دروس أفغانستان

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

فى الانسحاب الأمريكى المذل من أفغانستان، واستيلاء طالبان السلس على البلاد، دروس بليغة كثيرة، سألتقط بعضها فى هذا المقال. إلى هذا الحد يمكن للأمريكيين أن يخذلوك، وإلى هذا الحد يخاف الناس من حكم الإسلاميين. هذا هو العنوان المناسب لمشهد تزاحم الأفغان حتى الموت للحاق بالطائرات الأمريكية المغادرة لمطار كابول. تعامل بحذر مع وعود القوى الأجنبية الكبرى، فمصالحها لها الأولوية على وعودها. على الجانب الآخر فإنه مادام الثقافة والمجتمع فى أفغانستان يواصلان إنتاج طالبان وأشباهها، فكل العالم لن يمكنه إنقاذ هذا البلد المنكوب. مشكلات أفغانستان فى داخله، ولن يتم حلها سوى بمعرفة أهله، وتدخلات الخارج لا تزيد الأمور إلا تعقيدا. لا…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

فى الانسحاب الأمريكى المذل من أفغانستان، واستيلاء طالبان السلس على البلاد، دروس بليغة كثيرة، سألتقط بعضها فى هذا المقال.

إلى هذا الحد يمكن للأمريكيين أن يخذلوك، وإلى هذا الحد يخاف الناس من حكم الإسلاميين. هذا هو العنوان المناسب لمشهد تزاحم الأفغان حتى الموت للحاق بالطائرات الأمريكية المغادرة لمطار كابول. تعامل بحذر مع وعود القوى الأجنبية الكبرى، فمصالحها لها الأولوية على وعودها. على الجانب الآخر فإنه مادام الثقافة والمجتمع فى أفغانستان يواصلان إنتاج طالبان وأشباهها، فكل العالم لن يمكنه إنقاذ هذا البلد المنكوب. مشكلات أفغانستان فى داخله، ولن يتم حلها سوى بمعرفة أهله، وتدخلات الخارج لا تزيد الأمور إلا تعقيدا.

لا الولايات المتحدة، ولا أى قوة كبرى أخرى، لديها من القدرة والحكمة ما يحميها من الوقوع فى الخطأ؛ ومن يخطئ فالخسارة هى مصيره. خسر السوفيت فى أفغانستان، والأمريكيون لحقوا بهم هناك. لا يوجد فى واشنطن أجهزة حكم سرية أو علنية كلية المعرفة والقدرة، فقط يوجد بشر يتعلمون ويبذلون أقصى ما يمكنهم لاتخاذ القرار السليم، لكن كل هذا لا يكون كافيا فى مرات كثيرة، وفيتنام وهجمات الحادى عشر من سبتمبر وأفغانستان تشهد على ذلك.

الديمقراطية ليست ضمانة لتجنب الوقوع فى الأخطاء الكبري. عشرون عاما، وأربعة رؤساء منتخبين ديمقراطيا لم يكونوا كافين لا لتنفيذ المهمة فى أفغانستان بكفاءة، ولا لإخراج مشهد الانسحاب بطريقة أقل إذلالا. الديمقراطية ليست دائما أكثر كفاءة فى ترتيب الأولويات واتخاذ القرارات. ربما كان الأفضل للولايات المتحدة الاكتفاء بضرب مواقع القاعدة وحكومة طالبان من الجو ردا على هجمات الحادى عشر من سبتمبر، وتكرار ذلك فى كل مرة يتخطى فيها الإرهابيون الحدود، بدلا من إرسال عشرات الآلاف من الجنود إلى أفغانستان. لكن للسياسة الديمقراطية ضغوطها، وامتناع الرئيس عن إرسال القوات إلى أفغانستان سيجعل منه صيدا سهلا لمنافسين يتهمونه بالضعف، سعيا لهزيمته فى الانتخابات التالية.السياسة الديمقراطية، فى مرات كثيرة، هى مجال خصب للمزايدات، أكثر منها بيئة ملائمة لاتخاذ القرار السليم، فالفوز بالانتخابات التالية هو عادة أكثر أهمية من مقتضيات المصالح الاستراتيجية بعيدة المدي.

لا يوجد هناك خطط أوأغراض سرية وراء الانسحاب الأمريكى المهين، فالأمريكيون فشلوا فشلا ذريعا، هذا هو الأمر ببساطة، ولا داعى لضرب الأخماس والأسداس. التشويه الذى لحق بسمعة الولايات المتحدة ومصداقيتها لن يمكن تعويضه قريبا. حلفاء الولايات المتحدة سيصبحون أقل استعدادا لمنحها الثقة، وأكثر ميلا لتجنب التورط فى مطابقة مواقفهم مع مواقفها. خصوم الولايات المتحدة لن يأخذوا التهديدات والردع الأمريكى بنفس القدر من الجدية، وسيكونون أكثر استعدادا لاختبار الخطوط الأمريكية الحمراء. على الولايات المتحدة الإتيان بعمل كبير يبرر استعادة الثقة فيها. المشكلة هى أن الولايات المتحدة ينقصها التصميم والعزيمة اللازمة للإتيان بهكذا عمل، وشعبها المنقسم أيديولوجيا فقد الرغبة فى مواصلة تحمل بلاده مسئوليات القوة العظمى التى تقود العالم. المشهد فى أفغانستان هو الفصل الأحدث فى مسلسل التراجع الأمريكى، الذى سوف يترك آثارا هائلة على النظام الدولى فى السنوات المقبلة.

نهاية المغامرة الأمريكية فى أفغانستان تطوى صفحة الترويج للديمقراطية وبناء الدول. لقرون طويلةكان الغرب واثقا فى نفسه، موقنا من سمو النموذج الحضارى الذى يقدمه، ومن صلاحيته لكل المجتمعات. غرور الغرب وصل إلى ذروة عالية بعد انتهاء الحرب الباردة، عندما شرع الغربيون فى الترويج للديمقراطية الليبرالية، باعتبارها نظام الحكم الوحيد المقبول، والصالح لجميع المجتمعات فى كل الأزمنة. ضغط الأمريكيون لتمكين منظمات تروج لأفكار سياسية ديمقراطية وليبرالية وحقوقية من العمل داخل الدول الأخرى رغم إرادتها، وقدموا الدعم المالى والفنى والتدريب لنشطاء سياسيين سعوا لتغيير الوضع السياسى بأساليب ثورية. تداعيات الربيع العربى، والفشل الأمريكى فى أفغانستان يضع نهاية لهذا الفصل. للديمقراطية فضائلها المؤكدة، وهى بالتأكيد من أفضل أشكال الحكم التى طورها بنو البشر، لكنهاغير ممكنة فى كل البلاد فى أى وقت. هذا هو ما أثبتته تجربة أفغانستان. لقد تم فى هذا البلد إنفاق أموال طائلة لإنشاء الدولة والديمقراطية والجيش الحديث.أسس الأمريكيون هناك نظاما انتخابيا حشدوا كل الخبرات الدولية لإنجاحه. لكن مؤسسات الحكم الجديدة لم تضرب جذورا فى التربة الأفغانية، فالثقافة والتركيب الاجتماعى له متطلباته. حتى الجيش الوطنى القائم على الضبط والربط لم يصمد أمام مقاتلى طالبان، فالأموال والقوات الأمريكية لا تبنى الهوية والاندماج الوطنى الضرورى لمؤسسات الدولة الحديثة والجيش الوطني. حدث شيء شبيه بهذا فى العراق، فالثروة النفطية العراقية والدعم الأمريكى والدولى لم يكن كافيا لتثبيت مؤسسات فعالة للحكم الديمقراطى فى تربة بلاد النهرين، ومازالت الطائفية والعشائرية تحول المنافسات الانتخابية إلى صراعات طائفية تزيد الكراهية بدلا من أن تعزز الاندماج الوطني. ما حدث فى أفغانستان والعراق هو باختصاربيان عملى لحدود النموذج الغربي.

آن للغرب أن يتواضع بعد أفغانستان. لقد أنتجت الحضارة الغربية نموذجا حضاريا جذابا له فضائل كثيرة، لكنه يبقى نموذجا غربيا، وتبقى للأمم الأخرى تقاليدها وشرعيتها وثقافتها التى لا يمكن استبدالها بالنموذج الغربي. الغرب يتغير، وكذلك الشرق، ولكن ليس من حق الغرب أن يفرض على الآخرين الطريقة التى يتغيرون بها. من حق شعوب العالم أن تختار لنفسها الطريق الذى تود السير فيه. ستتعثر الشعوب، وتتأخر كثيرا، لكن أى طريق تختاره لنفسها سيكون أسرع وأكثر أمنا بكثير من الطرق المفروضة من الخارج

نقلا عن جريدة الأهرام، 19 أغسطس ٢٠٢١.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب