وحدة الدراسات العربية والإقليمية

إعادة انتشار: دوافع ومآلات الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط

أعلنت الولايات المتحدة في استراتيجية الأمن القومي لعام 2020 عن توجهها نحو تقليص وجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط، والاتجاه نجو منطقة الإندو باسيفيك. وهو الأمر الذي ترتب عليه اتجاه دول المنطقة نحو انتهاج سياسات تستند إلى غياب الحليف الأمريكي. ومن ثم برزت مؤشرات من قبل بعض دول المنطقة نحو الاتجاه إلى الحوار والقيام بدور أمني سياسي بديل عن الولايات المتحدة، فيما استغل البعض الآخر الانسحاب ولجأ إلى التصعيد أو طرح نفسه كبديل عن القوة الأمريكية. وفي سياق هذه التطورات، يبدو أن الولايات المتحدة عبر ما تبديه من تصريحات وتحركات، تميل إلى تقييم الموقف الراهن، الأمر الذي دفع نحو التساؤل…

رحاب الزيادي - نوران عوضين

أعلنت الولايات المتحدة في استراتيجية الأمن القومي لعام 2020 عن توجهها نحو تقليص وجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط، والاتجاه نجو منطقة الإندو باسيفيك. وهو الأمر الذي ترتب عليه اتجاه دول المنطقة نحو انتهاج سياسات تستند إلى غياب الحليف الأمريكي. ومن ثم برزت مؤشرات من قبل بعض دول المنطقة نحو الاتجاه إلى الحوار والقيام بدور أمني سياسي بديل عن الولايات المتحدة، فيما استغل البعض الآخر الانسحاب ولجأ إلى التصعيد أو طرح نفسه كبديل عن القوة الأمريكية. وفي سياق هذه التطورات، يبدو أن الولايات المتحدة عبر ما تبديه من تصريحات وتحركات، تميل إلى تقييم الموقف الراهن، الأمر الذي دفع نحو التساؤل عن مدى واقعية الانسحاب الأمريكي من المنطقة، وهل هو انسحاب نهائي أم إعادة تموضع؟.

الوجود الأمريكي في المنطقة

بحسب عدد من التقديرات، يُقدر عدد الجنود الأمريكيين في منطقة الشرق الأوسط بنحو 42000 جندي على الأرض، وقد يصل العدد إلى 65000 جندي أمريكي عند تضمين عمليات نشر دوريات منتظمة للوحدات الجوية والقوات البحرية.

تستضيف البحرين والإمارات وقطر والكويت أكثر من نصف القوات الأمريكية، وتعد أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط هي قاعدة العديد الجوية الواقعة غرب الدوحة وتأسست في 1996 وتستضيف حوالي 11000 من أعضاء الخدمة الأمريكية، وتستوعب ما يقرب من 100 طائرة بالإضافة إلى الطائرات بدون طيار. 

 وفي الإمارات توجد قاعدة الظفرة الجوية، حيث تمتلك الولايات المتحدة طائرات مقاتلة ومراقبة، وقاعدة الفجيرة البحرية ويوجد ما يقرب من 3500 جندي في الإمارات. فيما يتمركز في البحرين 5000 جندي أمريكي معظمهم من البحرية في قاعدة الشيخ عيسى الجوية، وفي ميناء خليفة بن سلمان الذي يستضيف سفنًا من الأسطول الخامس الأمريكي، بالإضافة إلى قاعدة المحرق الجوية البحرية، حيث ينتشر الوجود الأمريكي البحري منذ عام 1948.

وتتواجد في سوريا قاعدة أمريكية في اليعربية بريف الحسكة الشمالي في منطقة مثلث الحدود السورية-العراقية-التركية، وقاعدة جوية في منطقة حقل العمر النفطي في دير الزور الشرقي، ويقدر عدد القوات الأمريكية هناك بنحو 900 جندي.

وفي العراق، وفقًا لما تم الاتفاق عليه في سياق الحوار الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الذي بدأ عام 2020، تم تخفيض عدد القوات الأمريكية من 5000 إلى 2500 جندي، من المقرر أن ينسحبوا بشكل نهائي في ديسمبر 2021.

وفي الأردن، توجد قاعدة موفق سلطي الجوية “الأزرق”. وفي الكويت، بالإضافة إلى قاعدة على السالم الجوية، يوجد عدد من المعسكرات الأخرى مثل: بورينج، وباتريوت، وعريفجان. فيما يبرز الحضور الأمريكي أيضًا في سلطنة عمان وذلك عبر تواجدها بقاعدة المصنعة الجوية، بالإضافة إلى توقيع الجانبين الأمريكي والعماني اتفاقية عام 2019 تمكن الولايات المتحدة من استخدام ميناءي الدقم وصلالة.

دوافع الانسحاب

وفقًا لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة في مارس 2020؛ تعتزم الولايات المتحدة عدم خوض حروب أبدية كلفتها الآلاف من الأرواح وتريليونات الدولارات، وإنهاء أطول حروب أمريكا في أفغانستان، وأن يكون الوجود الأقوى في الهند والمحيط الهادئ وأوروبا، بالإضافة إلى تحديد حجم وجودها العسكري في الشرق الأوسط لمواجهة الإرهاب وردع العدوان الإيراني، وحماية المصالح الأمريكية الحيوية.

ويرتبط تقليص البصمة العسكرية الأمريكية في المنطقة بحسابات داخلية وجدل أمريكي مستمر منذ آخر ثلاث إدارات أمريكية، ويتعلق بالتنافس والصراع بين القوى العالمية، وتوجيه الأولويات والموارد صوب شرق آسيا ومواجهة التحدي الصيني المتصاعد.

وحظيت فكرة تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بدعم قوي في الداخل الأمريكي، لا سيما أنهم يرون أن الوجود العسكري ليس السبيل الوحيد لتأمين المصالح الأمريكية، فالنهج الدبلوماسي المدروس والفعال يمكن أن يحقق نتائج مثمرة، ومن ثم فإن تعزيز النفوذ الأمريكي في المنطقة والحفاظ عليه لا يتطابق مع مفهوم تعزيز القوة الصلبة، أي إن القوات الأمريكية الموجودة بالفعل كافية، وأن عدم زيادتها بل تقليصها لا يُخل بهذا المبدأ.

استمرّ هذا الجدل منذ ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما ثم الرئيس السابق دونالد ترامب. ومع تولي الرئيس جو بايدن، عاد الجدل مجددًا، خاصة في ظل وجود تحديات داخلية بين التركيز على التعافي الاقتصادي ومواجهة كورونا والتصدي للانقسامات في الداخل الأمريكي المقرون بتنامي الإجماع على مواجهة التحدي الصيني وعلى العودة للاتفاق النووي الإيراني، وانتهاز الدينامية التي خلقتها الاتفاقيات الإبراهيمية. كل ذلك خلق مزيدًا من الأسباب والحوافز التي تدفع إلى خفض الحضور الأمريكي في المنطقة، والخروج الفعلي من الحروب التي لا تنتهي، وإعطاء مزيد من المساحة للديناميات الداخلية في المنطقة. وينبع ذلك من الوثوق من أن الولايات المتحدة لا تزال القوة الدولية الأكثر نفوذًا في الشرق الأوسط، وأنها تمتلك الفيتو على أي سياسة تضر بمصالحها في المنطقة وبأمن إسرائيل. يضاف إلى ذلك الضغط السياسي والأمني الذي تمارسه المليشيات في العراق، والكتل السياسية التابعة لها حول ضرورة الانسحاب الكامل من الأراضي العراقية، وهو ما تجلى في صدور قرار من البرلمان العراقي بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي في العراق.

من ناحيةٍ أخرى، توجد بعض الدوافع التي تبرر احتمالية عدم انسحاب الولايات المتحدة، وأن جدلية الانسحاب نهائيًا وإنهاء الحروب التي لا نهاية لها في الشرق الأوسط بعد هزيمة تنظيم داعش، وأن الولايات المتحدة لم تعد بحاجه إلى وجود نشط في المنطقة والتوجه نحو المحيط الهادئ غير دقيقة؛ لأن استقرار الشرق الأوسط يفيد الولايات المتحدة بشكل غير مباشر من خلال حماية المصالح الاقتصادية والأمنية العالمية، وأي تهديدات أو توترات داخل المنطقة سوف تؤثر على مصالحها.

ويمثل موقع الشرق الأوسط بين أوروبا وشرق آسيا وإفريقيا، أهمية جغرافية لمصالح الولايات المتحدة. وبالرغم من خفض اعتمادها على نفط الشرق الأوسط، إلا أن حلفاءها الأوروبيين لا يزالون في حاجه إلى موارد الطاقة في المنطقة، حيث تمر خطوط الاتصال والإمداد الأمريكية بين أوروبا وآسيا عبر الشرق الأوسط.

المآلات المحتملة للانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط

من المتوقع أن تسفر عملية الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط عن عدد من التداعيات المحتملة داخل منطقة الشرق الأوسط، والتي قد يكون لها تأثير على مكانة الولايات المتحدة داخل الإقليم وكذا على النطاق الدولي.

أولًا- تعددية قطبية أكثر وضوحًا داخل الشرق الأوسط: خلال مرحلة تغير الاستراتيجية الأمريكية وتحولها عن المنطقة عبر انتهاج سياسة “التحول شرقًا” منذ عام 2010، بدأت كل من روسيا والصين في إضفاء بصمة خاصة بهما داخل المنطقة بغرض الإسهام في التحول العالمي نحو عالم متعدد الأقطاب، تلك البصمة التي من المتوقع لها أن تتنامى خلال المرحلة القادمة، سواء في حال اكتمال الانسحاب من عدمه. 

من جانب الصين، يستند الحضور الصيني في منطقة الشرق الأوسط إلى تلبية أهداف اقتصادية تُسهم في مسار ريادتها العالمية، وذلك عبر تقديم سياسة مغايرة للسياسة الأمريكية تقوم على المشاركة والكسب المشترك، واحترام السيادة، وفصل السياسة عن الاقتصاد. وتستهدف اتفاقات التعاون الثنائي والشراكة الاستراتيجية التي عقدتها الصين مع دول المنطقة تحقيق جملة من الأهداف، أولًا: تأمين الاحتياجات الصينية من الطاقة، حيث تغطي منطقة الشرق الأوسط نحو 40% من الواردات الصينية من النفط والغاز الطبيعي. ثانيًا: خدمة طريق الحرير البحري عبر إقامة شراكات مع دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لبناء شبكة استراتيجية من الموانئ والمجمعات الصناعية التي تتيح للصين الوصول إلى الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر وأيضًا البحر المتوسط. ثالثًا: تُمثل منطقة الشرق الأوسط سوقًا واعدة للمنتجات الصينية، وذلك بالنظر إلى النمو المتسارع في عدد سكان المنطقة.

وإذا كانت البصمة الاقتصادية هي الأكثر وضوحًا للحضور الصيني بالمنطقة، فإن البصمة العسكرية هي المعبرة عن الحضور الروسي بالمنطقة. وتتواجد روسيا عسكريًا في سوريا منذ عام 2015، وقد أمّن لها هذا الوجود منفذًا على البحر المتوسط، وكفل لها مقعدًا على طاولة المفاوضات بتلك الأزمة، ومكّن لها هذا الوجود توطيد علاقتها مع فواعل إقليميين آخرين كتركيا وإسرائيل وإيران، فضلًا عن تنامي علاقاتها الثنائية مع دول الخليج العربي، ولا سيما الإمارات في ظل تحركات الأخيرة نحو إعادة سوريا إلى الحاضنة العربية. كما سمح هذا الحضور بدور روسي في ملفات إقليمية أخرى وتحديدًا في الأزمة الليبية. كذلك، يجمع الجانبَ الروسي مع الجانب السوداني نقاش بشأن إقامة روسيا منشأة بحرية روسية بالقرب من بورتوسودان على ساحل البحر الأحمر، قادرة على استقبال سفن حربية تعمل بالطاقة النووية؛ بهدف “تعزيز السلام والأمن في المنطقة”، وسيحصل السودان مقابل ذلك على أسلحة ومعدات عسكرية من روسيا.

