وحدة الدراسات الأفريقية

مؤشرات التراجع: حزب “العدالة والتنمية” والانتخابات التشريعية المغربية

شكّلت انتخابات الغرف المهنية التي انعقدت في السادس من أغسطس 2021، ومن قبلها اقتراع السادس عشر من يونيو 2021 المتعلق بانتخاب ممثلي الموظفين في اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء وما أفرزته من نتائج؛ نقطة تحول جوهرية لحزب “العدالة والتنمية” الذي يتولى الحكومة منذ عام 2011، ومحطة فاصلة في خضم الاستحقاق التشريعي المقبل. ولعل نتائج تلك الانتخابات ترسم صورة أولية لمسارات المشهد السياسي المغربي خلال المرحلة المقبلة، وتُعتبر مؤشرًا لقدرة الأحزاب التي من المحتمل أن تتصدر الانتخابات التشريعية القادمة، خاصة وأن هناك حالة تشرذم في البيئة الحزبية المغربية، فضلًا عما شهده قانون الانتخابات من تعديلات مؤثرة. تراجع الأداء الانتخابي بالنظر لنتائج انتخابات…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

شكّلت انتخابات الغرف المهنية التي انعقدت في السادس من أغسطس 2021، ومن قبلها اقتراع السادس عشر من يونيو 2021 المتعلق بانتخاب ممثلي الموظفين في اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء وما أفرزته من نتائج؛ نقطة تحول جوهرية لحزب “العدالة والتنمية” الذي يتولى الحكومة منذ عام 2011، ومحطة فاصلة في خضم الاستحقاق التشريعي المقبل. ولعل نتائج تلك الانتخابات ترسم صورة أولية لمسارات المشهد السياسي المغربي خلال المرحلة المقبلة، وتُعتبر مؤشرًا لقدرة الأحزاب التي من المحتمل أن تتصدر الانتخابات التشريعية القادمة، خاصة وأن هناك حالة تشرذم في البيئة الحزبية المغربية، فضلًا عما شهده قانون الانتخابات من تعديلات مؤثرة.

تراجع الأداء الانتخابي

بالنظر لنتائج انتخابات الغرف المهنية التي أُجريت في المغرب خلال الفترة الماضية، نجد أن هناك تراجعًا كبيرًا لحزب “العدالة والتنمية” في ديمومة واستمرارية تمثيل عناصره داخل النقابات والغرف المهنية المختلفة، كما هو الحال بالنسبة لفشل الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، الذي يعتبر المظلة النقابية لحزب العدالة والتنمية، في تجاوز العتبة القانونية المقررة بــ(6%) وحصل فقط على 5.63%، متراجعة بصورة كبيرة عما حققته في عام 2015 (حيث حصلت على 7.36%)، وهو الأمر الذي يفقد تلك النقابة التابعة للحزب المشاركة في الجلسات الاجتماعية المقبلة.

وفي انتخابات ممثلي “المأجورين”، التي تعتبر محطة حيوية في ضوء التوجه الراهن حول السباق التشريعي، تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار نتائج تلك الانتخابات بفوزه بأكثر من 638 مقعدًا، ومن بعده حزب الأصالة والمعاصرة (363)، وجاء بعده حزب “الاستقلال” بعدد (360 مقعدًا). وبالنظر إلى وضعية حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي فإنه جاء في المرتبة الأخيرة (الثامنة) بعدد (49 مقعدًا) من أصل 2230 مقعدًا في مختلف الغرف المهنية داخل المغرب، وهو الأمر الذي يُبرز حجم التراجع للحزب في ضوء افتقاده للمقاعد التي كان قد حظي بها عام 2015. ولعل أهمية تلك الانتخابات تكمن في أنها عامل رئيسي في تشكيل مجلس المستشارين المغربي الذي يُعتبر الغرفة الثانية للبرلمان والمكون من 120 عضوًا، حيث يتم اختيار عدد (72) عضوًا منهم من جانب ممثلي الجماعات الترابية (المجالس الجهوية والجماعية ومجالس العمالات والأقاليم)، ولعل حالة التراجع لحزب “العدالة والتنمية” تبرهن على حالة تآكل مشروعية الحزب، ومن ثمّ فإنه لن تكون له مشاركة أو حضور قوي في تشكيل مجلس المستشارين.

مؤشرات التراجع

بجانب ما تقدمه الانتخابات الأخيرة من مؤشرات على تراجع محتمل لحزب العدالة والتنمية المغربي، تظهر مؤشرات أخرى تؤكد ما يشهده الحزب من تراجع القدرة على التأثير، ويأتي ذلك على خلفية جملة من العوامل كالآتي:

تصدعات داخلية: يشهد حزب العدالة والتنمية حالة من الخلافات والانقسامات الداخلية المتعددة التي أدت إلى تقديم استقالات جماعية لأعضاء ناشطين في الحزب وما تبعها من استقالة لكوادر قيادية بالحزب على خلفية التناقضات بين تلك القيادات وبين “سعد الدين العثماني” -الأمين العام للحزب رئيس الحكومة- حول ملفي التطبيع مع إسرائيل ومشروعية القنب الهندي، وقد تمثل آخرها في استقالة “المصطفى الرميد” الذي يعتبر الرجل الثاني في الحزب وأحد مؤسسيه عام 1992، كما أنه أحد قيادات الصف الأول في حركة التجديد والإصلاح، وذلك في الثالث عشر من يونيو 2021. ويشهد الحزب سلسلة استقالات غير مسبوقة ضمت كذلك القيادية السابقة في الحزب “اعتماد الزاهيدي” وتوجهها مؤخرًا إلى حزب “التجمع الوطني للأحرار” الخصم السياسي لحزب “العدالة والتنمية”، وكذلك استقالة “إدريس الأزمي” نهاية فبراير 2021، وأيضًا تقديم عمدة مدينة الدار البيضاء “عبدالعزيز العمري” استقالته من الأمانة العامة للحزب، وتجميد آخرين لعضويتهم داخل الحزب كما هو الحال بالنسبة للنائب البرلماني “المقرئ أبو زيد”. ونظرًا لما يمثله ذلك من تهديد وجودي لقوة وتماسك الحزب فقد عَقَدَ اجتماعًا استثنائيًا لتطويق الأزمة الداخلية، بيد أن الاجتماع لم يتمكن من احتواء تلك الأزمة.

تفكك التحالف الحكومي: إن وضعية التحالف الحكومي الذي يقوده حزب “العدالة والتنمية” شهد منذ نهاية عام 2019 تفككًا متعددًا أثر بصورة كبيرة على تحقيق أجندته، وأفقده الكثير من شعبيته ومن حالة الثقة التي امتاز بها منذ توليه الحكومة، فقد شهد هذا الائتلاف الحكومي انسحاب حزب “التقدم والاشتراكية” وانضمامه لصفوف المعارضة، وهو الأمر الذي يؤدي -في مجمله- إلى احتمالية فشل تشكيل الائتلاف الحكومي حال فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية المقبلة سبتمبر 2021. ولا يقتصر الأمر فقط عند حد الانسحاب من التحالف الحكومي، بل امتد لحالة من التناقض في التوجهات العامة بين أحزاب هذا التحالف، وقد برز ذلك بصورة كبيرة خلال التصويت على التعديلات التي أُجريت على قانون الانتخابات، حيث أيد حزب “التجمع الدستوري” -أحد أحزاب الأغلبية الحكومية- تلك التعديلات، كما أن عملية التصويت التي جاءت بالأغلبية المؤيدة لها تُبرهن على حالة التراجع لقدرة الحزب في إدارة التكتلات الداخلية في البرلمان.

تعديل قانون الانتخابات: أحد المتغيرات الداخلية الأخرى التي تتعلق بصفة جوهرية بالانتخابات التشريعية، جاء على خلفية التعديلات التي أُجريت على قانون الانتخابات في السادس من أبريل 2021، والذي أقر قانون “القاسم الانتخابي” بتأييد كافة الأحزاب السياسية داخل البرلمان باستثناء حزب “العدالة والتنمية”. ولعل فكرة القاسم الانتخابي تُمثل صفعة أخرى لهذا الحزب، خاصة وأنها تستند على المعدل الذي يحتسب على أساسه توزيع المقاعد ويقوم وفقًا للتعديلات على إلغاء فكرة العتبة الانتخابية وحساب هذا القاسم الانتخابي على أساس المسجلين في اللوائح الانتخابية وليس على أساس المصوتين كما هو معتاد. وانطلاقًا من ذلك التغير الذي أربك حسابات حزب العدالة والتنمية ووضع عراقيل أمام حصوله على المقاعد التي تضمن له الأغلبية ومن ثم تشكيل الحكومة والاستمرار لولاية ثالثة؛ اعتبر الحزب أن تلك التغييرات غير دستورية ورفض التصويت عليها، إلا أن هذا الموقف لم يَحُل دون تمريرها.

ويعد تعديل قانون الانتخابات المغربية نقطة تحول هامة في إطار العملية الانتخابية، تُعزز بقدر كبير خلق حالة من التوازن فيما ستفرزه العملية الانتخابية المقبلة، حيث سيتيح الفرصة للأحزاب الصغرى لضمان التمثيل في البرلمان، وهو الأمر الذي يحقق قدرًا من التوازن الداخلي بين التكتلات الحزبية. ويكسر القانون المعدل حلقة السيطرة التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية في الهيمنة على المقاعد البرلمانية التي أتاحت له الاستمرار في تولي الحكومة منذ عام 2011.

بيئة حزبية مضطربة

بعيدًا عن الوضعية المتعلقة بحزب العدالة والتنمية، يمكن قراءة المشهد السياسي المستقبلي المغربي، خاصة بالتزامن مع اقتراب انعقاد الانتخابات التشريعية في ضوء الوضعية الحزبية داخل المشهد السياسي والتطورات المختلفة المتعلقة بها كالآتي:

تراجع تماسك اليسار: لقد شهد تحالف “فيدرالية اليسار الديمقراطي” مؤخرًا حالة من التفكك والتراجع إثر انسحاب حزب “الاشتراكي الموحد المغربي” المكون الرئيسي لهذا التحالف إلى جانب حزبي (الطليعة الديمقراطي – المؤتمر الوطني الاتحادي) وذلك في يونيو 2021، وإبداء رغبته في الانخراط منفردًا في الاستحقاق الانتخابي التشريعي المقبل بعدما كانت أحزاب اليسار تشارك في لائحة موحدة للتحالف، ولعل هذا التحول يمثل إرباكًا للتيار اليساري ويقلل من فرص منافسته في المشهد التشريعي القادم. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل تجاوز ذلك وصولًا لحد التناقضات الداخلية للحزب ذاته عبر رفض العديد من قيادات هذا الحزب قرار زعيمة الحزب “أمينة منيب”، واعتبار أن هذا القرار يُمثلها دونما تمثيل توجه الحزب ككل، خاصة وأن هذا سوف يؤثر بصورة كبيرة على عدم تحقيق النتائج المرجوة في الانتخابات التشريعية، سيما وأنها لم تحظَ في ضوء انتخابات 2016 سوى بمقعدين فقط، وآل ذلك إلى فك “شبيبة الحزب” الارتباط به مما يهدد تماسك الحزب واستمراريته.

تقارب إسلامي مع أحزاب المعارضة: في ضوء التراجع المستمر لحزب “العدالة والتنمية” بادر هذا الحزب للالتفاف على الأحزاب المعارضة الأخرى، وعلى رأسها حزب “الأصالة والمعاصرة”، حيث تم عقد لقاء بينهما مطلع يوليو 2021، في محاولة لخلق إطار تواصلي وشراكة مع هذا الحزب لكسر حالة العزلة التي بات يشهدها الحزب، وذلك عبر التشاور مع أبرز الأحزاب المعارضة في ضوء المستجدات التي برزت في الداخل المغربي. 

عودة الأحزاب التقليدية: برز مؤخرًا مساعي حزب “التجمع الوطني للأحرار” للعودة مرة أخرى للمشاركة في اللعبة السياسية بعيدًا عن الامتثال للأيديولوجيا المختلفة، حيث بدأ الحزب في إطلاق حملته الانتخابية من “أغادير”، ولعلّ هناك تغيرًا نوعيًا في التعامل مع المكونات الحزبية الأخرى كما هو الحال بالنسبة للإسلاميين، وهناك طموح لدى الحزب في الإطاحة بالعدالة والتنمية، ولعل فرص هذا الحزب كبيرة نتيجة كون القائمين عليه من النخبة الاقتصادية ورجال الأعمال مما يعكس قدرتهم على إدارة الحملة الانتخابية وتمويلها بالشكل الذي يحقق لهم الحصول على المقاعد المأمولة، خاصة وأن هذا الحزب قد حظي بتصدر نتائج انتخابات أعضاء الغرف المهنية.

وفي التقدير؛ يُعد ما تم تناوله أعلاه مؤشرًا في حد ذاته على حالة التراجع التي بات يشهدها حزب “العدالة والتنمية، الأمر الذي يفرض عليه تحديات جسيمة قبيل الانتخابات التشريعية المقبلة، وذلك لتجنب خسارة موقعه كحزب الأكثرية المسيطر على رئاسة الحكومة منذ عام 2011.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at