حقوق إنسان وتنمية بشرية

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

تابعنا فى غضون أسبوع واحد مناسبتين شديدتى الأهمية: إعلان الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وإصدار تقرير التنمية البشرية. الكلام فى المناسبتين هو عن البشر، وليس عن الحجر، وفى مشاركة رئيس الجمهورية فى المناسبتين تأكيد لالتزام الدولة بقضية الإنسان فى بعديها الحقوقى والتنموي؛ وأتناول فى هذا المقال قضية حقوق الإنسان بسبب الدلالات المهمة التى تنطوى عليها. تعمد سياسيون وصحفيون غربيون، خلال السنوات الماضية، إثارة قضية حقوق الإنسان، فى مناسبات علنية حضرها الرئيس عبد الفتاح السيسي. لم يهتم الرئيس السيسى بالتفتيش فى نيات هؤلاء، وركز على إعلان موقفه بصراحة واستقامة، فتحدث عن اختلاف الظروف فى بلد فقير محدود الموارد يعمل بجد لبناء نفسه،…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

تابعنا فى غضون أسبوع واحد مناسبتين شديدتى الأهمية: إعلان الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وإصدار تقرير التنمية البشرية. الكلام فى المناسبتين هو عن البشر، وليس عن الحجر، وفى مشاركة رئيس الجمهورية فى المناسبتين تأكيد لالتزام الدولة بقضية الإنسان فى بعديها الحقوقى والتنموي؛ وأتناول فى هذا المقال قضية حقوق الإنسان بسبب الدلالات المهمة التى تنطوى عليها.

تعمد سياسيون وصحفيون غربيون، خلال السنوات الماضية، إثارة قضية حقوق الإنسان، فى مناسبات علنية حضرها الرئيس عبد الفتاح السيسي. لم يهتم الرئيس السيسى بالتفتيش فى نيات هؤلاء، وركز على إعلان موقفه بصراحة واستقامة، فتحدث عن اختلاف الظروف فى بلد فقير محدود الموارد يعمل بجد لبناء نفسه، وبين بلاد الغرب الغنية المتقدمة، التى لديها من الموارد والإمكانات ما يكفى لإطعام وتوظيف وعلاج كل المواطنين.

استخدم الرئيس السيسى حجتين قويتين للدفاع عن سياسة بلاده. الحجة الأولى هى حجة شمول حقوق الإنسان، منتقدا تركيز الغربيين على قضايا الحريات، فى مقابل تجاهلهم، شبه الكامل، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، التى تبذل الدولة المصرية فيها الكثير من الجهد، وتحقق فيها الكثير من النجاحات. الحجة الثانية تتعلق بالأولويات، إذ يصعب على الحكومة الاهتمام بكل القضايا بشكل متساو، خاصة لو أن بينها تعارضا، يفرض ترتيب الأولويات، واتخاذ قرار واع بتأجيل الاهتمام بقضايا معينة لمصلحة قضايا أخرى، وفى الحالة المصرية، فإن الانحياز كان لمصلحة التنمية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولو أدى ذلك إلى إهمال جانب الحريات.

لا أستطيع القول إن الحجج المستخدمة من جانبنا كانت مقنعة لكل الناس طوال الوقت، لكن المؤكد هو أن الاستقامة والوضوح التى ميزت مداخلات الرئيس السيسى أكسبته احترام القادة الغربيين؛ ودليلى هو علاقات التعاون الوثيق بين مصر ودول راسخة فى الديمقراطية وحقوق الإنسان فى أوروبا وما وراءها.

التعارض بين الحريات من جانب، والإصلاح الاقتصادى والتنمية من جانب آخر، ليس تعارضا مصطنعا، أو حجة يجرى استخدامها للتهرب من استحقاق الحريات، ويمكن للمقارنة بين مصر وتونس أن تفيدنا كثيرا فى هذا المجال. نجحت مصر فى تنفيذ إصلاح اقتصادى عميق، كانت أعباؤه ثقيلة على عموم الناس فى مراحله الأولى، لكن أغلبهم الآن يجنون ثماره. لا أقول إن الوضع الاقتصادى الراهن فى مصر مثالى، ولكنه بالتأكيد أفضل من الوضع الاقتصادى فى تونس، الذى عجزت النخب السياسية فيه عن تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الضرورية، لأنه فى ظل الحريات السياسية التى فاز بها التونسيون بعد الثورة، أصبح فى مقدور كل جماعة صغيرة تعطيل الإصلاح، عبر التهديد بالنزول إلى الشارع، فاضطرت الحكومات لتأجيل الإصلاح حفاظا على الهدوء والاستقرار.

الخضوع لابتزاز النخب السياسية، والتأجيل المتواصل لقرارات الإصلاح، أدخل النظام السياسى التونسى كله فى أزمة، عبرت عنها قرارات الرئيس التونسى فى الخامس والعشرين من يوليو، عندما قام الرئيس بتجميد عمل البرلمان، ورفع الحصانة عن أعضائه، وتركيز السلطات فى يد رئيس الجمهورية. يشير التأييد الشعبى الكبير الذى حظيت به قرارات الرئيس التونسى إلى أن منطق الأولويات ليس غريبا عن الطريقة التى يفكر بها عموم الناس؛ وأنه باستثناء النخب السياسية، فإن أغلب الناس يعطون الأولوية لحل مشكلات الاقتصاد والتنمية، حتى لو اقتضى ذلك تأجيل قضايا الحريات؛ ولعل تطورات الأحداث فى تونس تساعد المتابعين فى الغرب على فهم تعقيدات السياسة والاقتصاد فى البلاد النامية.

أعود إلى مصر، لأقول إن الضغوط لم تتوقف، فهناك مازال الكثير من سوء الفهم، وهناك أيضا خصوم حريصون على الإساءة لبلدنا والإضرار بمصالحه. حول هؤلاء حقوق الإنسان إلى قضية شائكة؛ فكان رد الفعل المفضل للإدارة المصرية هو تجنب القضية، اللهم إلا فى إطار الردود، التى اتسمت أحيانا بالعصبية، على ادعاءات حكومات أو منظمات أجنبية.

كان هذا السلوك مفهوما فى مرحلة معينة، انشغلت فيها الدولة المصرية بأولويات أمنية وتنموية، صرفتها عن الاهتمام بحقوق الإنسان. لقد تغير هذا النهج مع إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والتى نجد فيها ملامح لطريقة جديدة للتعامل مع الأمر، ووفقا لهذه الطريقة الجديدة، فإن حقوق الإنسان لم تعد قضية شائكة، تتجنب الحكومة إثارتها، وتكتفى بشأنها باتخاذ جانب رد الفعل. فى إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان إمساك بزمام المبادرة، وحرمان لدول ومنظمات بعينها من احتكار هذا الملف، وفيه أيضا تعاقد جديد تقيمه الدولة مع مواطنيها أولا، ومع المجتمع الدولى ثانيا، تلتزم الدولة المصرية بمقتضاه بأهداف ومعايير جديدة فى إدارة ملف الحقوق.

فى الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان نقاش صريح لقضايا الحبس الاحتياطى وحريات التعبير والتجمع والتنظيم، ومطالبة بإصلاح وتعزيز جهاز العدالة، وتطوير للعلاقة بين الحكومة ومنظمات حقوق الإنسان، وقد صيغ كل هذا فى شكل أهداف سيجرى العمل على تحقيقها خلال السنوات الخمس المقبلة، وتتم متابعة كل هذا فى تقرير يصدر سنويا لتقييم التقدم الحادث فى هذه المجالات.

الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان هى بداية الطريق وليست نهايته، ففيها إعلان نيات وبرنامج عمل ينتظر التنفيذ. المؤكد أن تنفيذ الوعود الواردة فى الاستراتيجية لن يكون سهلا دائما، خاصة أن تطورات الشرق الاوسط المضطرب تدعونا دائما للتأنى والحذر. المؤكد أيضا هو أن أن هناك التزاما رئاسيا بتحقيق تقدم كبير فى ملف حقوق الإنسان. والمؤكد ثالثا هو أن الدولة المصرية أصبحت أكثر صلابة، وأكثر ثقة، وأكثر قدرة على تناول ملفات كنا نتحسس عند الاقتراب منها.

نقلا عن جريدة الاهرام بتاريخ 16 سبتمبر 2021

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب