وحدة الدراسات الاقتصادية

أثر تطور أسعار السلع الغذائية العالمية على مصر

شهدت أسعار المواد الغذائية العالمية ارتفاعًا لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ ما يقرب من عقد من الزمان، حيث قفز مؤشر أسعار الغذاء الشهري لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، وهو معيار للسلع الزراعية المتداولة عالميًا، ليتجاوز 30٪ في أغسطس 2021 مقارنة بعام 2020. فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية الآن لمدة 12 شهرًا على التوالي، بسبب تنامي طلب الصين على الحبوب وفول الصويا، وخسارة إنتاج البرازيل من الزيوت النباتية والمحاصيل التي قضى عليها الجفاف الشديد. كما أثارت الزيادة في الأسعار مخاوف بشأن ارتفاع معدلات التضخم في وقت لاحق من هذا العام. مؤشر السلع الغذائية ارتفع مؤشر أسعار الأغذية العالمي الصادر…

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية

شهدت أسعار المواد الغذائية العالمية ارتفاعًا لتصل إلى أعلى مستوى لها منذ ما يقرب من عقد من الزمان، حيث قفز مؤشر أسعار الغذاء الشهري لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، وهو معيار للسلع الزراعية المتداولة عالميًا، ليتجاوز 30٪ في أغسطس 2021 مقارنة بعام 2020. فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية الآن لمدة 12 شهرًا على التوالي، بسبب تنامي طلب الصين على الحبوب وفول الصويا، وخسارة إنتاج البرازيل من الزيوت النباتية والمحاصيل التي قضى عليها الجفاف الشديد. كما أثارت الزيادة في الأسعار مخاوف بشأن ارتفاع معدلات التضخم في وقت لاحق من هذا العام.

مؤشر السلع الغذائية

ارتفع مؤشر أسعار الأغذية العالمي الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الأغذية بنحو (3.1 %) عما كان عليه في يوليو 2021 وبنحو (32.9 %) عن الفترة نفسها من العام الماضي، حيث سجل 127.4 نقطة في شهر أغسطس 2021 مقارنة بنحو 95.8 نقطة خلال أغسطس من عام 2020، وكان انتعاش مؤشر أسعار الأغذية في أغسطس مدفوعًا بالزيادات القوية التي سجلتها المؤشرات الفرعية لكل من السكر والزيوت النباتية والحبوب، وهو ما يعكسه الشكل التالي.

شكل: التطور الشهري لمؤشر السلع الغذائية للفترة (يناير 2019 – أغسطس 2021)

المصدر: منظمة الأغذية والزراعة – الأمم المتحدة، متاح على الرابط:

http://www.fao.org/worldfoodsituation/foodpricesindex/ar/ 

أسعار الحبوب العالمية

ارتفع متوسط مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار الحبوب بنسبة (31.1%) عن مستواه في أغسطس 2020، نتيجةً لما تسبب به استمرار حالات الجفاف في عدة بلدان منتجة رئيسية.

أسعار الزيوت النباتية العالمية

ارتفع متوسط مؤشر الزيوت النباتية العالمية في أغسطس 2021 بمقدار 6.7% مقارنة بشهر يوليو 2021 نتيجةً لارتفاع أسعار زيوت النخيل وبذور اللفت ودوار الشمس. كما ارتفعت الأسعار الدولية لزيت النخيل لتسجل مستويات هي الأعلى في تاريخها، والناجمة -إلى حد كبير- عن مخاوف انخفاض الإنتاج في ماليزيا. 

أسعار السكر العالمية

بلغ متوسط مؤشر منظمة الأغذية والزراعة لأسعار السكر 120.1 نقطة في أغسطس 2021، أي بزيادة قدرها (9.6 %) عما كان عليه في يوليو 2021، نتيجة التخوّف من الأضرار التي قد تلحق بالمحاصيل جراء الصقيع في البرازيل (وهي أكبر دولة مصدّرة للسكر على مستوى العالم)، مما يفاقم التأثير السلبي لاستمرار الظروف المناخية الجافة لمدة طويلة. كما ساهمت توقعات ارتفاع الإنتاج في الهند والاتحاد الأوروبي في الحد من الضغوط المؤدية إلى ارتفاع الأسعار الدولية للسكر.

ويشير الشكل التالي إلى التطور الشهري لأسعار السلع العالمية خلال عامي 2020-2021

المصدر: منظمة الأغذية والزراعة – الأمم المتحدة، متاح على الرابط: http://www.fao.org/worldfoodsituation/foodpricesindex/ar/

الإنتاج والاستهلاك العالمي للحبوب

أشارت منظمة الأغذية والزراعة العالمية إلى تسجيل انخفاض في الإنتاج والمخزون العالميين للحبوب مع استمرار كفاية الإمدادات الإجمالية في الفترة 2021/2022، فقد تسبب استمرار حالات الجفاف في عدة بلدان منتجة رئيسية في خفض توقّعات منظمة الأغذية والزراعة لإنتاج الحبوب في عام 2021.

ومن بين الحبوب الرئيسية، شهدت توقّعات الإنتاج العالمي للقمح في عام 2021 الانخفاض الأكبر، إذ تراجعت بمقدار 15.2 ملايين طنّ منذ يوليو لتصل إلى 769.5 مليون طنّ، أي أقل بنسبة 0.7 % (5.7 ملايين طنّ) من العام السابق. ويعكس الانخفاض بشكل أساسي الأثر السلبي لاستمرار حالات الجفاف في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وكازاخستان، إضافة إلى سوء الأحوال الجوية في روسيا التي زادت من خسائر محاصيل الشتاء. 

كما انخفضت توقّعات المنظمة للإنتاج العالمي للحبوب الخشنة في عام 2021 بمقدار 13.7 مليون طنّ، ويرجع أكثر من نصف الانخفاض نتيجة لتراجع إنتاج الذرة في البرازيل والولايات المتحدة الأمريكية. كما تراجعت توقّعات الإنتاج العالمي للشّعير في عام 2021 بمقدار 6 ملايين طنّ بسبب انخفاض توقّعات الغلات في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا. وتشير توقّعات المنظمة إلى أن الإنتاج العالمي للأرز في عام 2021 قد انخفض بمقدار 400 ألف طنّ عن شهر يوليو ليصل إلى 519 مليون طنّ (على أساس الأرز المضروب).

وعلى جانب الطلب العالمي، تشير التوقّعات إلى أن الاستخدام العالمي للحبوب في الفترة 2021/2022 سيبلغ 2809 ملايين طنّ، أي بانخفاض قدره 1.7 ملايين طنّ مقارنة بتوقعات يوليو 2021، بالرغم من كونه لا يزال أعلى بنسبة 1.4 % (40.1 مليون طنّ) من مستوى الفترة 2020/2021، مسجّلًا بذلك مستوى قياسيًا جديدًا.

مما سبق يمكن إيجاز أبرز العوامل وراء ارتفاع أسعار المواد الغذائية؛ حيث يتمثل الأول في ارتفاع الطلب على المواد الغذائية الأساسية للاستهلاك البشري وعلف الحيوانات، ويتعلق العامل الثاني بأزمة المناخ بالبلدان الرئيسية المصدرة للأغذية، بما في ذلك الأرجنتين والبرازيل وروسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة. أما السبب الثالث فيتعلق بالطلب القوي على الوقود الحيوي.

الآثار المترتبة على ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا

سوف يترتب على ارتفاع أسعار الغذاء ارتفاع فاتورة واردات الدول؛ إذ من المتوقع أن ترتفع أسعار المواد الغذائية الدولية بنحو 45% خلال العامين الحالي والمقبل، منها 25% خلال العام الحالي، و20% خلال العام المقبل، ويعني ذلك زيادة تضخم أسعار المواد الغذائية الاستهلاكية بنحو 3.2 نقاط مئوية. كما يمكن إضافة نقطة مئوية واحدة إضافية إلى التضخم العالمي للغذاء الاستهلاكي لعام 2021 من خلال ارتفاع أسعار الشحن.

وكشف تقرير لصندوق النقد الدولي عام 2021 عن أن الأزمة سوف تختلف من بلد إلى آخر؛ إذ يمكن أن يشهد المستهلكون في الأسواق الناشئة زيادات أعلى في الأسعار بسبب زيادة الاعتماد على الواردات الغذائية. فعندما ارتفع مؤشر أسعار الغذاء العالمي الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة من مستوى 53 نقطة في 2000 إلى 117.8 في 2008، فقد تسبب في ارتفاع متوسط التضخم لدول الشرق الأوسط ووسط آسيا ليصل إلى 12% مقارنة بنحو 3.6% خلال الفترة نفسها.

فقد قدرت وحدة البحوث الاقتصادية التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية (USDA) الرقم القياسي للأسعار (CPI)، وهو مقياس للتضخم على مستوى الاقتصاد والذي شهد ارتفاعًا بنسبة 0.5 % من يونيو 2021 إلى يوليو 2021، كما ارتفع بزيادة 5.4 % عن يوليو 2020. كما ارتفع مؤشر أسعار المستهلك لجميع المواد الغذائية بنسبة 0.7 % من يونيو من 2021 إلى يوليو 2021، وارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 3.4٪ عما كانت عليه في يوليو 2020.

 كما تشير التوقعات إلى ارتفاع مستويات التضخم في منطقة اليورو في شهر أغسطس متأثرة بارتفاع معدلات الأسعار العالمية، ومن المرجح أن يواصل ارتفاعه.

محليًا في مصر، يمثل بند الأغذية والمشروبات 35.9% من إجمالي مؤشر أسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية، كما تعتمد مصر بشكل كبير على بعض الأغذية المستوردة، مثل القمح، كونها تعد أكبر مشترٍ في العالم، بجانب الزيوت النباتية التي تستورد مصر نحو 97% من احتياجاتها من الخارج. لذا تشير التوقعات إلى أن يكون ارتفاع أسعار الغذاء عالميًا له تأثير سلبي على ارتفاع الفاتورة الاستيرادية لمصر خلال الفترة المقبلة.

سالي عاشور
باحثة متخصصة في قضايا التنمية الإقتصادية