قمة بغداد وعودة العراق

عضو الهيئة الاستشارية

بعد قرابة ثلاثة عقود، شهد فيها مجموعة من الاضطرابات والتحولات على مستوى سياساته الخارجية، العراق يعود مرة أخرى لحضنه العربى ودوره الإقليمي، فى فعالية دولية، هى الأولى من نوعها منذ العام 1990.بعد غزو الكويت وما تلاه من فرض الحصار على بغداد، ثم الاحتلال الأمريكى وسقوط نظام صدام حسين،دخلت البلاد فى حالة من الفوضى والإرهاب، وتحولت إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية. واليوم وفى محاولة لترميم علاقاتها الخارجية والخروج من مشاكلها الداخلية، احتضنت بغداد، نهاية الأسبوع الماضي، قمة للتعاون والشراكة، بحضور قادة وممثلين عن أكثر من 10 دول عربية وإقليمية وغربية، لبحث مجموعة من الملفات والقضايا المتعلقة بالعراق والمنطقة. بسبب وضعه الهش…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

بعد قرابة ثلاثة عقود، شهد فيها مجموعة من الاضطرابات والتحولات على مستوى سياساته الخارجية، العراق يعود مرة أخرى لحضنه العربى ودوره الإقليمي، فى فعالية دولية، هى الأولى من نوعها منذ العام 1990.بعد غزو الكويت وما تلاه من فرض الحصار على بغداد، ثم الاحتلال الأمريكى وسقوط نظام صدام حسين،دخلت البلاد فى حالة من الفوضى والإرهاب، وتحولت إلى ساحة للصراعات الإقليمية والدولية. واليوم وفى محاولة لترميم علاقاتها الخارجية والخروج من مشاكلها الداخلية، احتضنت بغداد، نهاية الأسبوع الماضي، قمة للتعاون والشراكة، بحضور قادة وممثلين عن أكثر من 10 دول عربية وإقليمية وغربية، لبحث مجموعة من الملفات والقضايا المتعلقة بالعراق والمنطقة.

بسبب وضعه الهش وازماته الداخلية المتلاحقة، تحول العراق الى حلبة صراع تنفذ فيها قوى إقليمية ودولية اجنداتها، وتصفى حساباتها مع منافسيها. وبعد سنوات من الاضطراب، لايزال البلد يعانى مشكلات سياسية وأمنية واقتصادية وصحية معقدة ومتداخلة، وهو يحاول، من خلال هذه القمة، وربما ما سيتلوها من تحركات، بناء شراكة سياسية واقتصادية واجتماعية.ستسهم هذه الشراكات فى تحقيق نمو اقتصادى مشترك، وأيضا، فى تخفيف حدة التوترات والصراعات بالمنطقة، وتفضى إلى بناء تفاهمات ومواقف مشتركة. فهل سينجح العراق فى تحقيق ما يصبو إليه؟

يبدو ان الحكومة العراقية الحالية على قناعة بأن الاستقرار السياسى هو البوابة الرئيسية نحو الانتعاش الاقتصادي، وان وجود مناخ اقتصادى حيوى لن يتحقق دون وجود بيئة سياسية مناسبة. وهذه البيئة لا يمكن ان تتحقق دون ابعاد العراق عن التوترات الإقليمية والدولية.هذا ربما ما دفع حكومة مصطفى الكاظمي، للبحث عن هدنة داخل حلبة الصراع، ودور إقليمى بارز، من خلال تحويل بغداد إلى جسر لتقريب وجهات النظر بين دول الجوار وفتح افاق للتعاون والشراكة الإقليمية والدولية. وعقد هذا المؤتمر يعكس، من ناحية، علاقتها الجيدة بجميع الأطراف. ومن ناحية أخرى، تمسكها بمبدأ الحياد الذى تقول انها ملتزمة به منذ تشكيلها، والإصرار على عدم الانحياز إلى طرف دون آخر.

من بين اهم الملفات التى ناقشها العراق مع جواره الإقليمى هو الملف الأمنى والإرهاب. فخلال السنوات الأخيرة، ووفقا لمعلومات، تمكن العراق من إعداد قاعدة بيانات تشمل معلومات عن التنظيمات الإرهابية، سواء فى العراق أو دول المنطقة، وبيانات مرتبطة بعناصرها وطرق تنقلهم وغيرها من المعلومات. وهو يتطلع الى الدعم والتعاون مع دول المنطقة فى هذا الملف، خاصة ان لديه حدودا مع أكثر من دولة تواجهها تهديدات امنية.

أيضا، يشكل الملف السعودى – الإيرانى اهم الملفات المطروحة فى بغداد، كونه أساس الازمة العراقية، بحيث ان هذه الدول هى اللاعب الاساسى فى العراق. من ناحية، كان مستوى التمثيل الايرانى السعودى محدودا بحضور وزراء الخارجية، لكن اجتماعهم على ارض بغداد يعطى إشارة إلى رغبة مشتركة فى إيجاد أرضية للقاء وبشكل علنى.صحيح هناك فرق فى الأهداف، طهران، التى تواجه تحديات اقتصادية وصحية إضافة إلى تحد سياسى يتمثل فى سيطرة حركة طالبان على أفغانستان ما قد يؤثر سلبيا على أمنها الوطني، تتطلع الكيفية إلى ملء الفراغ الأمريكى فى العراق. اما السعودية فهى تحاول التقرب اقتصاديا من العراق لتحقيق بعض التوازن. وهى مهتمة اكثر بعودة العراق للعراق،ومستعدة من أجل ذلك لتقديم كل أنواع الدعم من أجل قيام حكومة عراقية ذات قرار سياسى مستقل.

من هنا، يبدو ان قمة بغداد خطوة مهمة فى اتجاه إعادة العراق للعراقيين، واستعادة العراق ثقته بنفسه كدولة محورية فى العالم العربى والمنطقة. وهى محاولة لتحويله من حديقة خلفية لتصفية الحسابات، لبلد مستقر ومؤثر إقليميا ودوليا. فهناك حالة من الإدراك بأن عودة العراق سيعيد للمنطقة قدرا من التوازن الذى اختل سابقا فى ظل غيابه.وان العراق الآمن وسيد قراره، هو ضرورة للمنطقة بأكملها. لكن لأى مدى سوف تصمد هذه المحاولة، خاصة فى ظل ارتباطها بحدثين مفصليين: الأول هو الانتخابات المبكرة خلال أقل من شهرين، والتى قد يتمخض عنها إعادة صياغة الدستور العراقي، بما يدعم موقف الدولة ومؤسساتها فى وجه التحديات والاستحقاقات المنتظرة أمامها. والثانى الانسحاب العسكرى الأمريكى؟

هذان الحدثان يمكن أن يغيرا كل التوازنات، فإما سيكرسان دور العراق الاقليمي، او سيعيدانه ليكون جزءا من الصراعات وليس وسيطا فيها.

ــــ

نقلا عن الأهرام، الخميس ٢ سبتمبر ٢٠٢١.
وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب