دروس أكتوبر مازالت تصنع الدهشة

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

فى أكتوبر عبر المصريون القناة، وعبروا المسافة بين الهزيمة والنصر؛ بين المراهقة والنضج السياسي؛ وبين المهانة والكرامة. فى أكتوبر1973 حققت مصر انتصارا عسكريا كبيرا. السادات القائد، والجيش الوطنى المصرى، والشعب صاحب الهوية الوطنية الضاربة بجذورها فى التاريخ. هذه هى أضلاع المثلث الذى انتصر فى أكتوبر. قيادة قرأت المشهد جيدا، فتحملت المسئولية، واتخذت القرارات الصائبة. جيش وطنى محترف، منضبط لوطنيته، لا يتردد فى الإقدام على التضحية. شعب يؤمن بهويته الوطنية، ينتفض من أجلها، ويضحى من أجلها أيضا. حرب أكتوبر هى أول حرب حقيقية تخوضها مصر المستقلة. حاربت مصر الكثير من الحروب فى القرن التاسع عشر، فى الجزيرة العربية واليونان والسودان والأناضول…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

فى أكتوبر عبر المصريون القناة، وعبروا المسافة بين الهزيمة والنصر؛ بين المراهقة والنضج السياسي؛ وبين المهانة والكرامة. فى أكتوبر1973 حققت مصر انتصارا عسكريا كبيرا. السادات القائد، والجيش الوطنى المصرى، والشعب صاحب الهوية الوطنية الضاربة بجذورها فى التاريخ. هذه هى أضلاع المثلث الذى انتصر فى أكتوبر. قيادة قرأت المشهد جيدا، فتحملت المسئولية، واتخذت القرارات الصائبة. جيش وطنى محترف، منضبط لوطنيته، لا يتردد فى الإقدام على التضحية. شعب يؤمن بهويته الوطنية، ينتفض من أجلها، ويضحى من أجلها أيضا.

حرب أكتوبر هى أول حرب حقيقية تخوضها مصر المستقلة. حاربت مصر الكثير من الحروب فى القرن التاسع عشر، فى الجزيرة العربية واليونان والسودان والأناضول والحبشة، وحتى فى شبه جزيرة القرم والمكسيك. لم تكن مصر وقتها مستقلة تماما، ولم تكن هذه حروبا وطنية، بقدر ما كانت حروبا لحكام ذوى نوازع إمبراطورية. بعد الاستقلال حاربنا فى فلسطين وسيناء واليمن، غير أنه لم يظهر علينا أننا تعلمنا دروسا مفيدة من هذه الحروب، لكننا فى يونيو 1967 دفعنا ثمنا باهظا لنتعلم أن الحرب الحديثة ليست نزهة، وليست مسألة شجاعة أو كرامة، ولا هى امتداد للأيديولوجيا والزعامة، لكنها حسابات دقيقية لحماية الأمن القومي.

فى أكتوبر أظهر الجيش والقيادة المصرية أننا تعلمنا درس الأمن القومى والحرب الحديثة بدرجة امتياز، فحقق جيشنا انتصارا كانت كل الحسابات تعتبره من المستحيلات.فى حرب أكتوبر الكثير من التخطيط الخلاق الذى عكس امتلاك القيادة والجيش فى مصر لقواعد التفكير الاستراتيجى السليم. قبل أكتوبر كنا نخطط لشن حرب تطرد العدو من أرض سيناء، لكن العدو كان متفوقا، وله حلفاء أقوياء مخلصون، حتى إن مهمة التحرير كادت تعتبر مستحيلة. طورت القيادة والقوات المسلحة استراتيجية الحرب العسكرية المحدودة، والتنسيق العربى للضغط بسلاح النفط، والمزاوجة بين الحرب والدبلوماسية. حققت هذه الاستراتيجية المركبة لمصر الانتصار، وأعادت لها الأرض المحتلة، وحمتها من ضغوط وتمزقات عانت منها مجتمعات كثيرة فى المنطقة من حولنا.

كشفت السنوات القليلة الفاصلة بين يونيو وأكتوبر عن معان كامنة فى التكوين الثقافى والسياسى المصرى، وعن العمق التاريخى للأمة والهوية الوطنية المصرية، وعن سمات وخصائص تميزها عن الجوار. فى حرب يونيو خسرت مصر سيناء، وخسرت سوريا الجولان. لم يحتمل الرئيس جمال عبدالناصر ثقل الهزيمة، فأعلن استقالته، فى حين لم يستقل أحد فى سوريا بعد الهزيمة. خرج المصريون فى التاسع والعاشر من يونيو 1967 لمساندة قائدهم المهزوم، لكنهم لم يتسامحوا مع بقاء جزء من أرضهم تحت الاحتلال.

فى فبراير 1968 خرجت مظاهرات عارمة فى جامعات مصر ومصانعها احتجاجا على ما اعتبره المصريون تساهلا مع المسئولين عن الهزيمة. كانت هذه أول احتجاجات تخرج ضد الزعيم التاريخى جمال عبد الناصر، الذى آمن المصريون بزعامته، غير أن إيمانهم به لم يسم أو يعل على إيمانهم بهويتهم الوطنية. مات عبد الناصر فى سبتمبر 1970 من وطأة الأمراض التى لحقت به بعد الهزيمة، فوطنيته المصرية وشعوره بالمسئولية حملاه مسئولية كانت أثقل من قدرة جسده على الاحتمال. لم يستقل، أو يمت أحد من قادة سوريا تحت وطأة الهزيمة، بل إن حافظ الأسد، وزير دفاع سوريا إبان حرب يونيو، أصبح فى فبراير 1971 زعيما وحيدا للبلاد.

اتسمت السنوات التالية لهزيمة يونيو فى مصر بعدم استقرار شديد، بسبب الاحتجاجات المتكررة ضد استمرار احتلال الأرض. تحولت الهزيمة واحتلال سيناء إلى معول يهدم شرعية الحكم، وسكين يمزق استقرار البلاد، ولم يكن هناك مفر من الحرب والنصر، حتى يمكن لهذا البلد استعادة حياته الطبيعية. أدخل جمال عبدالناصر عقيدة القومية العربية إلى مصر، بعد أن أصبح الزعيم الأهم فى تاريخ حركة القومية العربية، لكن هزيمة يونيو كشفت هوية المصريين وناصر المصرية الأصيلة، وأكدت أن مصرية المصريين أقوى من اى هويات أوأيديولوجيات مستحدثة. فى سوريا وجدت النخب الحاكمة راحة كبيرة فى عقيدة القومية العربية، التى أعفتهم من تأنيب الضمير والشعور بالذنب بسبب خسارة الحرب واحتلال الأرض؛ فالجولان عربية، خسرناها فى حرب من أجل العروبة، ومسئولية استعادتها تقع على كاهل كل العرب، وليس على سوريا وأهلها فقط، فسوريا من منظور العروبة الوحدوية ليست دولة ولا هى هوية وطنية، إنما هى مصطلح جغرافى، وكيان صنعه الاستعمار، ينتظر مصيره المحتوم فى الذوبان فى دولة الوحدة العربية الكبيرة. لم تتحقق الوحدة العربية، ولم يعد الجولان المحتل، بل وبات الوطن السورى كله مهددا، بسبب هشاشة الدولة ونقص الهوية الوطنية. لقد اهتزت ثقة الأمة المصرية فى نفسها بشدة بعد حرب يونيو، وتساءل المصريون ما إذا كانوا قادرين على التصرف كأمة حديثة، تحكم العلم والمعرفة والخبرة والكفاءة فى إدارة شئونها، أم أنهم مجرد جمع عشوائى لحشود ثرثارة، تحركها الانفعالات، وتساق بالعصا والشعارات. فى حرب أكتوبر اجتاز المصريون اختبار الجدارة للوطنية والحداثة والمصداقية والعلم والتكنولوجيا الحديثة والتخطيط والتنظيم والتدبر والدقة والاقتصاد فى استخدام الكلمات. عشت حرب يونيو طفلا، وعشت حرب أكتوبر فتى مراهقا، وأعرف بالخبرة المباشرة، وبالنظر إلى الوجوه، والاستماع إلى نبرات الصوت، الفارق بين مشاعر النصر ومشاعر الهزيمة، بين مشاعر الانكسار ومشاعر الافتخار. فتحية تقدير وامتنان لكل من مسح الانكسار من على الوجوه، وزرع محله الفخر والثقة.

نفلا عن جريده الاهرام الخميس7 أكتوبر 2021 

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب