وحدة الدراسات الاقتصادية

توجّه مستقبلي: التأجير التمويلي في مصر

يُعد التأجير التمويلي أحد مصادر التمويل الهامة كونه يساهم في تطوير الأصول الإنتاجية للأفراد وتمكين المنشآت اقتصاديًا من رفع قدرتها الإنتاجية لمواكبة التطور والتوسع المستقبلي. حيث يعد وسيلة تمويل تتم بموجب اتفاق تعاقدي بين المؤجر والمستأجر؛ بما يسمح للمؤجر بالانتفاع بالأصل المملوك للمستأجر مقابل دفعات دورية لمدة زمنية محددة، وعلى أن تنتقل ملكية الأصل المؤجر في نهاية فترة العقد إلى المستأجر تلقائيًا أو مقابل مبلغ متفق عليه مع إمكانية شراء الأصل المؤجر خلال فترة العقد. يسهم نشاط التأجير التمويلي في إتاحة التمويل متوسط وطويل الأجل للمشروعات، وبصفة خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، كما أنه يمكن أن يسهم في تنشيط قطاعات عديدة…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

يُعد التأجير التمويلي أحد مصادر التمويل الهامة كونه يساهم في تطوير الأصول الإنتاجية للأفراد وتمكين المنشآت اقتصاديًا من رفع قدرتها الإنتاجية لمواكبة التطور والتوسع المستقبلي. حيث يعد وسيلة تمويل تتم بموجب اتفاق تعاقدي بين المؤجر والمستأجر؛ بما يسمح للمؤجر بالانتفاع بالأصل المملوك للمستأجر مقابل دفعات دورية لمدة زمنية محددة، وعلى أن تنتقل ملكية الأصل المؤجر في نهاية فترة العقد إلى المستأجر تلقائيًا أو مقابل مبلغ متفق عليه مع إمكانية شراء الأصل المؤجر خلال فترة العقد.

يسهم نشاط التأجير التمويلي في إتاحة التمويل متوسط وطويل الأجل للمشروعات، وبصفة خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة، كما أنه يمكن أن يسهم في تنشيط قطاعات عديدة مثل العقارات والآلات والمعدات وتوفير الوحدات السكنية للمواطنين.

وتجدر الإشارة إلى وجود نوعين من التأجير التمويلي، هما:

النوع الأول: التأجير التشغيلي Lease Operating؛ وهو عبارة عن عقد تجاري قصير الأجل، ويتميز هذا النوع من التأجير عن غيره ببعض الخصائص من أبرزها: أنه لا يسمح باستهلاك رأس المال المستثمر من قبل المؤجر لأن مدة التعاقد لاتغطي إلا جزءًا محدودًا من العمر الاقتصادي للأصل، فضلًا عن أن المؤجر يقدم بعض الخدمات الخاصة كالصيانة، كما يتحمل مخاطر التقادم، ونفقات التأمين على الأصل.

النوع الثاني: التأجير التمويلي المباشر Lease Financing Direct، وهو عبارة عن علاقة تعاقدية طويلة الأجل بين المؤجر والمستأجر غير قابلة للإلغاء Cancelable-Non، يتم بموجبها تمويل استعمال الأصل، والانتفاع به، خلال كامل العمر الإنتاجي للأصل أو معظمه، مقابل قيمة إيجاريه محددة، كما يمكن للمستأجر احتفاظه بملكية الأصل حتى نهاية العقد، وامتلاك المستأجر خيار شراء الأصل عند نهاية مدة التعاقد، أو إعادته للمؤجر، أو تجديد عقده بشروط أفضل.

التأجير التمويلي في مصر

ينظم قانون رقم 176 لسنة 2018 الخاص نشاطَيِ التأجير التمويلي والتخصيم، كما تمثل الهيئة العامة للرقابة المالية المنظم والمراقب لأنشطة التأجير التمويلي في مصر.

وفيما يخص تطور نشاط التأجير التمويلي، فقد شهدت قيمة عقود التأجير التمويلي خلال عام 2020 ما يقرب من 59 مليار جنيه مقارنة بحوالي 56 مليار جنيه في 2019، بزيادة قدرها 5%، وقد شهدت الفترة أكتوبر – ديسمبر عام 2020 ارتفاعًا في هذا النشاط من حيث قيمة العقود مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019، حيث ارتفعت قيمة العقود بمعدل ارتفاع 21.8% بينما ارتفع عدد العقود من 783 عقدًا إلى 803 عقدًا وبمعدل ارتفاع بلغ 2.6%، وهذا ما يوضحه الشكل التالي.

شكل: تطور قيمة وعدد عقود التأجير التمويلي خلال الفترة (2017-2020) – القيمة بالمليار جنيه

المصدر: الهيئة العامة للرقابة المالية، تقرير الأداء للأنشطة المالية غير المصرفية عن الربع الرابع (أكتوبر – ديسمبر 2020).

وفيما يخصّ أنشطة التأجير التمويلي في مصر، فقد شهدت الفترة أكتوبر – ديسمبر 2020 استحواذ نشاط العقارات والأراضي على النصيب الأكبر من عقود التأجير التمويلي بقيمة بلغت نحو 15.7 مليار جنيه، وبنسبة 7.84% من إجمالي قيمة العقود بسبب كبر حجم هذا القطاع مقارنة بباقي القطاعات الأخرى.

شكل: أنشطة التأجير التمويلي في مصر، خلال الربع الرابع لعام 2020 (القيمة بالمليون جنيه)

المصدر: الهيئة العامة للرقابة المالية، تقرير الأداء للأنشطة المالية غير المصرفية عن الربع الرابع (أكتوبر – ديسمبر 2020).

احتلّت صدارة قائمة شركات التأجير التمويلي في مصر بنهاية الربع الرابع من عام 2020 شركة كوربليس للتأجير التمويلي، وذلك باستحواذها على حصة سوقية بلغت 19%، تليها شركة شركة جي بي للتأجير التمويلي في المركز الثاني بنسبة 15.22%، لتأتي في الترتيب الثالث شركة بي إم للتأجير التمويلي بنسبة 15.06%. وهذا ما يوضحه الشكل التالي.

شكل: الحصص السوقية لشركات التأجير التمويلي (أكتوبر – ديسمبر 2020) (%)

المصدر: الهيئة العامة للرقابة المالية، تقرير الأداء للأنشطة المالية غير المصرفية عن الربع الرابع (أكتوبر – ديسمبر 2020).

التجارب الدولية المتميزة في مجال التأجير التمويلي

تُعد الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الرائدة في مجال عمليات التأجير التمويلي في العصر الحديث، فقد تأسست فيها أول شركة تأجير تمويلي عام 1950، ثم بدأت الفكرة في الانتشار لتضم دول العالم كافة.

فعلى الصعيد العالمي، شهدت معدلات التأجير التمويلي نموًا بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 10% بين عامي 1983 و2000، ثم بلغت معدلات النمو السنوية نحو 5.04٪ بين عامي 2000 و2014. كما ارتفعت أحجام التأجير التمويلي من 93.5 مليار دولار أمريكي في عام 1983 إلى 944.3 مليار دولار أمريكي بنهاية عام 2014. وتُعد أستراليا وكندا والمملكة المتحدة الأفضل من حيث معدلات الاختراق لمعدلات التأجير التمويلي 40٪، 31٪. و28.6٪ على التوالي. وفيما يلي أبرز التجارب الدولية في مجال التأجير التمويلي:

  • كينيا: تعزيز التنمية الريفية الخاصة من خلال تسهيل التأجير التمويلي لاقتناء أنظمة الطاقة القائمة على الطاقة الشمسية أو الأنظمة الكهروضوئية المنزلية للشركات الصغيرة والمتناهية الصغر. وقد تمكنت تلك الشركات من بيع حوالي 60،000 وحدة منذ عام 1987.
  • مدغشقر: دعم التأجير التمويلي لمساعدة المزارعين في مدغشقر على الحصول على رأسمال لتأجير المعدات الزراعية وتمويل تأجير الأصول اللازمة للإنتاج الزراعي في ريف مدغشقر، وذلك من خلال إحدى الجمعيات الأهلية التي تضم أكثر من 25000 عضو.
  • بنجلاديش: تجربة بنك غرامين، بدأ برنامج التأجير لبنك جرامين في عام 1992، ويعمل الآن في جميع مناطق بنجلاديش. ويتيح للعملاء المساعدة في بناء الأصول الرأسمالية، وزيادة إنتاجية مؤسساتهم. والحد الأقصى لمدة القرض ثلاث سنوات، ويجب على العميل سداد مدفوعات أسبوعية مرتبطة بدورة الحصاد.

تطبيق التأجير التمويلي في السكك الحديدية

تُعد منظومة السكك الحديدية أحد أهم المشروعات الاستراتيجية للدول، لذا ظلت مشروعاتها التزامًا على عاتق الحكومات في إطار سياساتها العامة، منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى منتصف السبعينيات من القرن العشرين؛ إلا أنها تعرضت لما يشبه الانهيار خلال الثمانينيات من القرن العشرين في معظم دول العالم، لذا لجأت الدول إلى تطبيق نوعين من عقود التأجير في قطاع النقل بالسكك الحديدية، لرفع كفاءة تشغيل تلك المنظومة، وتحسين استثمار مشروعاتها بالشكل الأمثل، هما:

  • الأول: التأجير للقطاع الخاص؛ إذْ يقوم المستأجر المتعاقد مع الحكومة بدفع أجر لقاء استعماله الأصول المستأجرة، في مقابل تحمل كافة تكاليف التشغيل والصيانة والتأمين، إلى جانب مسئوليته بالإدارة والموظفين، دون ملكيته للأصل، مع بقاء الحكومة مسئولة عن الاستثمارات الثابتة، فضلًا عن مسئولية الإشراف والرقابة. ولكن يؤخذ على هذا النظام أن المستأجر لا يملك أيه حوافز لرفع قيمة الأصول الرأسمالية.

ومن الأمثلة التي حققت نجاحًا باهرًا وفق هذا الترتيب؛ السكك الحديدية الوطنية التايلاندية في عام 1985، وقد ساهمت في تحسين جودة الخدمة، ورفع كفاءتها، بحيث أصبحت قادرة على جذب مستخدمي الطرق البرية للمسافات الطويلة، وتحقيق أرباح معقولة.

وكذلك قيام كل من الشركات الآتية: أمتراك الأمريكية وكندا 1996، وسكك حديد اليابان (لشحن البضائع 1989)، بتأجير خطوطها لمشغلين من القطاع الخاص مقابل أجر، وقد أسهمت هذه العقود في تعزيز المكانة المالية لشركات السكك الحديدية، وزيادة إيراداتها التشغيلية، وتحسين جودة خدماتها.

  • الثاني: التأجير من القطاع الخاص؛ إذ تقوم شركات القطاع الخاص بتصنيع أو شراء الأصول الرأسمالية مثل: القاطرات، عربات الركاب، شاحنات البضائع، قطع الغيار للصيانة، والتجهيزات المتخصصة الأخرى اللازمة لتسهيل عمليات التشغيل، ومن ثم تقوم بتأجيرها أو بيعها لشركات النقل بالسكك الحديدية.

ففي الولايات المتحدة الأمريكية نجد شركتي بيرلنكتون نورثرن Burlington Northern، وسانتا في Co. Railroad Fe Santa، على سبيل المثال؛ تقومان بتأجير الوحدات المتحركة وقطع الغيار، والقيام بعمليات الصيانة، داخل البلاد وفي خارجها.

مما سبق يتضح أهمية التأجير التمويلي كتوجه مستقبلي لرفع كفاءة منظومة المشروعات الاستراتيجية الكبرى على مستوى الدول، كما يساهم في رفع وتنمية المشروعات والشركات الصغيرة والمتوسطة، والتمكين الاقتصادي للأفراد على جانب آخر.

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية