آسيا في الساحة العالمية بسبب اقتصادها المزدهر والاتجاهات الديموغرافية. وعليه، قد يساهم الانسحاب من أفغانستان في تراجع التركيز على المجالات التنموية والتكنولوجية لصالح الاتجاه نحو مزيد من “العسكرة” بالقارة الآسيوية بسبب تزايد التهديدات والعنف والاضطرابات بطريقة تناهض الصعود الآسيوي وتقيد مجالات تحركه واتساعه، مما قد يساعد على استمرار الولايات المتحدة على رأس النظام الدولي. 

كروت للضغط على أوروبا: على الرغم من مساعي إدارة “بايدن” لترميم العلاقات عبر الأطلسي التي تضررت بشدة خلال فترة حكم “ترامب”، إلا أن سعي واشنطن لرأب الصدع عبر الأطلسي لا يخلو من وجود رغبة أمريكية في استمرار امتلاك كروت ضغط على الحلفاء لتقديم تأكيد إضافي على أهمية الدور الأمريكي بالنسبة للأوروبيين. إذ من المرجح أن تتضرر أوروبا من قرار الانسحاب جراء اتساع موجات اللاجئين والمهاجرين من جانب، وتسلل الإرهابيين من جانب آخر. 
وفي الأخير، يتضح أن مشهد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بما يحمله من ملامح اضطراب وعشوائية يحمل معادلة مزدوجة ما بين تبعات مركبة ستحمل آثارًا خطيرة لن تتوقف عند حدود أفغانستان فحسب، بل ستلقي بظلالها على الساحتين الإقليمية والدولية، ومن جانب آخر يبدو أن الانسحاب قد يحقق بعض أهداف واشنطن التي قد تضمن لها البقاء في صدارة الساحة الدولية. وعليه، قد تظهر أفغانستان –في أعقاب الانسحاب- كساحة جديدة لقياس مدى قوة ونفوذ الفاعلين الدوليين والإقليميين بطريقة تؤكد أنها ستواجه موجات متتالية من التدخل سواء المباشر أو عبر وكلاء.

مها علام
باحث بوحدة الدراسات الأمريكية