مقال تحليلي

نحو استراتيجية مصرية لصناعة البطل الرياضي

الإبداع الرياضي أحد مكونات القوة الناعمة للدولة، كالفنون والآداب. والمقصود هنا بالإبداع هو البطولات الفردية والجماعية التي تحققها الدولة على المستويات القارية والعالمية والأولمبية. فجزء من مكانة الدولة لدى الرأي العام العالمي يتشكل من تميزها في لعبة رياضية أو أكثر، واستحواذها على أكبر عدد من الألقاب أو الميداليات فيها، لا سيما على المستوى الدولي، مثلما البرازيل في كرة القدم، واليابان في الجودو، وكوبا في الملاكمة، والاتحاد السوفيتي السابق في رفع الأثقال، وبالقطع الولايات المتحدة في السباحة والعدو وكرة السلة. لكن تلك المكانة لم تتحقق دون استراتيجية لصناعة الأبطال. فكيف يمكن أن يحدث ذلك في مصر؟. حصاد أولمبي (*) على مدار…

ياسر رزق
كاتب صحفي

الإبداع الرياضي أحد مكونات القوة الناعمة للدولة، كالفنون والآداب. والمقصود هنا بالإبداع هو البطولات الفردية والجماعية التي تحققها الدولة على المستويات القارية والعالمية والأولمبية. فجزء من مكانة الدولة لدى الرأي العام العالمي يتشكل من تميزها في لعبة رياضية أو أكثر، واستحواذها على أكبر عدد من الألقاب أو الميداليات فيها، لا سيما على المستوى الدولي، مثلما البرازيل في كرة القدم، واليابان في الجودو، وكوبا في الملاكمة، والاتحاد السوفيتي السابق في رفع الأثقال، وبالقطع الولايات المتحدة في السباحة والعدو وكرة السلة. لكن تلك المكانة لم تتحقق دون استراتيجية لصناعة الأبطال. فكيف يمكن أن يحدث ذلك في مصر؟.

حصاد أولمبي

(*) على مدار مشاركات مصر الأولمبية منذ دورة استكهولم عام 1912، حققت مصر 38 ميدالية، منها 8 ذهبيات و11 فضية و19 برونزية، لتحتل بها الصدارة بين الدول العربية. وفي دورة طوكيو 2020، حققت مصر 6 ميداليات، منها ذهبية وفضية و4 برونزيات، وهو أكبر عدد تفوز به مصر في دورة واحدة على مدار مشاركاتها في الألعاب الأولمبية. وبرغم ذلك، يبدو هذا الحصاد هزيلًا للغاية مقارنة بالدول الخمس الأوائل على مدار التاريخ الأولمبي وحتى دورة طوكيو الأخيرة، وهي بالترتيب: الولايات المتحدة (2636 ميدالية)، روسيا (1627)، ألمانيا (1413)، بريطانيا (916)، الصين (634).

(*) ليس من قبيل التجاوز القول إن الإبداع الرياضي يتخطى في تأثيره باقي عناصر القوة الناعمة من زاوية أن البطولات الرياضية، وهي تعتمد على المنافسة وعنصر التفوق الفردي والجماعي، تنعكس إيجابًا أو سلبًا على الروح المعنوية للجماهير في الدولة، وتُذكي مشاعر الفخر الوطني كلما حقق الأفراد أو الفرق نتائج متميزة أو فازوا ببطولات على مختلف المستويات أو حصدوا ميداليات أولمبية، يستوى في ذلك الدول المتقدمة والناهضة والنامية، بل في أحيان كثيرة تُعد الإنجازات الرياضية لدول فقيرة عنصر تعويض لمواطنيها في مقابل مظاهر التخلف والفقر.

(*) قبيل دورة طوكيو، وعدت اللجنة الأولمبية المصرية، وهي المسئولة عن شئون الاتحادات الرياضية بتحقيق 5 ميداليات، وتوقع الدكتور “أشرف صبحي” -وزير الشباب والرياضة- الحصول على ما بين 3 إلى 5 ميداليات غير الألعاب الجماعية. وبالرغم من صدق الوعود والتوقعات، إلا أنه كان في الإمكان أفضل مما كان، لو كانت الرياضة المصرية بكل عناصرها من أندية ومدارس وجامعات ومراكز شباب واتحادات رياضية وإعلام رياضي لاقت الاهتمام الواجب بها على مدار خمسة عقود مضت لتتحول الطفرات في اللاعبين الموهوبين أو الاستثناءات إلى نسق عام أو قاعدة في ظل منظومة رياضية متكاملة، تحقق مبدأ الرياضة للجميع، وتركز على اكتشاف الواعدين وصناعة الأبطال.

صناعة البطل

(*) لقد كانت هناك مبادرة ناجحة لصناعة البطل الرياضي، أطلقها ونفذها الدكتور “علي الدين هلال” حينما كان وزيرًا للشباب في مطلع الألفية، وأثمرت عن حصد 5 ميداليات في أولمبياد أثينا عام 2004، بعد غياب عن الفوز بميداليات على مدار 5 دورات منذ الفضية الوحيدة التي حصدناها في دورة لوس أنجلوس عام 1984.

(*) في أعقاب عودته من حضور دورة طوكيو، أعلن وزير الشباب والرياضة أن الوزارة تستهدف الحصول على 10 ميداليات، منها 4 ذهبيات في دورة باريس المقبلة عام 2024، وقد يبدو هذا الهدف معقولًا، خاصة أن لعبة الكاراتيه التي حصلنا فيها على ذهبية وبرونزية في دورة طوكيو لن تكون ضمن الألعاب الأولمبية في الدورة المقبلة. غير أن تحقق الطموحات في مجال الألعاب الأولمبية تحديدًا، يتطلب وضع استراتيجية شاملة للنهوض بالرياضة والرياضيين، ووضع خطط قريبة ومتوسطة المدى على مدار دورات: 2024، 2028، 2032 على الأقل.

(*) نقطة البدء في وضع الاستراتيجية الرياضية هي تشكيل لجنة فنية لتحليل وتقويم نتائج اللاعبين والفرق في أولمبياد طوكيو، واستخلاص الدروس للاهتداء بها في التخطيط للرياضة المصرية، وإيلاء أكبر قدر من الاهتمام بالألعاب التي تتميز فيها مصر تقليديًا وتاريخيًا. وبمراجعة حصاد مصر من الميداليات على مدار تاريخها الأولمبي، نجد أن رفع الأثقال استحوذ على أكبر عدد من الميداليات بإجمالي 14 ميدالية، يليه المصارعة 8 ميداليات، ثم الملاكمة 4 ميداليات، والتايكوندو 4 ميداليات، وميداليتان لكلٍّ من الغطس والجودو والكاراتيه، وميدالية واحدة لكل من سيف المبارزة والخماسي الحديث.

(*) من ثمّ فإن استثمار التميز في هذه الألعاب والتركيز على إعداد لاعبين من الأشبال والناشئين فيها يشكل قاعدة أساسية للنهوض بها، وتقديم أبطال يستطيعون المنافسة، وحصد الميداليات في الدورات المقبلة، يضاف إليها الألعاب التي حققنا فيها نتائج لا بأس بها، مثل: تنس الطاولة، والتجديف بمختلف أنواعه، والسلاح والرماية، وألعاب القوى كرمي الرمح ودفع الجلة ورمى المطرقة، بجانب ألعاب جماعية حققت نتائج متميزة كاليد ونتائج مرضية ككرة القدم.

استراتيجية مقترحة

يمكن اقتراح عدد من الأسس لبناء الاستراتيجية المنشودة لإحداث تطوير حقيقي في الرياضة المصرية، وصناعة البطل الأولمبي، تشمل الآتي:

(*) تشكيل لجنة وزارية عليا لوضع الاستراتيجية والإشراف على تنفيذها، بحيث تضم وزراء الشباب والرياضة، التربية والتعليم، التعليم العالي، التنمية المحلية؛ لتحقيق التكامل في جهود جهات الدولة، مع تعيين مساعد لكل من وزير التربية، ووزير التعليم العالي لشئون الرياضة، وكذا مساعد لكل محافظ في نفس الاختصاص، يتولى تنسيق الخطط بين المديريات والأندية في الشئون الرياضية لتذليل أي عقبات تعترض اكتشاف ورعاية الواعدين مع إنشاء هيئة استشارية من خبراء الرياضة والأبطال الأحياء الفائزين بميداليات أولمبية أو منافسات عالمية، تقدم رؤيتها إلى اللجنة الوزارية العليا للمساهمة في صياغة الاستراتيجية، وإزالة المعوقات أمام صناعة البطل الرياضي من واقع خبراتهم وتجاربهم.

(*) إحياء الرياضة بالمدارس وإعادة الاهتمام بملاعبها وغرف الرياضة لألعاب النزال وتنس الطاولة ورفع الأثقال، وإرجاع مادة التربية الرياضية ضمن المناهج الدراسية، وتشجيع الفرق الرياضية بالجامعات، واعتبار التفوق الرياضي والحصول على البطولات مؤهلًا للمنح المجانية للدراسة بالجامعات الخاصة، وذات المصروفات، مع فتح ملاعب المدارس والجامعات لممارسة الرياضة في فترة الإجازة الدراسية.

(*) وضع خريطة جغرافية للأقاليم والمحافظات التي تتميز تاريخيًا في تقديم الأبطال في لعبات بعينها، للاستفادة منها في صياغة خطط تأهيل الأبطال الواعدين وتقديم كل أوجه الدعم لها، كالإسكندرية المتميزة في المصارعة ورفع الأثقال، والغطس، والشرقية المعروفة برياضة الهوكي، والغربية والمنوفية في الملاكمة، وكفر الشيخ في تنس الطاولة، والإسماعيلية في التجديف، وأسوان الواعدة بالمواهب في ألعاب القوى.

(*) الاستفادة من مشروع “حياة كريمة” الذي يتضمن تطوير المدارس ومراكز الشباب للتركيز على لعبات بعينها، وتوفير الملاعب والأدوات الخاصة بها، طبقًا لطبيعة كل محافظة واللعبات التي تتميز فيها لتوفير قاعدة عريضة للاكتشاف والتدريب والتأهيل، وتنظيم البطولات على مستوى المراكز والمحافظات والجمهورية.

(*) مراجعة لائحة النظام الأساسي للجنة الأولمبية بمعرفتها، بما يسمح باختيار أعضائها من غير رؤساء وأعضاء الاتحادات، فليس من المعقول أن يحاسِب مسئولو الاتحادات أنفسهم من خلال عضويتهم باللجنة الأولمبية، مع ضمان ديمقراطية الجمعيات العمومية وتوسعتها بما يكفل تداول المسئولية في الاتحادات، وعدم قصر رئاستها أو عضويتها على مجموعات ثبت تقاعسها على مدار سنوات مضت في إحراز بطولات.

(*) مبادرة ناديي الأهلي والزمالك، بوصفهما الأكثر شعبية وموارد مالية، بإنشاء فرعين لهما في الدلتا والصعيد لاكتشاف الموهوبين رياضيًا، وتنمية قدراتهم وصولًا لتحقيق بطولات قارية وعالمية وأولمبية.

(*) قصر نشاط أندية مؤسسات وجهات الدولة وشركاتها على اللعبات الأخرى غير كرة القدم، في ضوء ما كشفت عنه التجربة من عدم تقديم تلك الأندية موهوبين في هذه اللعبة، ولجوئها إلى الاعتماد على لاعبين أفارقة أو رديف الأندية الأخرى بالأخص الأهلي والزمالك، وتوجيه الاعتمادات الكبيرة التي تستحوذ عليها كرة القدم إلى اللعبات الواعدة الأخرى، بما يحقق الهدف المنشود، وهو النهوض بالرياضة وصناعة الأبطال الرياضيين.

(*) قيام المجلس الأعلى للإعلام بتصحيح مسار الإعلام الرياضي لينهض بدوره في تسليط الأضواء على المنافسات المحلية والدولية في مختلف اللعبات دون الاكتفاء بكرة القدم، وتخصيص مساحات زمنية عادلة للعبات الأخرى، والاستعانة في تحليل المنافسات بالخبراء وأصحاب البطولات، دون إغفال الشعبية الجماهيرية لكرة القدم.

(*) تشجيع الأسر على مشاركة أبنائهم في الفرق الرياضية، وتفنيد الفكرة غير الصحيحة بأن الرياضة تعرقل التفوق في التعليم، عن طريق إبراز النماذج الناجحة رياضيًا وتعليميًا، والتأكيد على أن الرياضة تبني شخصية الطالب، وتحفزه على التفوق في مختلف مجالات الحياة.

(*) قصارى القول، إن استثمار قوة الدفع المتولّدة من الاحتفاء الشعبي بالإنجازات المعدودة التي تحققت في دورة طوكيو الأخيرة، واهتمام الدولة في قمة مستوياتها ممثلًا في حرص الرئيس “عبدالفتاح السيسي” على تكريم الأبطال الفائزين بميداليات ومدربيهم؛ لا بد أن ينتج عنهما عمل منسق متكامل من جانب جهات الدولة واللجنة الأولمبية والاتحادات والأندية يستهدف الارتقاء بالرياضة وفق استراتيجية شاملة وخطط طموحة لرعاية الواعدين واكتشاف الموهوبين من البراعم في سن صغيرة لتأهيلهم من كل النواحي للفوز بالبطولات، وتحقيق ما يليق بالإمكانات البشرية المتوافرة في مصر من ميداليات في الدورات الأولمبية المقبلة.

ياسر رزق
كاتب صحفي