وحدة التسلح

أفغانستان نموذجًا “الجيوش المصنوعة” تجربة فاشلة

على التوازي وقبل أن تتم الولايات المتحدة وبعض حلفائها عملية الانسحاب العسكري الفوضوية من أفغانستان، كانت هناك مشاهد فوضى أخرى تمثلت في انهيار الجيش الأفغاني الذي فرت تشكيلاته من الميدان بمجرد إطلاق طالبان الإنذار الأول الذي طالبت فيه بدخول كابول سلميًا. وفي واقع الأمر، تفتقر التصريحات الرسمية الغربية، وفي مقدمتها التصريحات الأمريكية، للمصداقية في أن هذا الأمر لم يكن متوقعًا، وأنه كان بمقدور القوات الأفغانية الصمود لعدة أشهر في مواجهة قوات طالبان في معركة تأمين العاصمة. فهناك سيل من الدراسات والتقديرات العسكرية التي تشير إلى أن الجيش الأفغاني الذي أُنفق عليه ما يقارب تريليون دولار على مدار العقدين الماضيين منذ…

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح

على التوازي وقبل أن تتم الولايات المتحدة وبعض حلفائها عملية الانسحاب العسكري الفوضوية من أفغانستان، كانت هناك مشاهد فوضى أخرى تمثلت في انهيار الجيش الأفغاني الذي فرت تشكيلاته من الميدان بمجرد إطلاق طالبان الإنذار الأول الذي طالبت فيه بدخول كابول سلميًا. وفي واقع الأمر، تفتقر التصريحات الرسمية الغربية، وفي مقدمتها التصريحات الأمريكية، للمصداقية في أن هذا الأمر لم يكن متوقعًا، وأنه كان بمقدور القوات الأفغانية الصمود لعدة أشهر في مواجهة قوات طالبان في معركة تأمين العاصمة. فهناك سيل من الدراسات والتقديرات العسكرية التي تشير إلى أن الجيش الأفغاني الذي أُنفق عليه ما يقارب تريليون دولار على مدار العقدين الماضيين منذ وُضعت خطة تأسيس جيش وطني في مؤتمر “بون – 2” عام 2002، وتلقى على مدار تلك الفترة خبرات عسكرية متنوعة من الولايات المتحدة والحلفاء، بالإضافة إلى التسليح المتقدم؛ كان في حقيقة الأمر يعاني العديد من الإشكاليات التي انعكست مبكرًا في الاختبارات الميدانية بمجرد عودة طالبان إلى الساحة بعد تجاوزها الضربة الأولى التي أسقطتها عقب هجمات 11 سبتمبر 2001.

وفي ضوء التجربة الأفغانية الطويلة مع الحروب، التي تعود إلى قرون وليس فقط لعقود، لا سيما حقبة الحرب السوفيتية؛ فقد كانت كفيلة باستخلاص درس رئيسي مفاده أنه من الصعوبة بمكان صناعة جيش نظامي في أفغانستان. فعلى الأقل هناك ما يقارب أربعة أجيال لم تعرف المؤسسة العسكرية النظامية بقدر معرفتها الجيدة بأمراء الحرب والمليشيات والتنظيمات والفصائل المسلحة والتحالفات الداخلية والخارجية. على النحو ذاته، كان هناك خطأ استراتيجي فادح في السياسية الأمريكية في الرهان على التجربة اليابانية التي حملت روية أمريكية مختلفة في سياق بيئة مختلفة، وليس الاستفادة من درس “سايجون” أو التجربة الفيتنامية، خاصةً وأنه لا توجد قواسم مشتركة بين التجربتين، فالتجربة اليابانية لم تعتمد بالأساس على قوامٍ عسكري كعامل رئيسي، على عكس خطة “بون” التي صُممت بالأساس على قوام عسكري لتأمين “الدولة” المنشودة.

الدرس التالي يتعلق بخبرة المقاولات العسكرية الغربية في إطار مقاربة بناء جيوش وطنية، وهي تجربة ثبت فشلها بامتياز في كل الحالات، كما هو الواقع في العراق وأفغانستان، فالجيوش الحقيقية لم تُصنع في مراكز التدريب الأمريكي ومراكز تدريب الناتو، بقدر ما صُنعت في إطار مسار تاريخي وطني طويل، وبالتالي فالحلقة المفقودة في هذا السياق هي غياب العقيدة الوطنية المؤسِّسة للجيش الأفغاني، الذي كان أقرب إلى قوة من الموظفين غير المؤهلين، الذين اعتمدوا على الانتساب للجيش لأسباب بعضها يتعلق بخلفية عرقية من منظور أن طالبان يغلب عليها مكون البشتون، وهو ما يعكس من جانب آخر خللًا هيكليًا في التركيبة العامة للقوات الأفغانية، بالإضافة إلى الاستفادة الاقتصادية المحدودة (كانت طالبان تمنح رواتب لمجنديها تعادل ثلاثة أضعاف ما يحصل عليه الجندي النظامي الذي كان يحصل على 70 دولارًا في إطار تعاقد قابل للتجديد، وتم رفعها إلى 100 دولار اعتمادًا على تقارير الأداء)، فضلًا عن استشراء الفساد بشكل عام في الجانب الاقتصادي للمنظومة الأمنية بشكل عام.

وتُشير العديد من التقارير إلى أنه لم يكن هناك التزام فعليّ لدى الكثيرين من العناصر المقيدة على قوائم التشكيلات العسكرية. وبعض التقديرات العسكرية الأمريكية المدنية رصدت فوضى في عملية التشغيل العسكري لجيش يبلغ قوامه رسميًا حوالي 30000 ألف عسكري، تراوحت ما بين 40 – 60% باختلاف المناطق وباختلاف الفصول والمناسبات، فقد كانت نسبة التسرب في فصل الشتاء في أعلى المستويات، وفي شهر رمضان لم يكن هناك التزام بالمطلق، وهو ما استدعى بالتبعية تقليل فترات التدريب، بالإضافة إلى تقليص المحتوى التدريبي ذاته في ظل غياب العناصر المتعلمة وغياب الحد الأدنى من التعليم، إذ لم يكن هناك إقبال على دروس “محو الأمية” وليس حتى مستوى التعليم الأعلى.

بالإضافة إلى الاختلال الهيكلي الذي عكس الافتقار إلى الكفاءة المطلوبة للتعامل مع الأوضاع الميدانية لسنوات طويلة، ولم تكن البنية التحتية ملائمة للمهام التي يُفترض أن يتولاها الجيش الأفغاني مع عملية الانسحاب، فالقوات الأفغانية كانت دائمة الشكوى من أنها لا تُعد أكثر من كونها قوات رديفة للقوات الأمريكية وقوات التحالف، بينما لم تتمكن من بناء قوة جوية أو حتى اكتساب الخبرات في هذا المجال على الرغم من أن القوة الجوية تُعد تشكيلًا حيويًا في ظل الطبوغرافيا الأفغانية. أضف إلى ذلك أن برامج التدريب التي تلقّتها القوات كانت في واقع الأمر برامج تأمين ميدانية تفتقر إلى قواعد الاشتباك المطلوبة لخوض معارك مع مليشيات طالبان ذات الخبرة الطويلة والنوعية في حروب العصابات. وبالتالي فإن محصلة هذه المؤشرات تشير إلى أن نجاح طالبان لم يعتمد فقط على قوتها بشكل كلي بقدر ما اعتمدت على ضعف الطرف الآخر الذي لم يتمكن من خوض معارك حقيقية على مدار أقل من ثلاثة أشهر منذ بدء الانسحاب الأمريكي في مايو الفائت، بل وحتى الفشل في تنفيذ أبسط المهام. فعلى الأرجح في ضوء تقييم الوضع الميداني أن واشنطن كانت تراهن على القيام بعملية إسناد جوي محدودة (حتى نهاية أغسطس 2021) لتغطية عملية الانسحاب، فمن المؤكد أن قوات الجيش الأفغاني استوعبت سريعًا أن الهدف الأمريكي ليس في تأمين كابول والنظام، وإنما تأمين عملية انسحاب القوات الأمريكية والرعايا الذين سيتم إجلاؤهم من الميدان، وهو ما يفسر حالة الفوضى في مشهد الخروج الكبير.

وفقًا لهذا السياق، لا يمكن التعويل على موازين القوى في الحالة الأفغانية في ضوء التطور الأخير، فمخزون السلاح الأمريكي صار في حوزة طالبان قبل سقوط كابول، وهو أيضًا أمر لم يكن بالمفاجئ، فعلى الأقل لم يتم مناقشة سلاح طالبان في “مفاوضات السلام” في الدوحة، بل على العكس من ذلك دعت طالبان من لديهم سلاح إلى تسليمه، وأكدت العديد من المشاهد أن طالبان لم تمتلك فقط الأسلحة الحديثة التي كانت في مخازن الجيش الأفغاني وإنما أيضًا لديها القدرة على استخدام تلك الأسلحة بكفاءه في الميدان، وبالتالي فميزان القوة أصبح محسومًا لصالح طالبان في المستقبل لعدة أسباب، من بينها أن الفشل العسكري لأكبر قوة عسكرية في العالم في ردع طالبان سيكون درسًا مستفادًا لأي قوة أخرى تفكر في مغامرة تالية من هذا النوع، وهو ما أكّده الرئيس جو بايدن بقوله: “أفغانستان مقبرة الغزاة”. بل إن احتمالات قدرة طالبان على حسم المواجهات مع خصومها المحتملين في المستقبل من الفصائل المسلحة، سواء كانت فصائل عرقية، أو حتى من المليشيات الجوالة التي قد تستدعيها بعض دول الجوار مثل إيران لإسناد المسلحين من الهزارة لحسابات طائفية في ضوء تقارير عديدة تشير إلى تسليح تلك الأقلية لا سيما مليشيات “فدائي بابا مزاري”. لكنّ التحدي الذي ربما سيواجه طالبان يتمثل في مواجهة تنظيمات وافدة أخرى مثل “داعش”.

وفي الأخير، يظل هناك تساؤل رئيسي بشأن هيكل طالبان. فهل ستعيد طالبان على المدى المتوسط والبعيد هيكلة قواتها المليشياوية، وستكون قابلة للتطور بشكل موازٍ في ضوء رسائل الطمأنة التي تسعى إلى بثها؟ أم أنها ستُبقي على تلك المنظومة على حالها وتوظفها بحسب التطورات؟. ففي واقع الأمر، سيكون من الصعوبة بمكان الرهان على إمكانية بناء جيش نظامي في ضوء الخبرة الأفغانية عمومًا وطالبان على وجه التحديد، وسيُعزز من ذلك السيناريوهات المتشائمة بشأن مستقبل استقرار أفغانستان في ظل حكم “طالبان” في طبعتها الثانية.

نقلا عن تقديرات مصرية

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح