وحدة الدراسات الاقتصادية

أداء جيد: ميزان المدفوعات المصري يحقق فائضًا خلال ستة أشهر

أصدر البنك المركزي المصري تقريرًا بشأن أداء ميزان المدفوعات خلال النصف الأول من العام المالي 2020/2021، والذي يلخص مجمل معاملات الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي خلال الفترة (يوليو/ديسمبر 2020)، وقد أظهرت معاملات الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي خلال الفترة يوليو – ديسمبر 2020 قدرته على تجاوز الصدمة التي تسببت فيها جائحة كورونا، حيث حقق ميزان المدفوعات فائضًا كليًا بلغ 1.5 مليار دولار مقارنة بعجز بلغ نحو 9 مليارات دولار خلال الفترة السابقة لها (من يناير إلى يونيو 2020) والتي شهدت ذروة تأثر الاقتصاد المصري بالإجراءات الاحترازية التي اتّبعتها الدولة للحد من انتشار فيروس كورونا، ومقابل فائض بلغ 410.9 مليون دولار…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أصدر البنك المركزي المصري تقريرًا بشأن أداء ميزان المدفوعات خلال النصف الأول من العام المالي 2020/2021، والذي يلخص مجمل معاملات الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي خلال الفترة (يوليو/ديسمبر 2020)، وقد أظهرت معاملات الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي خلال الفترة يوليو – ديسمبر 2020 قدرته على تجاوز الصدمة التي تسببت فيها جائحة كورونا، حيث حقق ميزان المدفوعات فائضًا كليًا بلغ 1.5 مليار دولار مقارنة بعجز بلغ نحو 9 مليارات دولار خلال الفترة السابقة لها (من يناير إلى يونيو 2020) والتي شهدت ذروة تأثر الاقتصاد المصري بالإجراءات الاحترازية التي اتّبعتها الدولة للحد من انتشار فيروس كورونا، ومقابل فائض بلغ 410.9 مليون دولار خلال الفترة المناظرة (يوليو-ديسمبر من العام المالي السابق 2019/2020).

ومن الجدير بالذكر أن ميزان المدفوعات ينقسم إلى قسمين رئيسين: الأول هو ميزان المعاملات الجارية، والذي يشمل الصادرات والواردات من السلع والخدمات، بالإضافة إلى صافي عوائد الاستثمار وصافي التحويلات. أما القسم الثاني فهو الحساب الرأسمالي والمالي، والذي يتضمن صافي الاستثمارات المباشرة واستثمارات محافظ الأوراق المالية، وكذلك صافي الاقتراض.

أداء ميزان المدفوعات خلال النصف الثاني من 2020

استطاع ميزان المدفوعات أن يتحول من العجز خلال النصف الثاني من العام المالي 2019/2020 (النصف الأول من عام 2020) إلى فائض خلال النصف الأول من العام المالي 2020/2021 (النصف الثاني من 2020).

وبدايةً سنشير إلى أهم التطورات التي ساهمت في تفاقم عجز ميزان المدفوعات -الذي سجل 9 مليارات دولار- خلال الفترة (يناير-يونيو 2020) نتيجة لتراجع فائض الميزان الخدمي بمقدار النصف بضغطٍ من الهبوط الحاد في متحصلات السفر (السياحة) بنحو 54.9% لتقتصر على نحو 2.6 مليار دولار، وذلك بالتوازي مع تراجع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر بحوالي 38.4%، مسجلًا نحو 2.5 مليار دولار، وتحول الاستثمارات بمحفظة الأوراق المالية في مصر لتدفقات إلى الخارج.

وكان من الممكن أن يتفاقم وضع ميزان المدفوعات خلال تلك الفترة، إلا أن هناك العديد من العوامل الإيجابية التي ساهمت في الحد من تفاقم العجز الكلي في ميزان المدفوعات خلال النصف الثاني من العام المالي 2019/2020، ومنها ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وتراجع عجز الميزان التجاري غير البترولي، وتحول الميزان التجاري البترولي إلى فائض، وتحسن طفيف في عجز ميزان دخل الاستثمار.

أما عن أداء الميزان خلال الفترة (يوليو – ديسمبر 2020)، فقد تبين تحقيقه فائضًا كليًا يبلغ 1.5 مليار دولار، كما يتضح من الشكل الآتي:

الشكل (1): أداء ميزان المدفوعات المصري (مليار دولار)

 المصدر: البنك المركزي المصري، بيان عن أداء ميزان المدفوعات خلال الفترات المذكورة سلفًا.

يتضح من الرسم السابق قدرة الاقتصاد المصري على تجاوز تداعيات كورونا، والوصول إلى مستويات أفضل من تلك المسجلة قبل الجائحة؛ إذ ارتفع فائض ميزان المدفوعات من حوالي 410 ملايين دولار خلال النصف الأول من 2019/2020 إلى 1.5 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي الجاري، وهو ما يمثل ارتفاعًا بنحو 265.8% على أساس سنوي. وفيما يلي تفصيل لبنود حساب المعاملات الجارية والحساب الرأسمالي والمالي.

بنود حساب المعاملات الجارية

يتضمن ميزان المعاملات الجارية أربعة بنود رئيسية تتمثل في: الميزان التجاري للمنتجات البترولية وغير البترولية، بالإضافة إلى ميزان الخدمات الذي يشمل المتحصلات والمدفوعات لخدمات السفر والنقل بما فيها رسوم المرور في قناة السويس، وأخيرًا ميزان دخل الاستثمار الذي يمثل الفرق بين العوائد المحصلة والمدفوعة عن كل من الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة والودائع المصرفية والمديونيات الخارجية.

وشهدت المعاملات الجارية بميزان المدفوعات ارتفاعًا في مستوى العجز بمعدل 66.9% ليصل إلى نحو 7.6 مليارات دولار مقابل 4.6 مليارات دولار خلال الفترة المناظرة من العام المالي السابق بضغط من الصدمة التي تعرض لها القطاع السياحي، حيث اقتصرت إيراداته على ربع ما تم تحقيقه خلال الفترة المناظرة (والتي شهدت أعلى إيرادات سياحية قبل الجائحة) مسجلة 1.8 مليار دولار مقابل 7.2 مليارات دولار.

* الميزان التجاري البترولي وغير البترولي:

ارتفع عجز الميزان التجاري غير البترولي بنحو 6.6% ليسجل نحو 19.1 مليار دولار انعكاسًا لارتفاع المدفوعات عن الواردات السلعية غير البترولية بنحو 1.3 مليار دولار إلى 28.5 مليار دولار، وقد تركزت الزيادة على الواردات من الأدوية وقطع غيار وأجزاء السيارات، في حين اقتصرت الزيادة في الصادرات السلعية غير البترولية على ما قيمته 131.5 مليون دولار مسجلة 9.3 مليارات دولار جاءت معظمها في الصادرات من الذهب، وهكذا صبت الزيادة في الواردات غير البترولية بشكل أكبر من الزيادة في الصادرات غير البترولية في تزايد عجز الميزان التجاري غير البترولي.

في حين تحسن مستوى العجز في الميزان التجاري البترولي ليقتصر على 54.2 مليون دولار مقابل 733.3 مليون دولار نتيجة لتراجع المدفوعات عن الواردات البترولية بنحو 2.1 مليار دولار، مسجلة 3.64 مليارات دولار انعكاسًا لتراجع الأسعار العالمية، وتراجع الكميات المستوردة من المنتجات البترولية والبترول الخام، بالتزامن مع انخفاض حصيلة الصادرات البترولية بنحو 1.5 مليار دولار لتصل إلى 3.59 مليارات دولار لانخفاض قيمة صادرات البترول الخام والغاز الطبيعي والمنتجات البترولية كمحصلة لتراجع الأسعار العالمية من جهة. ومن جهة أخرى، اختلف تأثير الكميات المصدرة، حيث انخفضت من البترول الخام والغاز الطبيعي، فيما ارتفعت من المنتجات البترولية، وهو ما يُعزى إلى التطوير الذي شهدته مصافي التكرير. ومع انخفاض قيمة الواردات بنسبة أكبر من التي انخفضت بها الصادرات تراجع مستوى العجز في الميزان التجاري البترولي.

* ميزان الخدمات ودخل الاستثمار:

تراجع فائض الميزان الخدمي بنحو 69.9% ليقتصر على نحو 1.9 مليار دولار مقابل 6.3 مليارات دولار بسبب هبوط الإيرادات السياحية بنحو 75.3% إلى 1.8 مليار دولار، وانخفاض محصلات النقل بحوالي 17.1% لتسجل نحو 3.6 مليارات دولار بسبب انخفاض إيرادات شركات الطيران. كما تراجع عجز ميزان دخل الاستثمار بمعدل 6% ليسجل 5.4 مليارات دولار مقابل 5.8 مليارات دولار كنتيجة أساسية لتراجع أرباح شركات البترول الأجنبية العاملة في مصر. في حين ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بمعدل 13.5% مسجلة 15.5 مليار دولار مقابل 13.7 مليار دولار.

بنود حساب المعاملات الرأسمالية والمالية

يتضمن الحساب الرأسمالي والمالي؛ الحساب الرأسمالي، وصافي الاستثمارات المباشرة، وصافي الاستثمارات غير المباشرة، وصافي الاقتراض، وأصول البنوك والبنك المركزي. 

وارتفع صافي التدفق للداخل في حساب المعاملات الرأسمالية والمالية بنحو 3.9 مليارات دولار ليصل إلى 9.2 مليارات دولار خلال النصف الأول من العام المالي 2020/2021 مقابل نحو 5.2 مليار دولار خلال الفترة المناظرة من العام المالي السابق كمحصلة لأهم التطورات التالية:

  • ارتفاع صافي التدفق للداخل للاستثمارات بمحفظة الأوراق المالية في مصر لتصل إلى نحو 10.2 مليار دولار مقابل صافي تدفق للداخل بلغ 273.6 مليون دولار خلال الفترة المناظرة.
  • انخفاض صافي التدفق للداخل للاستثمار الأجنبي المباشر في مصر بمعدل 32.3% لتبلغ نحو 3.4 مليار دولار مقابل 5 مليارات دولار نتيجة لانخفاض صافي التدفق للداخل للاستثمارات في قطاع البترول مسجلة 158.8 مليون دولار.
  • تراجع صافي التدفقات الواردة من الخارج بغرض الاستثمار في القطاعات غير البترولية بنحو 144.7 مليون دولار ليسجل 710.9 مليون دولار.
  •  ارتفاع صافي المستخدم من القروض والتسهيلات طويلة ومتوسطة الأجل نحو 4.5 مليار دولار مقابل نحو 2.1 مليار دولار.

وخلاصة ما سبق أن جائحة كورونا كانت أزمة استثنائية ألقت بظلالها على جميع مكونات الاقتصاد المصري وبالذات ميزان المدفوعات ولكن مع عودة الحياة تدريجيًا إلى طبيعتها وتخفيف الإجراءات الاحترازية، استطاع الميزان التحول إلى فائض خلال الستة أشهر الأخيرة من العام الماضي.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة