تنمية ومجتمع

نتائج إيجابية: مصر والمؤشّر العالمي لتنافسية السياحة

بعد أن عانت مصر من تدهور غير مسبوق في النشاط السياحي خلال الربع الأول من العقد الماضي، استطاعت الدولة أن تُحرز تقدمًا ملحوظًا في هذا الملف خلال السنوات السبع الأخيرة، حيث نجحت البلاد خلال فترة أربعة أعوام فقط (2015-2019) في تحقيق قفزة قدرت بـ18 مركزًا على مستوى مؤشر التنافسية السياحية العالمي، لتصل في هذا العام الأخير 2019 إلى المرتبة 65 عالميًا، بعد أن كانت في المرتبة 83 في عام 2015. المؤشر العالمي لتنافسية السياحة يُصدر المنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum، الذي يعد أحد أهم المؤسسات الدولية في قياس الأداء للمجالات الاقتصادية لدول العالم المختلفة، تقريرًا مفصلًا عن تنافسية القطاع…

أحمد غمري
باحث في تسويق واقتصاديات السياحة

بعد أن عانت مصر من تدهور غير مسبوق في النشاط السياحي خلال الربع الأول من العقد الماضي، استطاعت الدولة أن تُحرز تقدمًا ملحوظًا في هذا الملف خلال السنوات السبع الأخيرة، حيث نجحت البلاد خلال فترة أربعة أعوام فقط (2015-2019) في تحقيق قفزة قدرت بـ18 مركزًا على مستوى مؤشر التنافسية السياحية العالمي، لتصل في هذا العام الأخير 2019 إلى المرتبة 65 عالميًا، بعد أن كانت في المرتبة 83 في عام 2015.

المؤشر العالمي لتنافسية السياحة

يُصدر المنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum، الذي يعد أحد أهم المؤسسات الدولية في قياس الأداء للمجالات الاقتصادية لدول العالم المختلفة، تقريرًا مفصلًا عن تنافسية القطاع السياحي الدولي كل عامين تحت عنوان The Travel & Tourism Competitiveness Report. ويساعد هذا التقرير في ترتيب ما مجموعه 140 دولة نشطة في المجال السياحي، معتمدًا على قياس عدد من المعايير والسياسات التي تدعم التنمية المستدامة لهذا القطاع الاقتصادي الحيوي، والتي تعود على تطوير وتنمية الاقتصاديات الوطنية لتلك الدول بصفة عامة.

ينقسم التقرير إلى أربعة مؤشرات فرعية؛ أولها مؤشر البيئة الداعمة، أما المؤشر الثاني فهو سياسات السياحة والسفر، فيما يتناول المؤشران الثالث والرابع البنية التحتية والموارد الطبيعية والثقافية. وتحتوي جميع تلك المؤشرات على ما مجموعه 14 ركيزة مختلفة، تنقسم فيما بعد إلى 90 مؤشرًا فرديًا متنوعا. وستتناول الفقرات التالية وصف المؤشرات الأربع وما ينتج عنها من ركائز.

أولًا- مؤشر البيئة الداعمة:

يتضمن الشروط العامة اللازمة لعمليات التشغيل بالقطاع السياحي، ويشمل خمس ركائز:

1- بيئة الأعمال: تعتمد على تقييم البيئة السياسية والاقتصادية للدول ومدى ملاءمتها لقيام الشركات بأعمال تجارية. حيث يتم تقييم مدى حماية حقوق الملكية، وكفاءة الإطار القانوني، والنظام الضريبي وسياسات المنافسة المحلية والدولية، ومدى تيسير الاستثمار الأجنبي المباشر، وزمن وتكلفة إنشاء المشاريع والحوافز الاستثمارية بصفة عامة.

2- الأمن والسلامة: يأخذ في الاعتبار تكلفة الجريمة والعنف العاديين وكذلك الإرهاب، ومدى إمكانية الاعتماد على خدمات الشرطة لتوفير الأمن.

3- الصحة والنظافة: مقومات الصحة والنظافة من أهم الركائز التي تدعم القدرة التنافسية لصناعة السياحة والسفر، فتوفر مياه الشرب المحسنة والصرف الصحي ضرورة لراحة وصحة المسافرين، ومقومات تقديم الرعاية الصحية على أكمل وجه.

4- الموارد البشرية وسوق العمل: تقيس مدى تطور المهارات من خلال التعليم والتدريب وتوظيفها من خلال سوق عمل فعال. ويشمل أيضًا مشاركة القطاع الخاص في تطوير الموارد البشرية، ومقاييس المرونة والكفاءة، والانفتاح في سوق العمل ومشاركة المرأة.

5- توفر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات: تعتبر مقومًا هامًا في البيئة الاقتصادية لقطاع السياحة والسفر، حيث يتم تقييم البنية التحتية مثل تغطية شبكة الهاتف المحمول وجودة الإمداد بالكهرباء، وأيضًا قدرة الشركات والأفراد على استخدام الخدمات عبر الإنترنت وتقديمها.

ثانيًا- مؤشر سياسات السياحة والسفر:

يشمل السياسات والجوانب الاستراتيجية التي تؤثر على صناعة السياحة والسفر، ويتضمن أربع ركائز:

1- أولوية قطاع السفر والسياحة في السياسات الحكومية: حيث يشير إلى مدى إعطاء الحكومة الأولوية لقطاع السياحة والسفر من خلال جذب المزيد من الاستثمار الخاص، وتنفيذ حملات تسويق وطنية. وتشمل أيضًا مقاييس الإنفاق الحكومي، وفعالية الحملات التسويقية والعلامات التجارية للدولة، واكتمال وتوقيت تقديم بيانات السياحة والسفر للمنظمات الدولية.

2- الانفتاح الدولي: يقيس الانفتاح وسهولة السفر، ومدى وجود سياسات تقييدية، مثل متطلبات التأشيرة للسائحين، وأيضًا مدى انفتاح اتفاقيات الخدمات الجوية الثنائية.

3- تنافسية الأسعار: حيث يتم مقارنة العوامل التسعيرية، مثل ضرائب تذاكر الطيران ورسوم المطار، والتكلفة النسبية للإقامة الفندقية، وتكلفة المعيشة والقوة الشرائية للعملة، بالإضافة إلى أسعار الوقود.

4- الاستدامة البيئية: يتم تقييم السياسات البيئية ومدى صرامة وإنفاذ اللوائح البيئية الحكومية، وحالة المياه وموارد الغابات والحياة البحرية.

ثالثًا- مؤشر البنية التحتية:

يتم قياس مدى توفر وجودة البنية التحتية اللازمة لقطاع السياحة والسفر، ويتضمن ثلاث ركائز:

1- البنية التحتية للنقل الجوي: وتشمل عدد مقاعد الطيران المتاحة وعدد الرحلات المغادرة وكثافة المطارات وعدد شركات الطيران العاملة، وكذلك جودة البنية التحتية للنقل الجوي للرحلات الداخلية والدولية.

2- الموانئ والبنية التحتية الأرضية: يتم تقييم توفر وسائل نقل فعالة، بالإضافة إلى شبكة طرق وسكك حديدية ذات كفاءة عالية، وتوفر الموانئ التي تلبي المعايير الدولية للراحة والأمن والكفاءة النموذجية.

3- البنية التحتية للخدمات السياحية: حيث يتم تقييم مستوى البنية التحتية للخدمات السياحية من خلال عدد الغرف الفندقية التي يكملها مدى توفر وسهولة الحصول على الخدمات، مثل تأجير السيارات وأجهزة الصراف الآلي وغيرها من الخدمات.

رابعًا- مؤشر الموارد الطبيعية والثقافية:

حيث يتم تقييم كافة الجوانب المرتبطة بالموارد الطبيعية والثقافية من خلال ركيزتين:

1- الموارد الطبيعية: حيث تقيم هذه الركيزة عدد مواقع التراث العالمي الطبيعي لليونسكو، ومقياس جودة البيئة الطبيعية، وتنوع الثروة الحيوانية في البلاد، والنسبة المئوية للمناطق المحمية والمتنزهات الوطنية.

2- الموارد الثقافية وسياحة الأعمال: حيث يأخذ في الاعتبار عدد مواقع التراث العالمي الثقافي لليونسكو، وعدد القاعات والملاعب الكبيرة التي يمكن أن تستضيف أحداثًا رياضية أو ترفيهية هامة، ومقياسًا جديدًا للطلب الرقمي على الثقافة والترفيه من خلال عدد عمليات البحث عبر الإنترنت المتعلقة بثقافة البلد، ويشمل أيضًا عدد الأحداث واجتماعات الاتحادات الدولية.

مصر على المؤشر

يُبرز المؤشر العالمي للتنافسية السياحية 2019 ما تشهده مصر من تطوير في شتى المجالات، مما أهلها لتكون رابع أعلى تحسن في الأداء بين دول المؤشر، وذلك مقارنة مع مؤشر 2017، حيث تقدمت مصر تسعة مراكز لتحتل المرتبة 65 على مستوى العالم لعام 2019 والأكثر تحسنًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعد أن كانت بالمرتبة 74 لعام 2017. 

شكل رقم 1: تطور ترتيب مصر على مؤشر تنافسية السياحة العالمي

المصدر: تقرير المؤشر العالمي لتنافسية السياحة.

مجالات حققت مصر فيها تقدمًا

حصلت مصر على ثاني أعلى تحسن في ركيزة الأمن والسلامة، مما ساعد على التقدم 18 مركزًا. ونجحت أيضًا في مؤشر الموارد الطبيعية والثقافية، وقفزت من المركز 44 بعام 2017 للمركز 33 بعام 2019، نتيجة للصعود إلى المركز 69 في تقييم مواردها الطبيعية بعد أن كانت بالمرتبة 97 لعام 2017، وارتفاع التقييم لركيزة جاذبية تلك الموارد إلى المركز 44 بعد أن كانت بالمركز 131.

شكل رقم 2: تطور ترتيب مصر في مؤشر الموارد الطبيعية والثقافية

(المصدر: تقرير المؤشر العالمي لتنافسية السياحة).

استطاعت مصر أن تحافظ على القدرة التنافسية السعرية لتحتل المركز الثالث عالميًا. بين أكثر الدول توفيرًا لقدرة شرائية أفضل للسائحين. حصل القطاع السياحي على أولوية متقدمة في الاهتمام الحكومي ليصعد من المركز 37 لعام 2017 إلى المركز 31 عام 2019، والذي ظهر من خلال الإنفاق الحكومي لتصبح بالمركز 18 بعد أن كانت بالمركز 22 من حيث الإنفاق. وأيضًا ساعدت استراتيجية العلامة التجارية السياحية للقفز بالترتيب من المركز 60 بعام 2017 لتصبح بالمركز 5 بعام 2019، وهو من أهم العوامل التي ساعدت بقوة في تحسين الترتيب العام لمصر، بالإضافة إلى احتلال مصر المرتبة الرابعة بين الدول الأكثر طلبًا للسياحة الثقافية والترفيهية رقميًا. واستطاعت مصر أيضًا تحسين البنية التحتية للنقل الجوي لتصبح بالمرتبة 55 بعد المرتبة 59، وكذلك الطرق والبنية التحتية للموانئ لتقفز للمركز 64 بعد أن كانت بالمركز 82، مما مكّنها من الصعود للمرتبة 76 بالترتيب العام لمؤشر البنية التحتية بعد أن كانت بالمرتبة 82 كما هو موضح بالشكل (رقم 3: تطور مؤشر البنية التحتية).

شكل رقم 3: تطور ترتيب مصر في مؤشر البنية التحتية

المصدر: تقرير المؤشر العالمي لتنافسية السياحة.

مجالات تحتاج مزيدًا من الاهتمام

على الرغم من تلك التحسنات، لا تزال مصر تحتل المرتبة 112 في ركيزة الأمن والسلامة نظرًا لما مرت به من أحداث أثرت على التقييم الإجمالي لتلك الركيزة، متضمنة انخفاض التقييم لمؤشر حوادث الإرهاب ليهبط للمركز 135 بعد أن كان بالمركز 126. أيضًا متطلبات إصدار التأشيرة المتزايدة وصعوبة التعامل مع المنظومة الإلكترونية الجديدة لإصدار التأشيرات من أهم العوامل التي عطلت عمليات التحسن العام، حيث أصبحت بالمركز 123 بعد أن كانت بالمركز 51، مما ساهم في خفض تحفيز تدفق السائحين، وأيضًا بقاء الدولة ضمن أقل الدول انفتاحًا دوليًا لتصبح بالمرتبة 124 في العالم بعد أن وصلت للمركز 102 بعام 2017، مما أدى إلى تأثر الترتيب العام لمؤشر سياسات السياحة والسفر ليصبح بالمرتبة 45 بعد أن كان بالمرتبة 44 كما هو موضح بالشكل (رقم 4: تطور مؤشر سياسات السياحة والسفر). 

شكل رقم 4: تطور ترتيب مصر في مؤشر سياسات السياحة والسفر

(المصدر: تقرير المؤشر العالمي لتنافسية السياحة).

يعرض التقرير تقييمًا لعامين سابقين (2017 – 2018)، ومع صدور النسخة الأحدث للتقرير بالعام الحالي 2021 فمن المتوقع أن تشهد التقييمات تحسنًا ملحوظًا في العديد من المعايير المرتبطة بالتنمية الحاصلة في مصر، والمتوقع أن تساهم في تحسين التقييم والترتيب العام على الرغم من التأثيرات السلبية لتفشي وباء كورونا (كوفيد 19) على العديد من الجوانب الاقتصادية عالميًا ومحليًا.

يُنتظر حدوث تغير إيجابي بالعديد من المجالات من أهمها البنية التحتية نتيجة مشروعات تطوير الطرق والموانئ وزيادة عدد المطارات، أيضًا الموارد الثقافية بما شهدته مصر من تطوير وتنوع في إنشاء المتاحف والمناطق الأثرية، بالإضافة إلى تحسن حالة الأمن العام بما يساهم في تحسن معايير الأمن والسلامة، وبزيادة الإنفاق على الصحة العامة والإسراع من وتيرة تطوير المجال الطبي وإطلاق مشروع التأمين الصحي الشامل يحدث بالضرورة تقدم في معايير الصحة والنظافة. 

يجب على صانعي السياسات السياحية الوطنية المزيد من الاهتمام بالمؤشرات والتقارير الدولية المعنية بتقييم صناعة السياحة محليًا ودوليًا نظرًا لأهميتها في التعرف على نقاط القوة والضعف، إلى جانب الفرص والتهديدات المستقبلية للسوق المحلي والعالمي، واستخلاص نتائج تلك التقارير للمساهمة في تطوير استراتيجيات إدارة القطاع السياحي. ذلك بالإضافة إلى مشاركة الجهات الدولية في إعداد وإصدار تلك التقارير بتوفير البيانات اللازمة والاستفادة من نتائجها.

أحمد غمري
باحث في تسويق واقتصاديات السياحة