مقال تحليلي

أولويات الوعي المنشود في المجتمع المصري

الهدف الحاكم لكل ما يجري على أرض مصر حاليًا هو تنميتها وبناؤها بطريقة توفر حياة لائقة لمواطنيها، وتضع بلدنا في المكانة التي يستحقها بين الأمم؛ فجدير بالأمة التي كانت قديمًا مهدًا للحضارة أن تصبح في المستقبل واحدة من المساهمين الأساسيين في بناء الحضارة البشرية. التحدي هو أنه لا يمكن إنجاز هذا التحول عبر جهود الدولة وحدها، فبدون مساهمة ملايين المصريين لن يكون من الممكن تحقيق التقدم المنشود. أما المشكلة فتتمثل في أن كثيرًا من أنماط الوعي والقيم والثقافة السائدة بين فئات مختلفة من المجتمع المصري لا تسمح لها بأن تكون مساهمًا فعالًا في النهضة المنشودة. سياقات مشكلة الوعي (*) تُجيز…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

الهدف الحاكم لكل ما يجري على أرض مصر حاليًا هو تنميتها وبناؤها بطريقة توفر حياة لائقة لمواطنيها، وتضع بلدنا في المكانة التي يستحقها بين الأمم؛ فجدير بالأمة التي كانت قديمًا مهدًا للحضارة أن تصبح في المستقبل واحدة من المساهمين الأساسيين في بناء الحضارة البشرية. التحدي هو أنه لا يمكن إنجاز هذا التحول عبر جهود الدولة وحدها، فبدون مساهمة ملايين المصريين لن يكون من الممكن تحقيق التقدم المنشود. أما المشكلة فتتمثل في أن كثيرًا من أنماط الوعي والقيم والثقافة السائدة بين فئات مختلفة من المجتمع المصري لا تسمح لها بأن تكون مساهمًا فعالًا في النهضة المنشودة.

سياقات مشكلة الوعي

(*) تُجيز بعضُ أنماط الوعي المنتشرة في مصر لأصحابها التصرف بطريقة تقوّض ما تم بناؤه بالفعل، لكن الإشكالية هنا تتمثل في أن الوعي -في أغلبه- هو نتاج للظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كما لو كان علينا أن نقوم بإنجاز التنمية أولًا كشرط لإنتاج الوعي المنشود، بينما لن يكون بإمكاننا إنجاز هذه التنمية قبل توافر الوعي الضروري، فمن أين نبدأ؟.

(*) هذا النوع من إشكاليات الوعي ليس غريبًا على علوم المجتمع، حيث تترابط العوامل والظواهر بطريقة معقدة، تجعل من الصعب وضعها في ترتيب زمني لنعرف أيها يحدث أولًا، أو وضعها في ترتيب سببي لنقرر أي عامل منها هو السبب وأيها النتيجة. لم تقف علوم المجتمع عاجزة أمام مثل هذه الإشكاليات، فقد شخصتها، واقترحت لها حلولًا. أما حل مشكلة الوعي فيقع في المجال السياسي، فهناك توجد الدولة، بكل ما لها من سلطة ورؤية وإرادة وموارد، لتتولى تغيير الوعي بيد، فيما تتولى البناء باليد الأخرى، بحيث يُعزز كل من الوعي الجاري تغييره تدريجيًا، والبناء المتعاظم مع الوقت، بعضهما بعضًا.

(*) ما هي أوجه الوعي غير المواتية للتنمية المطلوب تغييرها؟ وما هي القيم وأنماط الوعي المطلوب استحداثها في العقل الجمعي للمواطنين المصريين؟. المؤكد أننا نحتاج إلى جهود بحثية ترسم لنا خريطة القيم وأنماط الوعي المصري، فما لدينا حول هذه القضية هو إما نتائج دراسات ترجع إلى سنوات كثيرة مضت، فيما المجتمع يمر بفترة تغير شديدة السرعة في القيم والثقافة والذائقة والأفكار والمعتقدات. هناك أيضًا انطباعاتنا التي قد تُصيب وقد تُخطئ، لأنها في الأخير مجرد انطباعات. ولن نملّ من المطالبة بتوفير الموارد والشروط اللازمة لإجراء بحوث عملية تدرس ثقافة المصريين وقيهم وأخلاقهم، لتكون نتائج هذه الدراسات هي الأساس الذي تعتمد عليه الدولة في عملية تغيير الوعي في الاتجاه المنشود. وحتى يتم إجراء الدراسات اللازمة، فلا مفرّ من الاعتماد على الانطباعات، بكل ما يقيدها من حدود وقيود.

(*) القضية الأهم في هذا المجال هي ضرورة تحرير قضية الوعي المنشود من الخلافات الأيديولوجية، وضرورة التمييز بين أنماط الوعي الضروري لكل مجتمع حديث، بغض النظر عن التصورات الأيديولوجية لأصحابه، وبين القيم وأنماط الوعي المرتبطة بعقائد وأيديولوجيات بعينها. الغرض من هذا التمييز هو ضرورة تحييد الدولة في الصراعات الأيديولوجية، وكسب تأييد المجتمع كله لقضية تغيير الوعي، فيما تبقى هناك مساحات تتنافس فيها التيارات الأيديولوجية المختلفة. فالدولة هي تعبير عن المشترك الوطني، والمصلحة العامة، وعلينا أن نحد بقدر المستطاع من توريطها في صراعات أيديولوجية، فيما نترك للقوى الأيديولوجية حرية التباري لكسب تأييد المجتمع.

مشكلات الوعي المصري

(*) الاعتداء على المجال العام: ينتشر بين كثير من المصريين اعتقاد بأن الأشياء الموجودة في المجال العام هي أشياء مستباحة، له أن يتصرف فيها كما يشاء. عالم هؤلاء الأشخاص ضيق جدًا، يتكون من الأسرة والمال والممتلكات الخاصة، أما ما عدا ذلك فهي أشياء لا تمت لأحد بصلة، فلا هو يمتلكها ولا هي مملوكة لآخرين، إنما هي أشياء مشاع، يمكن لأي فرد أن يتصرف فيها كما يشاء. ظاهرة الشقق النظيفة، ذات الأثاث الفاخر، والألوان المبهرة، الموجودة في عمارات تتراكم الفضلات في مناورها وعلى سلالمها، لأن كثيرًا من السكان يمتنعون عن دفع جنيهات قليلة لتغطية تكلفة صيانة المنافع العامة، المملوكة لكل السكان بشكل مشترك.

(*) الوضع يصبح أكثر سوءًا لو خرجنا من العمارة إلى الشارع، فهناك تجد الكثيرين يعتبرون أنه من العادي إلقاء المخلفات في الشارع، وربما لفت نظرك أحيانًا أن من يقومون بذلك رجال ونساء شديدو الأناقة يركبون سيارات فارهة، تدل على أن أصحابها من الميسورين. الطرق الجديدة في المناطق النائية هي مساحات مستباحة من جانب سائقي الشاحنات التي تتولى نقل مخلفات البناء، وبعض القمامة أيضًا، فتجدهم يستكثرون علينا الطريق العريض، ويقررون أن مستخدمي الطريق لا يحتاجون لأكثر من حارة واحدة منه، فيحولون باقي الحارات إلى مكبات للنفايات.

(*) كل هذه الممارسات، وأمثالها الكثير، تعكس أنانية مفرطة، وعجزًا عن إدراك معنى وقيمة المنافع العامة، وحق كل الناس في الاستمتاع بها بشكل متساوٍ، وواجبهم المشترك في عدم الإضرار بها أو الاعتداء عليها. وفي المقابل، لا بد من تنمية وعي جديد، يدرك قيمة المنافع والممتلكات العامة، ومسئولياتنا المشتركة عنها.

(*) الفهلوة المجتمعية هي مظهر من مظاهر الوعي الرديء، ومعناها ببساطة أن يصل الفرد إلى غرضه بأي طريقة، وأن يتصرف في كل موقف وفقًا لطبيعته، وليس وفقًا لخطة أو مبادئ اختارها لنفسه عن وعي. بالنسبة للفهلوي، ليس مهمًا أن تكون طريقته في الوصول إلى الغرض مشروعة، وليس مهمًا لو أنه يلجأ للكذب الصريح للخروج، والذي يكون خروجًا مؤقتًا في أغلب الأحوال من مأزق ما. الفهلوي لا يحل المشكلات، ولكنها يرقعها، أو يضع طاقية هذا فوق رأس ذاك، فتنتكشف الحيلة بعد ساعات أو أيام، فيخترع الفهلوي حيلة أخرى تُخرجه من المأزق الجديد، لكنه أبدًا لا يفكر في حل المشكلة من جذرها.

(*) الفهلوة المنتشرة بين عموم الناس، بمن فيهم موظفون داخل الجهاز الإداري للدولة، هي المسئولة عن كل التهرب من تقديم حلول جذرية لمشكلاتنا، وكل الترقيعات التي لحقت بسياسات الاقتصاد والتعليم والصحة والعمران والتوظيف والإدارة على مدى عقود طويلة ماضية. وإذا كانت الفهلوة هي نمط الوعي الخرب، فلا أعرف بالضبط ما هو عكس الفهلوة الذي نريد أن نؤسس له في وعي مواطنينا؛ لأن الفهلوة هي عبارة عن حزمة من أنماط الوعي، التي لا بد من فصلها عن بعضها بعضًا، والتعامل معها كل على حدة. وعلى سبيل التبسيط فإنه يُمكن تمييز أنماط الوعي الفرعية التالية ضمن إطار المفهوم العريض للفهلوة.

(*) الكذب: يُمكن للفهلوي أن يكذب دون أن يشعر بأي تأنيب للضمير، فهو لا يهتم بأن ينطق بالحقيقة، ولكنه ينطق فقط بما يخدم مصلحته، فيزيد مكاسبه أو يقلل خسائره. يدعي الفهلوي أن لديه خبرات طويلة في أشياء لم يفعلها من قبل، فالمهم أن تتورط وتتعاقد معه. لدى الفهلوي أكاذيب جاهزة لتبرير أخطائه، وبشكل خاص فإنه لا يشعر بأي تأنيب ضمير عندما يُلقي بمسئولية الفشل على آخرين. الصدق هو القيمة البديلة التي نحتاج إلى غرسها في الوعي المصري.

(*) قصر النظر: تنكشف ادّعاءات الفهلوي بعد حين، وتصبح عصية على التصديق، فلا يعود من تعامل معه مرة للتعامل معه ثانية، لكن الفهلوي لا يهتم لكل هذا، فالمهم هو أنه خرج من الموقف الحرج، أما بناء علاقات عمل واستثمار وبناء طويلة الأمد فليست من أولوياته بالمرة، فهو في كل مرة يبدأ من جديد، فيظل دائمًا قريبًا من نقطة البداية، دون تراكم أو تقدم إلى الأمام. التفكير والتخطيط بعيد المدى هو القيمة البديلة التي نحتاج إلى غرسها في الوعي المصري، بدلًا من قصر النظر.

(*) الاتكالية والقدرية: في مرات كثيرة يتصرف الناس بطريقة توقعهم في المشكلات، أو تضع عليهم أعباء فوق طاقتهم، لكنهم مع هذا يواصلون التصرف بالطريقة نفسها، ظنًا منهم أن المشكلات تحل نفسها، أو اتكالًا على أن الأقدار سترتب لهم من ينتشلهم من المأزق. الإفراط في الإنجاب فيما وراء القدرة والموارد الاقتصادية، ثم البحث عن المحسنين من أهل الخير لاستجداء نفقات إعالة الأطفال الكثر. هناك أيضًا التورط في المبالغة في تجهيز العروس، فيما وراء ما هو متاح من موارد، والتورط في التوقيع على أوراق تنتهي بصاحبها في السجن، اعتمادًا على أهل الخير الذين يتولون إخراج الغارمات من الحبس.

(*) الاتكالية والقدرية هي نمط وعي لشخص غير قادر على تحمل المسئولية عن أفعاله، ولا يشعر بأي غضاضة في أن يتولى الآخرون تحمل هذه المسئولية عنه. تكوين الإنسان المسئول الذي يتحسب لتبعات أعماله، ويتحمل المسئولية عن القرارات التي يتخذها بكامل حريته وإرادته؛ هذا هو نمط الوعي المطلوب غرسه في الوعي المصري.

(*) لقد تكون الوعي الجمعي السائد بين عموم الناس بشكل تلقائي على مدى عقود وقرون طويلة، استجابة وتأثرًا بظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية معينة، ويصعب تصور أن ما تم بناؤه تدريجيًا على مدى قرون طويلة يمكن تغييره في فترة قصيرة. الدراسات العلمية، والخطط المحكمة، والمثابرة؛ هي سبيلنا لاستبدال وعي جديد بالوعي الفاسد.

نقلا عن العدد 33 من تقديرات مصرية

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة