وحدة الدراسات الاقتصادية

كيف أثّرت جائحة كورونا على اقتصادات الدول الأقل نموًا؟

أثّرت الجائحة على اقتصادات العالم، ولكن جاء تأثيرها بشكل متفاوت من دولة إلى أخرى بناء على مواردها المالية والبشرية الحالية، واستعداديتها ومرونتها للأزمة الصحية والاجتماعية والاقتصادية الحالية. وعلى الرغم من أن أقل البلدان نموًا تحقق متوسط معدلات نمو أعلى من المتوسط العالمي، إلا أنها لا تزال تتخلف بشكل كبير عن باقي دول العالم، الأمر الذي تركها أكثر عرضة للندوب الناجمة عن الجائحة، وأكثر عرضة لتخلّفها عن تحقيق أهداف التنمية المستدامة. أولًا- الوضع الحالي لأقل البلدان نموًا: وفقًا للتقرير السنوي “أقل البلدان نموًا” المقدم من مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في 2021، تشمل فئة أقل البلدان نموًا 46 دولة، ويتم…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أثّرت الجائحة على اقتصادات العالم، ولكن جاء تأثيرها بشكل متفاوت من دولة إلى أخرى بناء على مواردها المالية والبشرية الحالية، واستعداديتها ومرونتها للأزمة الصحية والاجتماعية والاقتصادية الحالية. وعلى الرغم من أن أقل البلدان نموًا تحقق متوسط معدلات نمو أعلى من المتوسط العالمي، إلا أنها لا تزال تتخلف بشكل كبير عن باقي دول العالم، الأمر الذي تركها أكثر عرضة للندوب الناجمة عن الجائحة، وأكثر عرضة لتخلّفها عن تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

أولًا- الوضع الحالي لأقل البلدان نموًا:

وفقًا للتقرير السنوي “أقل البلدان نموًا” المقدم من مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) في 2021، تشمل فئة أقل البلدان نموًا 46 دولة، ويتم مراجعة هذه الفئة كل ثلاث سنوات، وكانت آخر مراجعة في فبراير 2021 للفترة من عام 2017 إلى 2020. وتبلغ حصة أقل البلدان نموًا من الناتج المحلي الإجمالي العالمي أقل من 1% في 2019، وهو ما يعتبر نفس المستوى منذ تأسيس هذه الفئة في 1971. في حين انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لأقل البلدان نموًا من حوالي 15% من المتوسط العالمي في 1971 إلى أقل من 10% في 2019. كذلك فإن دول المجموعة تسجل معدلات مرتفعة من عدم المساواة في الدخل، الأمر الذي -بجانب نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي المنخفض بالفعل- يؤدي إلى ارتفاع معدلات الفقر (المرتفعة بالفعل).

إضافة إلى ذلك، بلغ متوسط النمو للدول البالغ عددها 46 دولة 3.7% في الفترة من 1971 إلى 2019، لترتفع قيمة الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من 200 مليار دولار في 1971 إلى 1،118 مليار دولار في 2019 (باستخدام الأسعار الثابتة لعام 2015). وعلى الرغم من أن هذه النسبة تعد أعلى من المتوسط العالمي البالغ 3.1%، إلا أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نما بوتيرة أبطأ تبلغ 1.3% بسبب الزيادة في التعداد السكاني السريعة، ليرتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في دول مجموعة أقل البلدان نموًا من حوالي 600 دولار في 1971 إلى 1082 دولارًا في 2019.

ثانيًا- معايير فئة أقل البلدان نموًا:

ووفًقا لتقرير الأونكتاد، يتم تحديد هذه الفئة بناء على ثلاثة مؤشرات أو معايير. أولًا: مؤشر الدخل، حيث إن التقرير يأخذ متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي بالدولار لثلاث سنوات، وتندرج الدول تحت هذه الفئة إذا كان نصيب الفرد من إجمالي الدخل القومي أقل من 1،018 دولار (وهي مبنية على معايير البنك الدولي). في حين تخرج الدول من هذه الفئة حين يرتفع نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي عن 1،222 دولار. ثانيًا: مؤشر الأصول البشرية، وهو مؤشر يعتمد على مؤشرين فرعيين؛ الصحة والتعليم. يعتمد المؤشر الفرعي للصحة على ثلاثة محاور هي: نسبة الوفيات بين الأطفال أصغر من 5 سنوات، ومعدل وفيات الأمهات، وانتشار التقزم. كما يعتمد المؤشر الفرعي للتعليم على ثلاثة محاور هي: النسبة الإجمالية للالتحاق بالمدارس الثانوية، ومعدل محو الأمية بين الكبار، ومؤشر التكافؤ بين الجنسين لإجمالي حجم الالتحاق بالمدارس الثانوية. وتندرج الدول تحت فئة أقل البلدان نموًا حين يبلغ المؤشر 60 نقطة أو أقل، وتخرج الدول من هذه الفئة حين تسجل 66 نقطة أو أكثر. ثالثًا: مؤشر الضعف الاقتصادي والبيئي، وهو مؤشر يعتمد على مؤشرين فرعيين؛ الأول للضعف الاقتصادي والثاني للضعف البيئي. ويتكون مؤشر الضعف الاقتصادي من أربعة محاور هي: نسبة الزراعة والصيد والغابات وصيد الأسماك من إجمالي الناتج المحلي، والبعد وعدم وجود سواحل، وتركز الصادرات السلعية، وعدم استقرار صادرات السلع والخدمات. كما يتكون المؤشر الفرعي للضعف البيئي من أربعة محاور: حصة السكان المرتفعة في المناطق الساحلية المنخفضة، ونسبة السكان الذين يعيشون في الأراضي الجافة، وعدم استقرار الإنتاج الزراعي، وضحايا الكوارث. وتندرج الدول تحت فئة أقل البلدان نموًا حين يبلغ المؤشر 36 أو أعلى وتخرج الدول من هذه الفئة حين تسجل 32 أو أقل.

ثالثًا- تأثر أقل البلدان نموًا في عصر الجائحة:

أثرت الجائحة على اقتصادات أقل البلدان نموًا تمامًا كما هو الحال على الفئات الأخرى (مثل الدول الناشئة والمتقدمة)، ولكن جاء تأثير الجائحة على أقل البلدان نموًا بشكل أكثر حدة. ووفقًا للتقرير، فقد سجلت أقل البلدان نموًا أسوأ أداء اقتصاديًا واجتماعيًا منذ أوائل الثمانينيات. وبالإضافة إلى صدمات العرض والطلب وانخفاض تدفقات تحويلات العاملين بالخارج والاستثمار الأجنبي المباشر وغيرها من الاضطرابات في الأسواق، فقد كانت قدرة الحكومات على مساعدة اقتصاداتها محدودة، حيث انخفضت الإيرادات العامة، مع توقف العديد من الأنشطة في الدول بسبب تطبيق سياسات التباعد الاجتماعي والعمل من المنزل مع وقف أنشطة العديد من القطاعات مثل قطاعات الترفيه، هذا بالإضافة إلى الاضطرابات بسبب سلاسل التوريد العالمية ووقف حركة التجارة وغيرها من الاضطرابات. الأمر الذي زاد من الحاجة إلى التدخل الحكومي وزيادة المساعدات. وعلى الرغم من أن المساعدات الإنمائية الرسمية ارتفعت بنسبة 1.8% في 2020 مقارنة بالعام الذي سبقه؛ إلا أنها لم تساهم بالكثير في ظل النقص الحاد في النقد الأجنبي، هذا بالإضافة إلى انخفاض قيمة العملات في العديد من دول أقل البلدان نموًا.

وفي المدى المتوسط، فإن هناك أربعة عوامل من شأنها التأثير على الناتج المحلي الإجمالي في أقل البلدان نموًا؛ أولًا: انخفاض الموارد المالية المخصصة للاستثمار سواء من قِبَل مستثمرين محليين أو أجانب بسبب تزايد عدم اليقين بشأن الوضع الاقتصادي أو بسبب توجيه الحكومات مواردها المالية بشكل أكبر في ناحية المساعدات الاجتماعية. ثانيًا: تواجه الشركات المتواجدة بالفعل سواء كانت شركات نشطة في الوقت الحالي أو غير نشطة أزمات مالية والتي أدت إلى إفلاس العديد منها، هذا بالإضافة إلى صعوبة الحصول على ائتمان وخصوصًا بين الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر، الأمر الذي سيؤثر على قدرة هذه الأعمال على العودة إلى ما كانت عليه مع تأثر رؤية الأفراد لريادة الأعمال لفترة طويلة. ثالثًا: من المتوقّع عدم عودة أولئك الذين تركوا المدارس والتعليم مرة أخرى وبشكل أساسي بين النساء، مما سيؤثر بشكل ضخم على رأس المال البشري وعلى المساواة بين الجنسين في التعليم. أخيرًا: لا تزال التغيرات في استراتيجيات الدول عالميًا بشأن الانفتاح واعتمادها على التجارة الدولية غير واضحة تمامًا كما هو الحال بشأن سلوك المستهلكين ما بعد الجائحة وقدرة هذه الدول على التنافس في السوق العالمي مرة أخرى في قطاعاتها الرائدة.

رابعًا- تقدير تكلفة تحقيق أهداف التنمية المستدامة:

محت الجائحة الكثير من الخطوات التي تم تحقيقها في محاولة للوصول إلى أهداف التنمية المستدامة والتي كانت بالفعل خطوات صعبة التحقق بسبب الموارد البشرية والمالية المحدودة لهذه الدول. الأمر الذي سيزيد من صعوبة تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030 مع تدهور وضع الموارد المالية والبشرية ومع مواجهة العالم مخاطر أخرى مثل المخاطر البيئية. على سبيل المثال، تغير المناخ والاحتباس الحراري. وتتوقع الأونكتاد أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة بحلول عام 2030 سيتطلب زيادة الإنفاق في أقل البلدان نموًا بحوالي نصف تريليون سنويًا، وهو ما يمثل حوالي 15% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول. وبشكل خاص، فإن تحقيق هدف إنهاء الفقر المدقع، سيتطلب -على سبيل المثال- استثمارًا سنويًا بحوالي 485 مليار دولار. كذلك فإن تحقيق هدف مضاعفة نصيب التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي سيتطلب استثمارًا سنويًا بقيمة 1051 مليار دولار، أي أكثر من تريليون دولار سنويًا، وهو ما يعد ثلاثة أضعاف الاستثمار الحالي في القطاع.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة