وحدة الدراسات الاقتصادية

الاقتصاد السوداني بين برنامج الإصلاح وديون نادي باريس

صرح رئيس نادي باريس، إيمانويل مولين، بأن ناديه للدائنين الرسميين وافق على إلغاء 14 مليار دولار مستحقة على السودان، وإعادة هيكلة باقي المبلغ الذي يزيد على 23 مليار دولار، وذلك في منتصف شهر يوليو 2021. وفي حديثه بعد التوصل إلى الاتفاق، حث “مولين” الدائنين الآخرين من القطاعين العام والخاص للسودان على إعفاء البلاد من الديون بنفس الشروط. حيث أصبح السودان مؤهلًا للإغاثة بعد أن قبله صندوق النقد الدولي بالشهر السابق للتصريحات، أي في يونيو 2021، في مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC) على أساس الالتزام بإصلاحات الاقتصاد الكلي. وطبقًا لقرار نادي باريس الأخير، فإن الاتفاقية المعلنة تقضي بإلغاء ديون سودانية…

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

صرح رئيس نادي باريس، إيمانويل مولين، بأن ناديه للدائنين الرسميين وافق على إلغاء 14 مليار دولار مستحقة على السودان، وإعادة هيكلة باقي المبلغ الذي يزيد على 23 مليار دولار، وذلك في منتصف شهر يوليو 2021. وفي حديثه بعد التوصل إلى الاتفاق، حث “مولين” الدائنين الآخرين من القطاعين العام والخاص للسودان على إعفاء البلاد من الديون بنفس الشروط. حيث أصبح السودان مؤهلًا للإغاثة بعد أن قبله صندوق النقد الدولي بالشهر السابق للتصريحات، أي في يونيو 2021، في مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC) على أساس الالتزام بإصلاحات الاقتصاد الكلي.

وطبقًا لقرار نادي باريس الأخير، فإن الاتفاقية المعلنة تقضي بإلغاء ديون سودانية تقدر بنحو 14.1 مليار دولار بالكامل. كما تعيد الاتفاقية تحديد كيفية دفع أكثر سهولة على الحكومة السودانية لنحو 9.4 مليارات دولار أخرى على فترات سماح طويلة بما يكفي، وذلك حتى لا يضطر السودان إلى سداد تلك المدفوعات قبل عام 2024.

ما هو نادي باريس؟

نادي باريس هو مجموعة من المسئولين من الدول الدائنة الرئيسية، ويتمثل دورهم في إيجاد حلول منسقة ومستدامة لصعوبات الدفع التي تواجهها البلدان المدينة. ومع قيام البلدان المدينة بإصلاحات لتحقيق الاستقرار واستعادة وضعها الاقتصادي الكلي والمالي، يقدم الدائنون في نادي باريس معاملة أكثر تعاونًا للديون. وفي هذا الإطار، يقدم دائنو نادي باريس معاملات الديون للبلدان المدينة في شكل إعادة الجدولة، عن طريق تخفيف الديون عن طريق إلغائها أو جزء منها أو تأجيل سدادها أو تخفيض التزامات خدمة الديون خلال فترة محددة أو اعتبارًا من تاريخ محدد.

وكان قد تم إنشاء نادي باريس تدريجيًا منذ عام 1956، عندما جرت المفاوضات الأولى بين الأرجنتين ودائنيها العموميين في باريس. ومنذ إنشائه وحتى الآن، وقع نادي باريس 433 اتفاقية مع 90 دولة مختلفة تغطي أكثر من 583 مليار دولار أمريكي. وتجتمع الدول الدائنة عشر مرات في السنة في باريس للمشاركة في جلسة النظرة العامة Tour d’Horizon وجلسات التفاوض، وذلك بهدف تسهيل عمليات نادي باريس. وتوفر الخزانة الفرنسية سكرتارية صغيرة، ويتم تعيين مسئول كبير من الخزانة الفرنسية رئيسًا.

توقيت إطلاق الاتفاقية وأسبابها

ينتج عن هذه الاتفاقية تأجيل العديد من الأعباء المادية وسط الأوضاع الاقتصادية الدقيقة للسودان منذ اندلاع الثورة السودانية في ديسمبر 2018 واستبدال النظام الحاكم والدخول في مرحلة تغيير سياسية واسعة داخل البلد، وهو ما أرجع إليه رئيس نادي باريس الأسباب، موضحًا أن هذا القرار يسعى لإبراز دعم ودور المجتمع الدولي في مساندة عملية التحول الديمقراطي في السودان. كما سيساعد السودان على إعادة التعامل مع المجتمع المالي الدولي، ومتابعة سياساته الإصلاحية ومحاربة الفقر.

كما أنّ ديون نادي باريس البالغة قبل الاتفاقية 23.5 مليار دولار، تشكل نسبة كبيرة من أصل الديون المتراكمة على السودان للدول والجهات الأجنبية بشكل عام. إذ تبلغ المتأخرات الإجمالية للديون والفوائد المتراكمة ما يتعدى 56 مليار دولار. ولم يتم دفع أكثر من 99% من هذه الديون منذ ثمانينيات القرن الماضي. وهو ما أدى لزيادتها تدريجيًا حتى أصبحت عبئًا ضخمًا على ميزانية الحكومة عامًا بعد عام. علمًا بأن الدائنين الرئيسيين للسودان في نادي باريس هم النمسا وفرنسا والولايات المتحدة.

وتُشير التقارير الرسمية لوزارة المالية السودانية إلى أن السودان يدين بمبلغ 20.3 مليار دولار أخرى لدول غير أعضاء في نادي باريس، بما في ذلك الكويت، أكبر دائن للسودان بقيمة 9.8 مليارات دولار، والمملكة العربية السعودية والصين. وكذلك تدين السودان للمقرضين التجاريين بما لا يقل عن 6.5 مليارات دولار أيضًا.

معاناة الاقتصاد السوداني ما قبل الثورة

عانى السودان من التدهور الاقتصادي وسوء الأحوال المعيشية للمواطن السوداني لعقود خلال القرن العشرين؛ إلا أنه في عام 2010 وصل ترتيب الاقتصاد السوداني إلى المركز السابع عشر من حيث الاقتصاديات الأسرع نموًا في العالم، وكان ذلك نتيجة للتطور السريع إلى حد كبير في أرباح النفط حتى رغم مواجهة العديد من العقوبات الدولية لأسباب سياسية آنذاك.

إلا أن هذا التطور تضرر لعدة أسباب، منها: سوء التخطيط، وزيادة عناصر الفساد التي أدت إلى ثورة الشعب لاحقًا. فوفقًا لمؤشر مدركات الفساد، تم اعتبار السودان خلال العقد الثاني من الألفية الجديدة من أكثر الدول فسادًا في العالم. كذلك وفقًا لمؤشر الجوع العالمي لعام 2013، بلغت قيمة مؤشر GHI في السودان 27.0 مما يشير إلى أن البلاد كان لديها “حالة جوع مقلقة”. كما احتل السودان المرتبة 167 في التنمية البشرية وفقًا لمؤشر التنمية البشرية لعام 2015 (HDI). وفي عام 2014، كان 45٪ من السكان يعيشون على أقل من 3.20 دولارات أمريكية في اليوم، ارتفاعًا من 43٪ في عام 2009.

ثم أتى بعد ذلك انفصال جنوب السودان، ليسبب المزيد من الأوجاع للبلد، إذ احتوت دولة الجنوب على أكثر من 80% من حقول النفط السودانية. ومن ثم دخل السودان مرحلة من الركود التضخمي، وتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 3.4% في عام 2014، و3.1% في عام 2015، واستمرت أرقام النمو المتواضعة خلال تلك الفترة، بينما ظلّ التضخم مرتفعًا بنسبة 21.8٪ اعتبارًا من عام 2015. وانخفض الناتج المحلي الإجمالي للسودان من 64.459 مليار دولار أمريكي في عام 2015 إلى 34.523 مليار دولار أمريكي في عام 2018. وذلك نتيجة عدة عوامل منها انفصال جنوب السودان الذي تسبب في خسارة عائدات النفط التي شكلت أكثر من نصف عائدات الحكومة السودانية و95٪ من صادراتها. وقد أدى ذلك بالتبعية إلى انخفاض النمو الاقتصادي وتضخم في الأسعار.

رحلة الاقتصاد السوداني مع الإصلاحات

أصبحت أولوية الحكومة الانتقالية بعد الثورة السودانية هي إنقاذ الاقتصاد السوداني ومعالجة المشاكل السابقة، من أجل تحقيق طموحات الشعب السوداني. ومن ثم ركزت الحكومة، تحت قيادة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، على تحسين حياة مواطنيها. وكانت مجموعة البنك الدولي من بين أول من بدأت معهم الحكومة الحوار بهدف وضع خطط إصلاحية للاقتصاد. ومن ثم بدأت الحكومة في تصميم برنامج دعم الأسرة في السودان (SFSP)، الذي يسميه السودانيون ثمرات. ونجح البرنامج في حشد الشركاء المانحين للمساعدة في حماية الفئات الضعيفة من الآثار السلبية للإصلاحات، ووضع الأسس للنمو الاقتصادي. كما شملت الإصلاحات تحسين شفافية القطاع العام وتنفيذ برامج الحماية الاجتماعية.

ويهدف برنامج دعم الأسرة، البالغ قيمته 820 مليون دولار، إلى تقديم تحويلات نقدية إلى 80٪ من الأسر السودانية، أي ما يقرب من 32 مليون مواطن، للتخفيف من تأثير الصدمات الاقتصادية قصيرة الأجل. كما أنه سيوفر الوظائف ويساعد في رقمنة الاقتصاد. كما يوفر البرنامج أيضًا منحًا لمقاصة المتأخرات المسبقة لدعم الميزانية الحكومية. ويتم تمويل نصف المشروع الذي تبلغ قيمته 820 مليون دولار أمريكي من خلال 13 مانحًا ثنائيًا سخيًا، بينما يتم تمويل النصف الآخر من خلال منح تسوية المتأخرات المسبقة من المؤسسة الدولية للتنمية.

كما صادقت مجموعة البنك الدولي على مذكرة مشاركة قُطرية جديدة للسودان، في شهر أكتوبر 2020. وتهدف المذكرة إلى دعم جهود البلاد لإصلاح الاقتصاد وبناء عقد اجتماعي أكثر إنصافًا وتوفير مستقبل أفضل للشعب السوداني. كما تم إطلاق مشروع الاستجابة للطوارئ الخاص بمجابهة جائحة COVID-19 في السودان بمنحة قدرها 21.9 مليون دولار، شارك فيها الصندوق الاستئماني للاستعداد والاستجابة للطوارئ الصحية.

جهود تعاونية لخطوات مماثلة

تضع الحكومة الانتقالية السودانية أولوية واضحة لدفع تسوية لمتأخرات ديون البلاد، معتبرة إياها طريقًا موازيًا جنبًا إلى جنب لبرامج الإصلاح الاقتصادي. وهي خطوة إلى الأمام نحو التأهل لمبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون. كما تعتبر وسيلة للحد من عبء الدين الخارجي.

من هذا المنطلق، وبعد إتمام الاتفاقية مع نادي باريس، صرح وزير المالية جبريل إبراهيم بأن الحكومة السودانية ترى أن هذه بداية ناجحة في خطتها لتقليل الأعباء، موضحًا أن هناك سعيًا لتحقيق نتائج مماثلة أو أفضل مع الدول الدائنة خارج نادي باريس. فعلى سبيل المثال، فإن دول الكويت والمملكة السعودية والإمارات العربية المتحدة وجمهورية التشيك، جميعهم من غير أعضاء النادي؛ إلا أن هناك نية لتقديم تخفيضات لديون السودان لديهم بشروط مماثلة لتلك المتفق عليها مع نادي باريس، وهو ما أكده رئيس النادي في تصريح تابع.

ولا يزال مسار الإصلاح الاقتصادي السوداني طويلًا؛ إلا أن الحكومة الانتقالية أثبتت أنها مدركة لمدى أهميته من خلال الإجراءات العديدة التي تقوم بها في الوقت نفسه وسرعة بدء التنفيذ.

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة