وحدة الدراسات العربية والإقليمية

مبادرة حل المليشيات وتشكيل الحكومة العراقية القادمة

منذ إعلان نتائج الانتخابات التشريعية في العراق في أكتوبر 2021 والتي لم ترضى المليشيات الموالية لإيران. انتهجت هذ المليشيات العديد من الطرق في محاولة لرفضها والتشكيك فيها، وآخرها محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في 7 نوفمبر 2021، وتشكيل تكتل الإطار التنسيقي الذي يضم تحالف الفتح برئاسة هادى العامري وعصائب أهل الحق برئاسة قيس الخزعلى وتيار الحكمة برئاسة عمار الحكيم والنصر برئاسة حيدر العبادي ودولة القانون برئاسة نوري المالكي الرافض لنتائج الانتخابات، بالإضافة إلى تنظيم احتجاجات في المنطقة الخضراء في بغداد في 5 نوفمبر، نتج عنها مقتل شخص وإصابة نحو 125 آخرين وادعت المليشيات أن القوات الأمنية استهدفت المتظاهرين…

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

منذ إعلان نتائج الانتخابات التشريعية في العراق في أكتوبر 2021 والتي لم ترضى المليشيات الموالية لإيران. انتهجت هذ المليشيات العديد من الطرق في محاولة لرفضها والتشكيك فيها، وآخرها محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في 7 نوفمبر 2021، وتشكيل تكتل الإطار التنسيقي الذي يضم تحالف الفتح برئاسة هادى العامري وعصائب أهل الحق برئاسة قيس الخزعلى وتيار الحكمة برئاسة عمار الحكيم والنصر برئاسة حيدر العبادي ودولة القانون برئاسة نوري المالكي الرافض لنتائج الانتخابات، بالإضافة إلى تنظيم احتجاجات في المنطقة الخضراء في بغداد في 5 نوفمبر، نتج عنها مقتل شخص وإصابة نحو 125 آخرين وادعت المليشيات أن القوات الأمنية استهدفت المتظاهرين السلميين بأوامر من الكاظمي.

حيث تكن هذه الميليشيات العداء لمصطفى الكاظمي والذي سعى خلال فترة توليه إلى تحجيم نفوذ ميليشيات الحشد الشعبي الموالية لإيران ورفض التمويل الحكومي لها، وإنهاء دورها بعد القضاء على داعش، حيث اتجه الكاظمي إلى إقرار مشروع قانون التجنيد الإلزامي في مجلس الوزراء بهدف تحجيم دور قوات الحشد الشعبي. ويسير مقتدى الصدر رئيس تحالف سائرون الحاصل على أكبر عدد من الأصوات في الانتخابات على النهج ذاته، حيث أعلن صراحة فور فوزه عن مواجهة السلاح المنفلت في إشارة إلى سلاح ميليشيات الحشد الشعبي، وهو ما ترفضه هذه الميليشيات.

ومنذ إعلان مقتدى الصدر تشكيل حكومة أغلبية واحتمالية تشكيلها من التيار الصدري وكتلة تقدم والحزب الديمقراطي الكردستاني منفردا أو مع تحالف كردستان، بالإضافة إلى بعض الكتل الشيعية مثل تيار الحكمة وائتلاف النصر ومن ثم إبعاد الكتل الأخرى، تحاول المليشيات عرقلة ذلك، وتؤكد على ضرورة تشكيل حكومة توافقية.

فهناك تخوف لدى الفصائل الولائية من المستقبل الذي ينتظرها بعد تشكيل الحكومة القادمة، إذا لم تحصل على وضع سياسي يناسبها واحتمالية أن تفرط إيران في البعض منها كما حدث مع سرايا الخرساني، لاسيما أن هذه الفصائل تدرك تحولات البيئة الإقليمية التي تحيط بالعراق سواء محاولات التقارب الإيراني- السعودي أو عودة العراق إلى محيطه العربي ومن ثم يؤثر ذلك على دورها في المرحلة القادمة. لذا تحاول بشتى الطرق الضغط على مقتدى الصدر للتخلي عن فكرة حكومة الأغلبية الوطنية، وتشكيل حكومة توافقية تضمن تمثيلا لها.

مبادرة الاتفاق الوطنى

تقدم عمار الحكيم رئيس تيار الحكمة بمبادرة بهدف الخروج من مأزق نتائج الانتخابات وطرح ما سمى بورقة الاتفاق الوطني، على أن يتم التصويت عليها في أول جلسة برلمانية. وتتضمن الورقة إلغاء قانون الانتخابات الحالي، وحل مفوضية الانتخابات وإجراء انتخابات نيابية مبكرة، بالإضافة إلى مشاركة قوى الإطار التنسيقي في الحكومة القادمة وعدم المساس بالحشد الشعبي. وطالب الحكيم أن يتضمن أي اتفاق مستقبلي بين القوى السياسية الشيعية تفاهماً حول كيفية التعامل مع نتائج الانتخابات، كما طالب بأن يتم رفع أي فيتو سابق على الأطراف السياسية وأن تفضي التفاهمات إلى اتفاق وطني جامع على توزيع المناصب في الحكومة والبرلمان بين التيارات السياسية العراقية كافة، بما في ذلك القوى الخاسرة للانتخابات.

بالنظر إلى هذه المبادرة فإنها صيغت لصالح التحالفات المتراجعة في الانتخابات، حيث أعلن عنها الحكيم عقب لقاءات أجراها مع عدد من قادة الكتل السياسية في إطار ما سمى بالإطار التنسيقي للقوى السياسية الشيعية برئاسة نوري المالكي وعمار الحكيم أحد أطرافها حيث يشارك في هذا الإطار من خلال ائتلاف قوى الدولة، وجاء موقف مقتدى الصدر رافضا لهذه المبادرة وطالب بالانتظار لقرار المحكمة الاتحادية المتعلق بالنتائج دون النظر في مبادرات فردية تعرقل مسيرة العملية السياسية وتشكيل حكومة أغلبية وطنية.

تصعيد متبادل

في سياق أزمة نتائج الانتخابات وتشكيل الحكومة والتصعيد من قبل الأطراف المختلفة، وجه مقتدى الصدر رئيس تحالف سائرون الفائز الأكبر في الانتخابات رسالة إلى القوى السياسية المتراجعة قائلا “لا ينبغي أن تكون خسارتهم في الانتخابات مقدمة لإنهاء وخراب العملية الديمقراطية، وأن يراجعوا أنفسهم لإعادة ثقة الشعب بهم، وأن ما يقوموا به حاليا يذيع تاريخهم ويزيد من نفور الشعب منهم، وإذا رغبوا المشاركة في تشكيل الحكومة عليهم” الالتزام بما يلي:

1.محاسبة من عليهم شبهات فساد وتسليمهم للقضاء للوقوف على الحقائق.

2.تصفية الحشد الشعبي المجاهد من العناصر غير المنضبطة، وعدم زج اسمه وعنوانه في السياسة.

3.قطع كل العلاقات الخارجية بما يحفظ للعراق هيبته واستقلاله إلا من خلال الجهات الدبلوماسية والرسمية، وعدم التدخل بشؤون دول الجوار وزج الشعب العراقي بحروب خارجية لا طائل منها.

4.حل الفصائل المسلحة في العراق دفعة واحدة، وتسليم سلاحها كمرحلة أولى إلى الحشد الشعبي عن طريق قائد القوات المسلحة.

5.أعلموا أن قوة المذهب لا تكون بفرض القوة والخلافات الطائفية، وما يحدث في الموصل الجريحة باسم الجهاد أمر لابد من وضع حد سريع له.

وقال الصدر إذا قبلوا هذه الشروط يكونوا شركاء في مشروع الإصلاح الذي طالبت به المرجعية والشعب خلال السنوات السابقة، وبناء الوطن معا نحو الإصلاح وبدون عنف، وأنه ليس عدو لهم.

وفى محاولة للالتزام من قبل الصدر، أعلن عن حل لواء اليوم الموعود المسلح التابع له وغلق مقراتهم. وأنشئ هذا اللواء في 2008 لمواجهة القوات الأمريكية وجمد أكثر من مرة، لكنه عاد مع سيطرة داعش على المحافظات العراقية. والهدف من ذلك توجيه رسالة بأن المسألة لا تستهدف الحشد الشعبي فقط وأنها تعبر عن اتجاه متصاعد على الساحة العراقية، ويتبنى الصدر هذه الرؤية القائمة على حصر السلاح بيد الدولة وإنهاء الوجود المسلح في العراق. وهذه الرؤية تتوافق أيضا مع بعض القوى الدولية والإقليمية التي تؤكد على تكريس سيادة الدولة فيما يتعلق باستخدام السلاح وتفكيك الميليشيات المسلحة. وهي ليست المبادرة الأولى التي يدعو فيها المليشيات بحصر السلاح في يد الدولة، فقد سبقها مبادرة أخرى أعلن عنها في 10 ديسمبر 2017.

من ناحية أخرى يهدف الصدر توجيه رسائل للداخل والخارج في حال توليه رئاسة الحكومة، فإن العراق سوف يكون له نهج مختلف من حيث الأمن والاستقرار وإحداث التوازن واستعادة سيادة الدولة. بالإضافة إلى أن الشروط المعلنة تمثل ردا وضغط على القوى الرافضة للانتخابات، والتي قد تؤدى إلى تغيير موقفها أو أنها تقود إلى زيادة التوتر والتصعيد ما بين مقتدى الصدر والفصائل الموالية لإيران، بالإضافة إلى إطالة أمد مفاوضات تشكيل الحكومة، بل عرقلة تشكيلها.

وكمحاولة من البعض منهم للتهدئة، أعلن أبو على العسكري المسؤول الأمني لكتائب حزب الله حل تشكيل سرايا الدفاع الشعبي وإيقاف جميع أنشطتها وإغلاق مقراتها وإلحاقهم مع عدتهم بقيادة الحشد الشعبي. وطالب بأن يتم تحويل الألوية التابعة للصدر بإمرة الحشد الشعبي وحل قيادة البيشمركة وإلحاقها بالأجهزة الأمنية العراقية.

لكن على الجانب الآخر، وبالتوازي مع مبادرة حل المليشيات التي أعلنها مقتدى الصدر، وبعد كلمة للمتحدث باسم قوة المهام المشتركة في التحالف الدولي جويل هاربر عن عدم تغيير دور التحالف في العراق، وأن الدور سينتقل من العمليات القتالية إلى دور الاستشارة والتمكين. أعلنت كتائب سيد الشهداء فتح باب التطوع لصفوفها في خطوة قالت إنها تحضيراً للمواجهة الحاسمة مع الأمريكان، أي أن هذه المليشيات ترغب في الاستمرار في دورها وعدم التنازل عن أسلحتها، وإذا التزمت بالمبادرة المطروحة فإن ذلك يكون مؤقتا لحين العودة مرة أخرى.

اخيرا، يمكن القول إن مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية سوف تواجه فترة ليست بالقليلة لحين خروجها إلى النور، لاسيما في ضوء عدم التوافق بين القوى السياسية واشتراط الكتل السنية والكردية ضرورة حدوث توافق بين الكتل الشيعية حتى يتسنى لها المشاركة في الحكومة.

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية