وحدة الدراسات الأفريقية

اقتصاديات شمال إفريقيا.. مشتركات أكثر وتعاون أقل

مرت دول شمال إفريقيا بتحولات داخلية عميقة ومتشابهة -إلى حد كبير- خلال العقد الأخير أثرت على تطور العلاقات فيما بينها، خاصة على الصعيدين السياسي والاقتصادي. لذلك، يسعى هذا التقرير إلى إلقاء نظرة على الأوضاع الداخلية لدول شمال إفريقيا من خلال بيانات البنك الدولي، والأونكتاد UNCTAD. تداعيات جائحة كورونا  وفقًا لبيانات البنك الدولي، سجلت أغلب دول منطقة شمال إفريقيا أسوأ معدلات لنمو الناتج المحلي الإجمالي منذ عقود. إذ سجلت جميع دول المنطقة -عدا مصر- نموًا سالبًا. حيث وصل معدل النمو بالمغرب إلى -7.1%، والجزائر إلى -5.5%، وتونس-8.6%، بينما سجلت ليبيا المعدل الأسوأ بـ -31.33%، في حين سجلت مصر نموًا إيجابيًا وصل…

هبة زين العابدين و الشيماء عرفات

مرت دول شمال إفريقيا بتحولات داخلية عميقة ومتشابهة -إلى حد كبير- خلال العقد الأخير أثرت على تطور العلاقات فيما بينها، خاصة على الصعيدين السياسي والاقتصادي. لذلك، يسعى هذا التقرير إلى إلقاء نظرة على الأوضاع الداخلية لدول شمال إفريقيا من خلال بيانات البنك الدولي، والأونكتاد UNCTAD.

تداعيات جائحة كورونا 

وفقًا لبيانات البنك الدولي، سجلت أغلب دول منطقة شمال إفريقيا أسوأ معدلات لنمو الناتج المحلي الإجمالي منذ عقود. إذ سجلت جميع دول المنطقة -عدا مصر- نموًا سالبًا. حيث وصل معدل النمو بالمغرب إلى -7.1%، والجزائر إلى -5.5%، وتونس-8.6%، بينما سجلت ليبيا المعدل الأسوأ بـ -31.33%، في حين سجلت مصر نموًا إيجابيًا وصل إلى 3.6%، وإن كان أقل من الأعوام التي سبقته بسبب تداعيات جائحة فيروس كورونا المستجد.

أثر الاحتجاجات على النمو

شهدت المنطقة عددًا من الموجات الاحتجاجية التي بدأت بتونس منذ عام 2011. وقد كان لتلك الموجات أثر بالغ على معدلات النمو في دول شمال إفريقيا، فسجلت مصر وليبيا وتونس أسوأ معدلاتهم بهذا العام. أما الجزائر فقد لحقت بهذا الركب منذ تعرضها لأولى موجاتها الاحتجاجية منذ عام 2017، بينما تذبذب معدلات النمو المغربي، وإن شهد بشكل عام تراجعًا عن معدلات عام 2011، حيث لاقت البلاد نصيبها كذلك من الموجات الاحتجاجية المتفرقة على مدار السنوات الأخيرة.

الاستقرار وتدفق الاستثمار 

تُعد تدفقات الاستثمار سواء من الخارج للداخل أو العكس أبلغ تعبير عن حالة الاستقرار والنمو بالدول المختلفة، حيث تعكس ثقة المستثمرين بنظم تلك الدول سواء الإيجابية بالدفع نحو المزيد من الاستثمارات داخل تلك الدول، أو العكس بالهروب بالاستثمارات من تلك الدول، لا سيما وأن الأدبيات الاقتصادية ربطت ما بين تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتعزيز النمو الاقتصادي في الدول النامية.

G:\مرصد\تقرير إحصائي\دول شمال افريقيا\2.jpg

حققت مصر أعلى تدفقات استثمارية بالداخل بإجمالي 60.4 مليار دولار خلال العقد الأخير، في حين كانت ليبيا بالمرتبة الأخيرة بين دول شمال إفريقيًا جذبًا للاستثمار مسجلة 4.04 مليارات دولار فقط خلال العقد الأخير، في حين كانت الأعلى طردًا للاستثمارات خلال الفترة الأخيرة، فبلغ إجمالي تدفقات الاستثمارات الليبية للخارج بالعقد الأخير حوالي 7 مليارات دولار.

تقارب القدرات الإنتاجية

تطور مؤشر القدرات الإنتاجية لدول شمال إفريقيا (2010-2018) **

نلاحظ من المؤشر أن هناك تقاربًا في حجم تلك القدرات لدى دول شمال إفريقيا، وكذلك وجود نمو بطيء بتطور تلك القدرات، مع استثناء حالة ليبيا التي شهدت تراجعًا في قدراتها الإنتاجية، وهو ما يتوافق مع حالة عدم الاستقرار التي يعيشها هذا البلد منذ عام 2011.

حساسية النمو الاقتصادي

توصّل المؤشر إلى نتيجة أساسية تُسهم في فهم حالة تذبذب النمو التي صاحبت أغلب دول شمال إفريقيا، وهي اعتماد أغلب تلك الدول في تصديرها على سلع بعينها، والذي تم ربطه بضعف القدرات الإنتاجية لتلك الدول، بما يؤدي إلى تذبذب النمو.

فيوضح أن هناك علاقة عكسية بين مؤشر القدرات الإنتاجية ومؤشر تركيز الصادرات السلعية، أي إن الاقتصادات ذات القدرات الإنتاجية الأعلى لديها درجات أقل في مؤشر تركيز الصادرات السلعية. وعلى العكس من ذلك، فإن البلدان التي لديها أعلى الدرجات في مؤشر تركيز الصادرات السلعية هي ذات القدرات الإنتاجية الأضعف. وهذا مفاده أنه من الضروري تعزيز القدرات الإنتاجية، والحد من الاعتماد على تصدير عدد قليل من السلع، بحيث يمكن أن تصمد تلك الدول أمام الصدمات السلبية سواء الداخلية أو الخارجية.

وعليه فإن الرسم التالي يمكن أن يفسر حالة التذبذب في النمو التي صاحبت أغلب دول المنطقة، بسبب عدم تنويعهم لصادراتهم السلعية.

التوزيع النسبي للصادرات السلعية بدول شمال إفريقيا وفقًا لنوع الصادرات 2020

وجهات التصدير وحجم الترابط

بالرغم من أن العرض السابق يوضح حجم التشابه في القدرات الإنتاجية لدول منطقة شمال إفريقيا، وكذلك تشاركهم في المهددات التي واجهتهم وأثرت على استقرارهم السياسي والاقتصادي، سواء بسبب الموجات الاحتجاجية وما تلاها من تصاعد للعمليات الإرهابية وموجات الهجرة وغيرها من مهددات؛ إلا أن جميع تلك الدول عدا تونس، كانت واجهاتها التصديرية الأساسية لدول من خارج المنطقة، وبالأساس دول أوروبية بعكس الاتجاهات العالمية، التي تجنح نحو المزيد من الأقلمة. إذ إن أكبر التبادلات الاقتصادية هي عادة بين كتل إقليمية موقعة على اتفاقيات دولية بغرض تحرير التجارة وتسهيل التبادلات بين تلك الدول المنضمة لتلك التكتلات، مثل: الاتحاد الأوروبي، ومنظمة الآسيان، واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (النافتا) بين كندا والمكسيك والولايات المتحدة، وغيرهم.

الدول الخمس الأعلى التي تصدر لها دول شمال إفريقيا منفردة (مليون دولار) 2020

ويتوافق الترابط الكبير بين أغلب دول المنطقة ودول الاتحاد الأوروبي، بسبب سياسة الجوار الأوروبية، التي تعزز علاقات الاتحاد، سواء بجواره مع دول أوروبا الشرقية من غير الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، أو مع دول الجوار الجنوبي للاتحاد الأوروبي. ففي عام 1995، تم إطلاق إعلان برشلونة الشراكة الأورومتوسطية بهدف خلق منطقة سلام وازدهار مشترك وتبادلات إنسانية وثقافية بين الطرفين، بحيث تضمن للدول الأعضاء بالشراكة معاملة تفضيلية لدى الاتحاد. وقد تم تجديد خطة الشراكة مع الجوار الجنوبي هذا العام، ومن المقرر إعادة تجديدها عام 2027.

ختامًا، إن اقتصاديات دول شمال إفريقيا تشهد العديد من المشتركات الاقتصادية والسياسية على صعيد طبيعة الأوضاع الداخلية والقدرات الإنتاجية والنمو. ومع ذلك، فإن التعاون الاقتصادي خاصة على صعيد التجارة البينية بينهم كان أضعف مما ينبغي أن يكون عليه. لذا قد تمثل محاولة الدول التعافي من آثار جائحة كورونا خلال المرحلة المقبلة فرصة لمزيد من التعاون بين دول شمال إفريقيا، ومعالجة أوجه القصور بالقدرات الإنتاجية، بما يعزز قدرة اقتصاديات تلك الدول على الصمود في وجه التقلبات، سواء الخارجية أو الداخلية.

هبة زين العابدين و الشيماء عرفات