«أوميكرون» وأزمة اللقاحات

عضو الهيئة الاستشارية

شهد يوم الخميس الماضى، اعلان اكتشاف سلالة جديدة من فيروس كورونا (اوميكرون) فى جنوب افريقيا، وفى اليوم التالى أعلنت دول أوروبية تسجيل أول إصابة لديها بالمتحور الجديد، ليتوالى إعلان دول أخرى فى القارات الأربع عن إصابات.ووسط المخاوف من تفشى المتحور الجديد ومدى خطورته تتسابق دول العالم باتخاذ الإجراءات الوقائية وقيود السفر للحد منه وسط الارتفاع فى عدد الحالات الجديدة المكتشفة بكثير من الدول. بينما يتعلق بمتحور أوميكرون وظهوره فى جنوب افريقيا، التى ظهر بها أيضا فى عام 2020 متحور بيتا، يرى علماء أن التفسير الأكثر منطقية هو أن الفيروس كان قادرا على النمو والتطور بشكل مطرد فى جسم شخص يعانى…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

شهد يوم الخميس الماضى، اعلان اكتشاف سلالة جديدة من فيروس كورونا (اوميكرون) فى جنوب افريقيا، وفى اليوم التالى أعلنت دول أوروبية تسجيل أول إصابة لديها بالمتحور الجديد، ليتوالى إعلان دول أخرى فى القارات الأربع عن إصابات.ووسط المخاوف من تفشى المتحور الجديد ومدى خطورته تتسابق دول العالم باتخاذ الإجراءات الوقائية وقيود السفر للحد منه وسط الارتفاع فى عدد الحالات الجديدة المكتشفة بكثير من الدول.

بينما يتعلق بمتحور أوميكرون وظهوره فى جنوب افريقيا، التى ظهر بها أيضا فى عام 2020 متحور بيتا، يرى علماء أن التفسير الأكثر منطقية هو أن الفيروس كان قادرا على النمو والتطور بشكل مطرد فى جسم شخص يعانى نقص المناعة، وربما يكون مصابا بفيروس إيدز. اما الشىء المؤكد فهو انه طالما لم يتلق عدد كبير من سكان العالم التطعيمات، ستستمر المتحورات الجديدة فى الظهور وسيطول أمد الجائحة.

صنفت منظمة الصحة العالمية ظهور اوميكرون بـالخطورة العالية. وألقى هذا المتحور الضوء على التباين الكبير فى توزيع اللقاحات على مستوى العالم، ففى حين بدأت بعض الدول المتقدمة فى إعطاء جرعة ثالثة منشطة لم يتلق الجرعة الأولى سوى أقل من 7% من سكان الدول النامية، وفقا لمنظمات صحة وأخرى مدافعة عن حقوق الإنسان. وقد أثبتت التجربة أن عدم المساواة فى توزيع اللقاحات الخاصة بفيروس كورونا، ولاسيما الإخفاق فى توفير اللقاحات للقارة الإفريقية بهدف تحقيق المناعة المكتسبة للحد من تحور الفيروس، هو السبب الرئيسى وراء ظهور متحورات جديدة. هذا الخطر سبق وأثارته الدول الأعضاء بمنظمة التجارة العالمية، والتى طالبت منذ أكتوبر، من العام الماضى، (كما اشرت الى ذلك فى مقال سابق) بتمرير الإعفاء المؤقت من تطبيق بعض أحكام اتفاقية الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية من أجل دعم الدول النامية والأقل نمواً فى مواجهة الجائحة، والتى لا تستطيع حكوماتها توفير الحزم المالية لمواجهة التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للجائحة. إلا أن قلة من الدول الفاعلة داخل المنظمة، فى مقدمتها الاتحاد الأوروبى والمملكة المتحدة وسويسرا، قامت بعرقلة المفاوضات النصية حول مقترح الإعفاء، خشية تأثيره سلبيا على منظومة حقوق الملكية الفكرية ودورها الرئيسى فى تحفيز البحث والتطوير فى مجال صناعة الدواء واللقاح وتطويرها.

لكن بعد ظهور اوميكرون عاد مقترح الإعفاء ليفرض نفسه مجددا. ولعل تأجيل المؤتمر الوزارى لمنظمة التجارة العالمية، قبل عقده بأربعة أيام، خير دليل على ذلك، حيث كان من المقرر استضافته فى جنيف خلال الفترة من 30 نوفمبر إلى 3 ديسمبر 2021، واضطرت المنظمة مساء يوم 26 نوفمبر إلى الإعلان عن تأجيله إلى أجل غير مسمى بسبب تطورات الجائحة المتلاحقة.

من ناحية، باتت متحورات كورونا تثير الكثير من القلاقل بخصوص إطالة أمد الجائحة. ومن ناحية أخرى، باتت مصداقية منظمة التجارة على المحك بعد تأجيل مؤتمرها الوزارى للمرة الثانية، ومن ثم أصبح تعزيز دورها فى إطار الاستجابة للجائحة الأولوية القصوى لإثبات مصداقيتها على الساحة الدولية. وسيتوقف الأمر على الإرادة السياسية للدول الأعضاء بالمنظمة فى مواجهة العراقيل التى تمثلها حقوق الملكية الفكرية فى حصول الدول النامية والأقل نموا على اللقاح والدواء اللازمين. وتتجه الأنظار فى هذا الشأن إلى الولايات المتحدة للعب دور فى التأثير على موقف الاتحاد الأوروبى والمملكة المتحدة وسويسرا بالتبعية، بغية التوصل إلى أرضية مشتركة بشأن تمرير مقترح الإعفاء المؤقت، ولكن بشكل محدود النطاق فى التطبيق بما لا يهدد منظومة حقوق الملكية القائمة، وبما يتيح المجال لاستغلال القدرات الإنتاجية غير المستغلة لبعض الدول النامية للمساهمة فى زيادة الإنتاج العالمى من اللقاحات والحد من إشكالية التوزيع غير العادل لها، علما بأن استمرار هذه الإشكالية من شأنه التأثير على قدرة الدول النامية والأقل نموا على التعافى من تداعيات هذه الأزمة والتأخر فى بناء الصمود أمام أزمات دولية مماثلة مستقبلاً. فى هذا الإطار، تأتى أهمية التعاون بين المنظمة والمنظمات والمؤسسات الدولية الأخرى، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية وبنك وصندوق النقد الدوليان لاحتواء أزمة كورونا العالمية، وفى مقدمتها الجهد المشترك للجهات الأربع بهدف حشد 50 مليار دولار لتسريع وتيرة حصول الدول النامية على اللقاحات اللازمة، بما سيترتب عليه تحقيق مكاسب للاقتصاد العالمى تقدر بنحو 9 تريليونات دولار حتى عام 2025، وتمهيد الطريق لتعافى الاقتصاد العالمى.

نقلا عن جريدة الاهرام يتاريخ 2 ديسمبر 2021 

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب