الإعلان الدستورى فى تونس

عضو الهيئة الاستشارية

بعد قراراته الاستثنائية فى 25 يوليو الماضى، أصدر الرئيس التونسى، قبل أيام، أمرا رئاسيا جديدا يمدد تعليق عمل البرلمان، مع استمرار رفع الحصانة البرلمانية عن جميع أعضائه. وتتضمن التدابير الجديدة تولى رئيس الجمهورية إعداد مشاريع التعديلات المتعلقة بالإصلاحات السياسية بالاستعانة بلجنة يتم تنظيمها بأمر رئاسي. كما تنص الإجراءات على أن “يتم إصدار القوانين ذات الصبغة التشريعية فى شكل مراسيم يختمها رئيس الجمهورية. يمكن اعتبار ما تقدم اعلانا دستوريا او دستورا انتقاليا، يضع كل السلطات التشريعية والتنفيذية وتنظيم عمل باقى المؤسسات فى يد رئيس الدولة، خلال المرحلة الانتقالية. وهو يتسق تماما مع قرارات الرئيس السابقة. الرئيس التونسى لم يعلن مباشرة حل…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

بعد قراراته الاستثنائية فى 25 يوليو الماضى، أصدر الرئيس التونسى، قبل أيام، أمرا رئاسيا جديدا يمدد تعليق عمل البرلمان، مع استمرار رفع الحصانة البرلمانية عن جميع أعضائه. وتتضمن التدابير الجديدة تولى رئيس الجمهورية إعداد مشاريع التعديلات المتعلقة بالإصلاحات السياسية بالاستعانة بلجنة يتم تنظيمها بأمر رئاسي. كما تنص الإجراءات على أن “يتم إصدار القوانين ذات الصبغة التشريعية فى شكل مراسيم يختمها رئيس الجمهورية.


يمكن اعتبار ما تقدم اعلانا دستوريا او دستورا انتقاليا، يضع كل السلطات التشريعية والتنفيذية وتنظيم عمل باقى المؤسسات فى يد رئيس الدولة، خلال المرحلة الانتقالية. وهو يتسق تماما مع قرارات الرئيس السابقة. الرئيس التونسى لم يعلن مباشرة حل البرلمان، الا انه واصل من خلال قراراته الاستثنائية الجديدة تعليق جميع اختصاصاته وتجريد رئيس البرلمان وكل أعضائه من كل السلطات والامتيازات التى كانوا يتمتعون بها. وهذا يعنى، من الناحية العملية، انتهاء عمل البرلمان بتشكيلته الحالية، بحيث سيتم إصدار النصوص ذات الصيغة التشريعية فى شكل مراسيم رئاسية غير قابلة للطعن بالإلغاء.


من ناحية أخرى، تبدو قرارات الرئيس الأخيرة كأنها تعليق جزئى لمواد صيغت على عجل للانفراد بالسلطة وتركيزها لدى حزب الأغلبية فى البرلمان (حركة النهضة). وبالتالى فإن التعديل فى هذا الاتجاه يتماشى مع تصورات قيس سعيد بخصوص نظام الحكم فى تونس، الذى دافع عنه خلال حملته الانتخابية، وهو تحول تونس الى نظام رئاسى يتمتع الرئيس فى إطاره بصلاحيات واسعة، كما كان عليه الامر فى دستور 1959، بينما يقوم رئيس الحكومة المعين بدور المسير والمنسق للأعمال، والمنفذ لتوجيهات رئيس الدولة.


وفى تعديل جديد على الدستور، أصدر الرئيس التونسى قرارا مكن فيه وزير العدل من إدارة زمام الدولة، فى حال عجزه أو عجز رئيس الحكومة، وذلك فى سابقة لم تذكر فى دستور عام 2014، على ان يؤدى، سواء رئيس الحكومة او وزير العدل اليمين الدستورية امام مجلس الوزراء. هذا يعنى تأكيد نهاية العمل بالبرلمان المجمد، وقطع الطريق امام أى محاولات لعودة العمل بتشكيلته السابقة، وقطع الطريق أيضا امام عودة رئيسه راشد الغنوشي. ويعنى، أيضا ان اختيار سعيد لرئيس الحكومة ووزير العدل سيكون مبنيا على عنصر الثقة، وعلى قدرة الأسماء المقترحة للمنصبين على استكمال مسلسل الإصلاحات الذى بدأه قيس سعيد.


قرارات الرئيس التونسى الاستثنائية، قسمت الشارع الى مؤيد ورافض ومتخوف. ودفعت هذه القرارات الكثير من قيادات حركة النهضة الى الاستقالة، احتجاجا على أداء القيادة وما وصفوه بـالاخفاق فى معركة الاصلاح الداخلى للحزب، فى أكبر ضربة حتى الآن للحزب الذى يواجه انقسامات حادة. كما انها كشفت انهيار الطبقة السياسية وأحزاب السلطة ومؤسساتها. بينما أظهر التأييد الشعبى لهذه القرارات رغبة التونسيين فى القطع مع مسلسل التجاذبات السياسية العقيمة، وإيجاد مخرج للأزمة الاقتصادية التى تعصف بالبلاد منذ سنوات، وزادت حدتها مع أزمة كوفيد-19، والرغبة فى وقف مسار الفساد والنهب والسياسات المجحفة التى دفعت 4 ملايين شخص جدد إلى تحت خط الفقر.


يبدو ان الظروف مهيأة لانتقال سياسى جديد فى تونس، بالرغم من تحركات الخصوم وتخوفات المؤيدين. وما يحدد النجاح على هذا المستوى هو: أولا، قدرة الرئيس سعيد على المضى فى تنفيذ ما يرى فيه صالحا لمستقبل الوطن، بغض النظر عن الإشكاليات التى تحوم حول تأويل الفصول. ثانيا، دعم الاتحاد التونسى للشغل والمنظمات الوطنية والنقابية الأخرى، وكذلك المجالس المحلية لقرارات الرئيس ومشاركتها له فى معركة الانتقال الآمن. فعلى أكتافها تقع مسئولية الحفاظ على وحدة تونس، وتماسك الدولة وحمايتها من الانهيار. كما يقع على عاتقها اليقظة والمشاركة الفعالة من اجل انجاح مشروع سياسى بديل فى تونس.


ثالثا، ردود الأفعال الدولية، خاصة من جانب أمريكا والدول الأوروبية، بخصوص قرارات سعيد، والتى سوف تؤثر سلبيا او إيجابيا فى طبيعة الأجواء المصاحبة للفترة المقبلة. واخيرا، الدعم الذى ستقدمه بعض القوى الاقليمية لحركة النهضة، والذى سيكون عنصرا مهما فى تحديد طبيعة المرحلة المقبلة، ومدى الالتزام بالسلمية، او لا قدر الله الانزلاق نحو الفوضى والعنف اللذين سيكلفان تونس والمنطقة الكثير. وفى جميع الحالات، يبقى التخوف الأكبر من أن تتحول تونس، وسط كل هذه التجاذبات، الى ساحة للتدخلات الأجنبية.

نقلا عن جريدة بوابة الاهرام بتاريخ 30 سبتمبر 2021

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب