العالم ما بعد افغانستان وتداعيات التدخلات العسكرية الأمريكية

مساعد وزير الخارجية السابق

تزامنت الذكرى العشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر مع انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان ومع عوده طالبان لتسيطر على كامل البلاد في مثال جديد لتكرار الفشل في التخطيط الاستراتيجي بعد تجارب مماثله سبق وأن حدثت في فيتنام والصومال والعراق وسوريا وليبيا واليمن، وبعد أن تصدع مشروع الشرق الأوسط الجديد وتعثر ما يصفونه بالربيع العربي، فمن الثابت أن كافه التدخلات السياسية والعسكرية الأمريكية والغربية قد أخفقت في تحقيق الأهداف المرجوة منها سواء فيما يتعلق بنشر الديمقراطية أو بالنسبة للقضاء على الارهاب، إذ لم تنجح تلك التدخلات سوى في زعزعه الأمن والاستقرار وفي  تدمير دول وتمزيق مجتمعاتها وفي خلق أزمه للاجئين والنازحين…

السفير عمرو حلمي
مساعد وزير الخارجية السابق

تزامنت الذكرى العشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر مع انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان ومع عوده طالبان لتسيطر على كامل البلاد في مثال جديد لتكرار الفشل في التخطيط الاستراتيجي بعد تجارب مماثله سبق وأن حدثت في فيتنام والصومال والعراق وسوريا وليبيا واليمن، وبعد أن تصدع مشروع الشرق الأوسط الجديد وتعثر ما يصفونه بالربيع العربي، فمن الثابت أن كافه التدخلات السياسية والعسكرية الأمريكية والغربية قد أخفقت في تحقيق الأهداف المرجوة منها سواء فيما يتعلق بنشر الديمقراطية أو بالنسبة للقضاء على الارهاب، إذ لم تنجح تلك التدخلات سوى في زعزعه الأمن والاستقرار وفي  تدمير دول وتمزيق مجتمعاتها وفي خلق أزمه للاجئين والنازحين تعد الأكبر التي يشهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بالإضافة إلي سقوط أعداد هائلة من القتلى والجرحى والتسبب في خسائر اقتصاديه تفوق التصور . 

فقد بلغت نفقات التدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان ما يقدر ب ٢,٢٦ تريليون دولار بواقع ٣١٥ مليون دولار يومياً منذ ١١ سبتمبر ٢٠٠١ ، وتسبب هذا التدخل في مقتل ٤٨ ألف من المدنيين الأفغان  وما لا يقل عن ٦٦ الف جندي أفغاني و ٣٥٠٠ جندي من قوات الناتو في حرب استمرت لما يقرب من ٢٠ عاماً دون أن تحقق الأهداف المرجوة منها، الأمر الذي أثر سلباً في سمعة ومصداقية الولايات المتحدة الأمريكية وأثار العديد من التساؤلات حيال رجاحه دوافع الانسحاب الأمريكي في ظل غياب استراتيجية واضحه المعالم للخروج من البلاد أو تقدير لتبعاته.

وخلافاً لأهداف مختلف التدخلات العسكرية الأمريكية والغربية، الا أنه من الواضح  أنها  أدت  إلى تصاعد الارهاب والأصولية والتطرف، فالنجاح الذي حققته طالبان في السيطرة الكاملة على أفغانستان واتساع انتشار  تنظيم القاعدة في العديد من الدول ونشأة تنظيم داعش ما هي الا مظاهر  لبعض الآثار السلبية للتدخلات العسكرية الغربية التي يضاف اليها مخاطر تتعلق بتعاظم النفوذ الايراني فيما يعرف بالحزام الذهبي الذي يمتد من العراق إلى سوريا ومن لبنان إلى اليمن والذي تزامن  مع  وصول طهران الي ما يعرف بال nuclear threshold  يضاف إلى ذلك تبرير استخدام المرتزقة الأجانب وتوفير التمويل والتدريب والتسليح لهم  من أجل المشاركة في جهود تغيير نظم الحكم بالقوة في بعض الدول. 

وقد صاحب التدخلات العسكرية الغربية ارتكاب مجموعه من  “الاخطاء المزدوجة “، اذ غاب عنها خلال عمليات التحضير القيام بتقدير حكيم للعواقب المترتبة على التدخل العسكري من النواحي الاستراتيجية ” السياسية والأمنية وأيضاً الإنسانية ” ولمخاطر الشروع في الاقدام علي تغيير نظم للحكم في بعض الدول دون فهم لتعقيدات أوضاعها السياسية والثقافية وأبعاد تركيبتها السكانية، كما لم يتم أيضا القيام بتقدير متعمق للآثار الناجمة عن الانسحاب العسكري المتعجل والتي يمكن أن تذهب إلى حدود الاخلال بالسلم والأمن الدوليين وإلى كوارث انسانيه يصعب التكهن بمجمل تداعياتها.

وتكمن الخطورة الراهنة في أن سيناريو الانسحاب من أفغانستان هو سيناريو قابل للتكرار في كل من العراق وسوريا دون التحضير الكافي لانعكاساته على الأمن والاستقرار الاقليمي، خاصه وأن الإدارة الأمريكية كانت قد تسرعت في رفع ” الحوثيين” من قائمه الارهاب ، وهو القرار الذي تزامن مع فرض حظر علي تصدير الأسلحة للسعودية دون ادراك أن ذلك يعطي لإيران من خلال الحوثيين مزايا عسكريه كبيره في مسرح العمليات يمكن يؤدي الي تعزيز فرص قيامها بالسيطرة علي باب المندب وإلى التأثير في أمن البحر الاحمر وإلى تشجيعها علي اقتحام مأرب والذي في حاله حدوثه يمكن أن يضيف أبعاداً خطيره لمجمل الأوضاع الإنسانية المتردية التي تشهدها اليمن. 

ويبدو أن التركيز بعد زلزال الانسحاب الامريكي من أفغانستان ينصب  على مراقبه قدرة طالبان على الحكم الفعلي للبلاد وعلي مدي التزامها بالمعايير الدولية المعنية باحترام حقوق الانسان خاصه حقوق المرأة وعلي متابعه قدره طالبان علي انهاء علاقاتها مع تنظيم القاعدة وجديتها  للتعاون من أجل محاربة داعش فضلا عن متابعه احتمالات أن تقوم كل من الصين وروسيا بالاعتراف بحكم طالبان في ظل صعوبة أن تقدم العديد من الدول على توفير الاعتراف الدولي بنظام الحكم الجديد في أفغانستان فضلا عن التأثير المحتمل للعقوبات التي قد تفرضها الديمقراطيات الغربية على طالبان في حاله تطبيقها لسياسات غير مقبولة دولياً  وعلى كيفيه تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة للشعب الافغاني دون أن يعزز ذلك من قدرة طالبان علي حكم البلاد .

ومع أهميه تلك القضايا الا أن ذلك لا يجب أن يشغل الديمقراطيات الغربية عن ضروره القيام بما يعرف ب”تقييم الضرر” Damage Assessment في ظل الحاجه إلى ضروره ادخال تغييرات جوهريه على منطلقات سياساتها الخارجية بما في ذلك التوقف عن القيام بالتدخلات العسكرية الا اذا جاءت متسقه مع القانون الدولي وعن محاوله تغيير نظم الحكم عن طريق التدخل المباشر السياسي والعسكري ، مع إدراك أن الجهود التي بذلت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ لمكافحه الارهاب لم تكلل بالنجاح المطلوب وأن هناك مدخلات جديده سياسيه وثقافيه ونظم صارمه لتجفيف منابع تمويل الارهاب ومنع لاستخدام المرتزقة يجب أن تحظي بالاهتمام بعد أن ثبت أن الخيار العسكري لا يصلح وحده لتحقيق هذا الهدف الأمر الذي يجب أن يمتد إلى ضرورة التوقف عن الرهان على الاسلام السياسي وعن تصور أنه يمكن يوفر بديلاً يمكن أن يسهم في تعزيز الديمقراطية واحترام حقوق الانسان.

فبعد النصر الذي حققه الغرب في الحرب الباردة دون اطلاق رصاصه واحده في ظل الاحداث التي شهدها العالم عام ١٩٨٩  بانهيار حائط برلين ثم وحدة الالمانيتين عام ١٩٩٠ ثم انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي عام ١٩٩١ تصورت القوى الغربية أن نموذجها السياسي والاقتصادي هو الذي يسود العالم وان المسئولية تقع علي عاتقها من اجل نشر الديمقراطية واحترام حقوق الانسان ، الا أن الاوضاع الداخلية الحقيقية في تلك الدول واتباع سياسات خارجيه تتسم في بعض الحالات تتسم بالاضطراب الشديد باتت تعزز من احتمالات الدخول الي مرحله ال Post American World يمكن أن تمتد إلى ان نشهد تراجعاً مطرداً في نفوذ وتأثير الغرب وهو ما قد يتزامن مع خلق فجوه في قياده العالم “”Leaderless World دون وجود بدائل جاهزة يمكن أن تقوم بملء تلك الفجوة وهو احتمال لا يجب أن نصل إليه وعليهم التحسب من احتمالات حدوثه.

السفير عمرو حلمي
مساعد وزير الخارجية السابق

مقالات أخرى للكاتب