تنمية ومجتمع

رياض الأطفال في مصر: الواقع والمأمول في ضوء نظام التعليم الجديد

تعد مرحلة رياض الأطفال المرحلة التمهيدية في رحلة تعلم التلاميذ واندماجهم في التعليم الإلزامي، وعلى الرغم من أهمية هذه المرحلة إلا أنها لم تَلْقَ الاهتمام اللازم في النظام التعليمي الذي تبنته مصر على مدار العديد من العقود السابقة، ولقد تعاظمت أهمية تلك المرحلة خاصة بعد اعتماد مصر نظامًا تعليميًا جديدًا منذ عام 2018. مما استدعى ضرورة بذل المزيد من جهود التطوير لدعم تلك المرحلة وتحسين واقعها لتكون دعامة بناء أساسية للنظام التعليمي الجديد. واقع رياض الأطفال قبل عام 2018 في مصر:  طبقًا لبيانات وزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 2016-2017 فقد كانت إتاحة التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة أبعد ما يكون…

د. أحمد سيد داود on Email
د. أحمد سيد داود
باحث في قضايا التعليم

تعد مرحلة رياض الأطفال المرحلة التمهيدية في رحلة تعلم التلاميذ واندماجهم في التعليم الإلزامي، وعلى الرغم من أهمية هذه المرحلة إلا أنها لم تَلْقَ الاهتمام اللازم في النظام التعليمي الذي تبنته مصر على مدار العديد من العقود السابقة، ولقد تعاظمت أهمية تلك المرحلة خاصة بعد اعتماد مصر نظامًا تعليميًا جديدًا منذ عام 2018. مما استدعى ضرورة بذل المزيد من جهود التطوير لدعم تلك المرحلة وتحسين واقعها لتكون دعامة بناء أساسية للنظام التعليمي الجديد.

واقع رياض الأطفال قبل عام 2018 في مصر:

 طبقًا لبيانات وزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 2016-2017 فقد كانت إتاحة التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة أبعد ما يكون عن الشمول، وهو ما أدى إلى إضعاف الاستعداد للمدرسة، ولا سيما بين الأطفال الذين ينحدرون من بيئات فقيرة ومحرومة. فبشكل عام لم تزد نسبة الالتحاق برياض الأطفال على 31% من جملة عدد الأطفال المفترض التحاقهم بها. كما يشيع التفاوت وعدم المساواة في إتاحة خدمات رياض الأطفال، نظرًا لارتباط رياض الأطفال والحضانة بشدة بالظروف المادية للأسرة. ولأن مرحلة رياض الأطفال غير إلزامية، فإنها غير متاحة بطاقات كافية في كثير من المناطق، لذا أشارت معظم التقديرات إلى حرمان الأطفال في الشرائح الاجتماعية الأدنى من مزايا التعلم في مرحلة رياض الأطفال، ولهذا ما زال هيكل الالتحاق بالتعليم في تلك المرحلة بعيدًا كل البعد عن تكافؤ الفرص، بما يسبب فجوة كبيرة في الاستعداد للمدرسة بين مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية، خاصة في السنوات الأولى للمرحلة الابتدائية.

لم تكن إتاحة الفرص المتكافئة في الحصول على مزايا التعلم بمرحلة رياض الأطفال هي التحدي الوحيد بتلك المرحلة، بل أيضًا جودة خدمات التعليم المقدمة بهذه المرحلة، حيث أدت قلة التدريب التخصصي والدعم التربوي أثناء الخدمة إلى إضعاف قدرة معلمي رياض الأطفال على هيكلة عملية التعلم وصياغة أنشطة تتناسب مع عامل السن، وتستند إلى اللعب وتحفز نمو الطفل والمهارات الاجتماعية والوجدانية. كذلك أدى الافتقار إلى نظام كفء لضمان الجودة وغياب آليات المتابعة والتشجيع على التحسن المتواصل لمستويات الجودة إلى إضعاف إسهام التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة في استعداد الأطفال للالتحاق بالمدرسة.

رياض الأطفال ومشروع تطوير التعليم في مصر 

 تبنت مصر مشروعًا لتطوير التعليم منذ عام 2018م يهدف إلى تحسين ظروف التدريس والتعلم في المدارس الحكومية، يتم تنفيذه على مدار خمس سنوات حتى عام 2023م. وتقدمت مصر بطلب تمويل المشروع للبنك الدولي الذي رصد (500) مليون دولار لتمويل مكونات المشروع، خصص منها 100 مليون دولار لتطوير التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، نظرًا للأهمية القصوى لهذه المرحلة، وبما يشير إلى مركزيتها في مشروع إصلاح التعليم.

هدفت جهود التطوير في مرحلة الطفولة المبكرة إلى منح كل طفل أفضل بداية ممكنة للتعلم في الصفوف (رياض الأطفال 1، و2، والصف الأول الابتدائي)، واشتملت أهدافه أيضًا على تدريب معلمي رياض الأطفال أثناء الخدمة، ووضع نظام جديد لضمان الجودة وتقديم مناهج رقمية لرياض الأطفال. اشتمل تطوير التعليم في مرحلة الطفولة على مكون رئيسي هو توسيع نطاق توفير التعليم الجيد في مرحلة الطفولة المبكرة من خلال مكونين فرعيين:

المكون الفرعي الأول: زيادة إتاحة خدمات رياض الأطفال في إطار التوافق والاتساق مع رؤية مصر 2030، ويدعم هذا المشروع زيادة معدلات الالتحاق في مرحلة رياض من خلال تجديد وتجهيز الأماكن المتاحة وتزويدها بالمعدات اللازمة لتحويلها إلى فصول رياض أطفال حكومية.

المكون الفرعي الثاني: تحسين جودة خدمات التعليم برياض الأطفال، وذلك لضمان أن تترافق المكاسب المحققة في معدلات الالتحاق مع إدخال تحسينات ذات جودة، ويدعم هذا المكون على وجه التحديد ما يلي:

 إنتاج وتوزيع مواد التدريس والتعلم والوسائل التعلمية المبتكرة باللغة العربية على أن تكون متسقة ومتوافقة مع المنهج الجديد.

إعداد وتعميم برنامج تدربي لمعلمي رياض الأطفال يتوافق مع المنهج الجديد ويكون مصممًا بناء على دراسة تشخصية لممارسات التدريس.

 تطوير وتنفيذ نظام صارم لضمان الجودة يعمل على تحفيز تقدم رياض الأطفال ضمن سلسلة متواصلة من الجودة كما يشتمل على معايير جودة منقحة وحوافر لتشجيع التحسن المستمر. 

الوضع الحالي لخدمات رياض الأطفال في ضوء مراجعات البنك الدولي.

 لقد حدد البنك الدولي وفقًا للمشروع المقدم أوجه الإنفاق لمبلغ (100) مليون دولار لتطوير مرحلة رياض الأطفال في بداية المشروع كما يلي:

 – (50) مليون دولار لإتاحة فرص الالتحاق برياض الأطفال.

– (34) مليون دولار لضمان الجودة في خدمات رياض الأطفال.

– (16) مليون دولار من أجل تدريب معلمي رياض الأطفال.

وفي ظل تحديد أوجه الإنفاق يقوم البنك الدولي بعمل مراجعات دورية للوقوف على مدى تحقق أهداف كل مكون من مكونات المشروع، ولقد صادف مشروع تطوير التعليم في مصر تحقق مخاطر أثرت بشكل أو بآخر على تنفيذ المشروع مما اضطر البنك الدولي لإرجاء تقييم بعض المكونات، ولعل أهم تلك المخاطر (جائحة كورونا)، حيث أثرت سلبًا على تحقق أهداف بعض المكونات، ومنها مكون الإتاحة (زيادة إتاحة خدمات رياض الأطفال) حيث تراجعت نسبة الالتحاق برياض الأطفال منذ بدء الجائحة، ليس في مصر فقط بل في جميع دول العالم تخوفًا من إصابة الأطفال بهذا الفيروس أو نقله للبالغين وأولياء الأمور.

وفي ضوء المراجعات الدورية التي يقوم بها البنك الدولي لتقييم المشروع فقد تم تعديل أوجه الإنفاق طبقًا لآخر تقرير للبنك الدولي الصادر في عام 2021 ليصبح مبلغ الإنفاق على تطوير مرحلة الطفولة المبكرة (80) مليون دولار، فيما تم توجيه فرق الإنفاق لصالح المكونات الرئيسية الأخرى بمشروع تطوير التعليم. 

وفي الأخير، فإن تطوير مرحلة رياض الأطفال يتطلب مزيدًا من بذل الجهود التي من شأنها توفير الفرص لجميع الأطفال للالتحاق بمرحلة رياض الأطفال بما يحقق مبدأ الإتاحة، وكذلك الارتقاء بجودة الخدمات التعليمية المقدمة داخل فصول رياض الأطفال، ويتأتى ذلك من خلال التدريب الجيد للمعلمين لتعزيز ممارسات التدريس وتطبيق نظام جودة ومراقبة مناسب، وهو ما تسعى وزارة التربية والتعليم لتنفيذه خلال فترة تنفيذ مشروع تطوير التعليم.

د. أحمد سيد داود on Email
د. أحمد سيد داود
باحث في قضايا التعليم