وحدة الدراسات العربية والإقليمية

الاتفاق النووي الإيراني الجديد وتداعياته على الساحة العراقية.. رؤية مستقبلية

يُعد ملف “البرنامج النووي الإيراني” من الملفات ذات التأثير والتداعيات الإقليمية والدولية الكبيرة والمعقدة لما يتضمنه من تشابك وتعارض للمصالح والسياسات لدول الإقليم والقوى الدولية الكبرى والعظمى، ويؤثر بشكل سلبي على ميزان القوى الاستراتيجي الإقليمي. وكما له انعكاساته على الدول والقوى الإقليمية عامة فإن له تداعياته وتأثيراته على العراق بشكل خاص وعلى مختلف المجالات ولا سيما الأمنية والاقتصادية، كون إيران استخدمت وتستخدم أدوات تأثيرها في العراق والمنطقة كأوراق ضغط ومساومة في مسار قضية برنامجها النووي مع المجتمع الدولي وعبر مختلف التطورات الحاصلة له. وفي محادثات فيينا الأخيرة بشأن إحياء “الاتفاق النووي الإيراني” الذي تبنته إدارة جو بايدن في برنامجها الانتخابي…

د. مثنى العبيدي
أستاذ العلوم السياسية، كلية العلوم السياسية - جامعة تكريت، العراق

يُعد ملف “البرنامج النووي الإيراني” من الملفات ذات التأثير والتداعيات الإقليمية والدولية الكبيرة والمعقدة لما يتضمنه من تشابك وتعارض للمصالح والسياسات لدول الإقليم والقوى الدولية الكبرى والعظمى، ويؤثر بشكل سلبي على ميزان القوى الاستراتيجي الإقليمي. وكما له انعكاساته على الدول والقوى الإقليمية عامة فإن له تداعياته وتأثيراته على العراق بشكل خاص وعلى مختلف المجالات ولا سيما الأمنية والاقتصادية، كون إيران استخدمت وتستخدم أدوات تأثيرها في العراق والمنطقة كأوراق ضغط ومساومة في مسار قضية برنامجها النووي مع المجتمع الدولي وعبر مختلف التطورات الحاصلة له.

وفي محادثات فيينا الأخيرة بشأن إحياء “الاتفاق النووي الإيراني” الذي تبنته إدارة جو بايدن في برنامجها الانتخابي فإن الظاهر منها هو محادثات دولية تتعلق بأزمة “البرنامج النووي الإيراني”، ولكن في الواقع فإن الأمر يشمل العديد من القضايا الإقليمية أيضًا، ومنها دور إيران في العراق منذ عام 2003. ومن هنا ثارت العديد من الأسئلة حول هذا الأمر: فكيف كان العراق كأحد الملفات المطروحة في محادثات فيينا بشأن البرنامج النووي الإيراني؟ وكيف استُخدمت الساحة العراقية كورقة ضغط من قبل إيران بغية التأثير في مسار المحادثات؟ وما هي التوقعات المحتملة لتأثير الاتفاق في التطورات العراقية مستقبلًا؟.

تعدد الملفات والقضايا في المحادثات

على الرغم من أن الإعلان عن محادثات فيينا جاء كمسعى لإحياء الاتفاق النووي الإيراني إلا أن ملفات عديدة تضمنتها المحادثات في ظل توجهات متباينة وتناقضات في أهداف الطرفين الأمريكي والإيراني، فالأولى تتجه صوب ضرورة التزام إيران بإيقاف برنامجها وطمأنة المجتمع الدولي بعدم وجود طموح إيراني لحيازة الأسلحة النووية وإيقاف سياستها التدخلية والتوسعية في شئون دول منطقة الشرق عامة والدول العربية بشكل خاص، وكذلك إيقاف تطوير برنامج الصواريخ الباليستية وانتهاكات حقوق الإنسان ودعم الإرهاب في دول المنطقة، وهو أمر تدعمه الدول الأوروبية. بينما تشترط إيران أن يتم رفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية والدولية عنها قبل البدء في المفاوضات بشأن برنامجها النووي، كون أن العديد من العقوبات الدولية المفروضة عليها هي ليست ذات صلة ببرنامجها النووي كما تدعي، مثلما تسعى إيران إلى رفع الحرس الثوري الإيراني من قائمة تصنيف المنظمات الإرهابية الأجنبية الذي اعتمدته الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2019، وهو أمر ترفضه الأخيرة باعتبار أنه لم يكن ذا صلة بالاتفاق النووي الإيراني لعام 2015.

فالإدارة الأمريكية تريد اتفاقًا مع إيران يكون “قويًا وطويل الأمد” من أجل تطويق برنامجها النووي بشكل أوثق، وهو أمر أشار إليه وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، وأشار أيضًا إلى أن لإيران أنشطة أدت إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط وتدعم الجماعات الإرهابية، كما أكد المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس في حديث نقلته قناة “الحرة” الفضائية في 21 يونيو 2021، “أن الرئيس بايدن قال باستمرار، إن هدفنا أولًا هو العودة المتبادلة إلى خطة العمل المشتركة الشاملة، ولكن قلنا أيضًا باستمرار إن العودة فقط إلى الاتفاق ليست كافية، لأن لدينا نقاط قلق أخرى، ويشمل ذلك تطوير إيران لبرنامجها الصاروخي ونشر الأسلحة”، وأكد أن مثل “هذه القضايا لم تتحسن، بل بالعكس صارت أسوأ، وتشمل دعم إيران لوكلائها في المنطقة ودعمها للإرهابيين”. والعراق ليس بمنأى عن تطورات محادثات إحياء اتفاق البرنامج النووي الإيراني، بل إن الورقة العراقية كانت حاضرة في مختلف المباحثات التي تُجريها الإدارة الأمريكية مع إيران بشأن برنامجها النووي. فضلًا عن أن العراق ولا سيما بعد عام 2003 أصبح ساحة للصراع الأمريكي الإيراني وورقة ضغط متبادلة بين الطرفين.

الضغط المتبادل في العراق

منذ تولي إدارة بايدن السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتبنيها موضوع العودة إلى إحياء الاتفاق النووي الإيراني؛ استخدمت إيران العديد من أوراق الضغط بما تملكه من أدوات عبر نفوذها ووكلائها في العراق خاصة والمنطقة بشكل عام، وكان من أوراق الضغط في العراق ما تمثل باتجاهين: الأول سياسي من خلال القوى السياسية ذات العلاقة الوطيدة بإيران عبر وجودها في السلطتين التشريعية والتنفيذية التي تبنت توجه سحب القوات الأمريكية من العراق، وتجلى ذلك في توجه برلماني لهذه القوى تجسد في شكل قرار برلماني في يناير 2020 يقضي بسحب القوات الأمريكية من العراق، وكذلك احتجاجات عبر أنصارها أمام السفارة الأمريكية في بغداد. أما الاتجاه الثاني فكان أمنيًا من خلال استهداف أماكن تواجد الأمريكان في العراق، سواء استهداف مقر السفارة الأمريكية أو المنشآت والقواعد العسكرية التي يتواجد فيها الخبراء والمستشارون والقوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب في العراق. وتُشير التقارير إلى أن هذه الأماكن تعرضت لأكثر من 30 حادثًا منذ مطلع عام 2021، ويأتي هذا الاستهداف في سياق الضغط الإيراني على الولايات المتحدة الأمريكية في الساحة العراقية.

وازدادت وتيرة الهجمات التي تستهدف المنشآت والقوات الأمريكية وقوافل الدعم اللوجستي للتحالف الدولي في العراق في الأشهر الثلاث الأخيرة وفي ظل أجواء محادثات فيينا بشأن البرنامج النووي الإيراني. ‏ومن اللافت للنظر أن الهجمات والتصعيد الإيراني في العراق يزداد في مراحل تعثر المحادثات في فيينا ليظهر بوضوح أن هذا التصعيد يشكل ضغطًا إيرانيًا على التواجد الأمريكي في العراق كجزء من سياسة إيران للتسريع بعودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الاتفاق النووي معها، وفي إطار ذلك فقد تعرضت قاعدة عين الأسد وقاعدة بلد الجوية والقواعد الأمريكية في أربيل والسفارة الأمريكية في بغداد وقوافل الإمداد اللوجستية ‏المتجهة من البصرة إلى القواعد الأمريكية وأماكن تواجد قوات التحالف الدولي إلى العديد من الهجمات بصواريخ الكاتيوشا والطائرات المسيرة والعبوات الناسفة، مما أدى إلى وقوع أضرار مادية وبشرية فيها، الأمر الذي وصفته السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض جين ساكي بأن “إيران طرف سيئ في المنطقة، وتدعم سلوكًا يثير المشاكل لأقصى حد” في الوقت الذي دافعت فيه ساكي عن انتهاج الدبلوماسية بالإشارة إلى محادثات فيينا من أجل حرمان إيران من الحصول على السلاح النووي.

وفي المقابل، كان الضغط الأمريكي على شكل استهداف لمواقع الفصائل والجماعات التي اعتبرتها “وكلاء وحلفاء” إيران في العراق وسوريا، وحملتها الإدارة الأمريكية المسئولية عن الهجمات المستمرة التي تطال المصالح الأمريكية في العراق ورأى فيها وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن “سبيلًا للقضاء على خطر الصراع” وأنها “إجراء ضروري ومناسب ومدروس يهدف للحد من مخاطر التصعيد، ورسالة ردع واضحة لا لبس فيها”، ‏وأن هذه الضربات تزامنها الإدارة الأمريكية مع جهودها الدبلوماسية في فيينا كورقة ضغط على إيران. ففي نهاية شهر يونيو الماضي حذرت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا إيران من أن الوقت ينفد أمام العودة إلى الاتفاق النووي، وشنت بعدها القوات الأمريكية غارات عديدة على معسكرات ضد فصائل موالية لإيران في العراق وسوريا.

الانعكاسات على مستقبل الساحة العراقية

 في ظل حاجة إيران لرفع العقوبات الأمريكية عنها بعد تدهور الأوضاع الداخلية فيها حتى أصبحت تعيش أزمة اقتصادية واجتماعية مزمنة، وتوجه إدارة بايدن لإعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني الذي عقدته إدارة أوباما وألغته إدارة ترامب، وفي ظل العديد من المؤشرات؛ فمن المتوقّع أن يرى النور اتفاق جديد بخصوص البرنامج النووي ‏الإيراني ولو بعد حين، ولن يخفى ما ينتج عنه من آثار إيجابية وسلبية وتداعيات أخرى ما لم يتم تغيير سلوك إيران الإقليمي. وما يهمنا هنا هو مدى انعكاس هذا الاتفاق على الوضع في العراق مستقبلًا عند إقراره. ولكن على الرغم من عدم استطاعة تحديد ما ستكون عليه السياسة الإيرانية المستقبلية ‏تجاه العراق ما بعد الاتفاق، بيد أن هنالك العديد من المعطيات التي تساعد في توقع ‏العديد من السياسات والانعكاسات على الساحة العراقية، منها أن إيران ستكون أكثر ارتياحًا في تعاملها وتأثيرها في العراق سياسيًا من خلال زيادة نفوذها وتأثيرها وتحالفاتها مع القوى السياسية العراقية من جهة، والتأثير على القرار السياسي العراقي داخليًا وخارجيًا من جهة أخرى من دون أن تتم إعاقتها أمريكيًا.

في المجال الاقتصادي وبعد احتمالية رفع العقوبات ستعمل إيران على رفع ‌‏صادراتها المختلفة إلى الأسواق العراقية، وزيادة الاستثمار لتعويض خسائرها جراء مرحلة العقوبات من جهة، ولتحقق هيمنتها واستغلالها للقطاعات الاقتصادية من جهة أخرى، فضلًا عن أنه من المتوقع أن إيران ستعمل على أن تكون المصدر الأساسي للطاقة الكهربائية للعراق بعد توجهات العراق الأخيرة لاستيرادها من دول الخليج والسعودية بشكل خاص، فإيران تسعى جاهدة لاحتكار الأسواق العراقية ‏وتزويدها بمصادر الطاقة التي تحتاجها دون غيرها. الأمر الذي تشوبه الضبابية والتعقيد وعدم سهولة وضع مشهد مستقبلي واضح له هو الانعكاسات الأمنية للاتفاق النووي الإيراني على المشهد الساحة العراقية؛ إذ لا يخفى أن إيران عملت على تأسيس العديد من الجماعات والفصائل المسلحة الموالية لها في العراق منذ عام 2003، ولكن تشير التقارير مؤخرًا إلى وجود خلافات بينها، وأن البعض منها لم يُرضِهِ ‏أن يكون ورقة تفاوض بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية في ظل الخشية على مستقبلها في حال عقد اتفاق بين الدولتين، وأن شطرًا من مهام هذه الجماعات التي توجهها إيران ضد ‏المصالح الأمريكية لن يكون مجديًا بعد الاتفاق، مما يطرح مسألة وجودها مستقبلًا على المحك، وهو أمر لن ترتضيه هذه الجماعات. والتساؤل هنا: ماذا لو خرج عدد من هذه الفصائل والجماعات عن الإرادة الإيرانية واستمرت في استهداف التواجد الأمريكي في العراق؟ وهو وما أشارت إليه بعض التقارير من أن هنالك هجمات شنتها فصائل ضد قوات الأمريكية في العراق من دون ‏موافقة ورضا الجانب الإيراني الذي كان يبحث عن التهدئة التي تساعد في نجاح المحادثات، ولكن هذه الفصائل أرادت توجيه رسالة للطرفين الإيراني والأمريكي بأنها لن تكون مجرد ورقة للتفاوض بينهما، وأنه من الممكن التعامل معها بشكل مباشر لا عن طريق إيران.

 ومن هنا فإن الانعكاسات الأمنية المستقبلية للاتفاق النووي الإيراني غير واضحة المعالم، فقد تشهد الساحة العراقية هدوءًا نسبيًا إذا ما استمرت إيران في ضبط سلوك وكلائها، وقد تشهد تصعيدًا إذا ما وجدت إيران الحاجة إلى ذلك التصعيد، أو في حال تجاوز البعض من هذه الفصائل حدود العلاقة الترابطية مع إيران، واتخذت لنفسها طريقًا يبتعد عنها.

خلاصة القول، في ظل العديد من المعطيات الراهنة والمتوقعة فإن إيران سواء عادت لالتزامها بالاتفاق النووي أو لم تعد فإنها في ظل نظامها الحالي ترى أن من أهم مصالحها الاستراتيجية أن تحافظ على دورها وتأثيرها في العراق في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، فإيران إن اشتدت عزلتها الدولية فالعراق أهم متنفس اقتصادي لها، وإن استطاعت فك هذه العزلة ‏فالعراق مهم لها كحليف من جهة وورقة ضغط ومساومة من جهة أخرى.

د. مثنى العبيدي
أستاذ العلوم السياسية، كلية العلوم السياسية - جامعة تكريت، العراق