ثانيًا- تنامي التفاعلات الإقليمية: لطالما كانت الولايات المتحدة هي المؤثر الفاعل في سياسات المنطقة، سواء عبر التدخل العسكري المباشر، أو عبر إجراء تفاهمات ثنائية مع دول المنطقة. ولكن في ضوء استمرار التراجع الأمريكي عن الانخراط بأزمات المنطقة، بدأت تتضح مؤشرات حول تنمية دول المنطقة لتفاعلاتها الإقليمية، إما بغرض تحقيق هيمنة إقليمية، أو للدفع ضد بروز أزمات جديدة عبر اعتماد آليات للحوار والتعاون.

في شأن الهيمنة الإقليمية، تسعى كل من تركيا وإيران إلى تهيئة نطاق إقليمي ممتد خادم لمصالحهم ورؤاهم، من خلال تدخلاتهما العسكرية في ليبيا وسوريا والعراق. ويستهدف النظام التركي تحقيق منجزات خارجية تسهم في علاج أزمات داخلية، سواء سياسية أو اقتصادية، فضلًا عن تنصيبه كفاعل إقليمي يتم الرجوع إليه في بحث علاج أزمات المنطقة. وفي سبيل التحايل على العقوبات الأمريكية الغربية المتواترة عليه، وكذا إنهاء الوجود العسكري الأمريكي بالمنطقة ومواجهة إسرائيل، أسس النظام الإيراني حضورًا متعدد الأبعاد (عسكريًا، وسياسيًا، واقتصاديًا، وشعبيًا) في سوريا ولبنان والعراق واليمن، بشكل مكنّه من التأثير في مسار أزمات تلك الدول.

وعلى الرغم من محاولات فرض الهيمنة الإقليمية، فيقابلها في الوقت نفسه محاولات لجعل الحوار والتعاون هو الآلية الجديدة للتفاعلات الإقليمية في عصر ما بعد الانسحاب الأمريكي. وقد دفع مشهد الانسحاب من أفغانستان الأطراف الإقليمية إلى التساؤل حول مدى مصداقية الولايات المتحدة كشريك مسئول، وبالتالي إعادة تقييم مواقفهم وسياساتهم إزاء ما تشهده المنطقة من توترات، وهو الأمر الذي أدى بتلك الأطراف إلى تبني منهج حوار (ثنائي ومتعدد الأطراف) بغرض تسوية تلك التوترات، حيث أدرك قادة دول المنطقة ضرورةَ البدء في تبني حوار يهدف إلى الانفراج والتسوية، بدلًا من التعويل على الأطراف الخارجية.

تُعد الاتفاقات الإبراهيمية التي عقدت بين إسرائيل وكل من الإمارات والمغرب والبحرين والسودان مدخلًا لاعتماد نهج الحوار الثنائي بين دول الإقليم، ولكن تمثلت البداية الحقيقية في قمة العُلا (يناير 2021)، والتي فتحت الباب أمام محادثات ثنائية مصرية، إماراتية، سعودية، بحرينية مع قطر. كما أتاحت القمة أيضًا تمهيد الطريق أمام محادثات مصرية-تركية، وإماراتية–تركية، والتي تُوجت مؤخرًا بلقاء ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. كذلك، أعقب القمة بدء محادثات سعودية-إيرانية، والمضيّ قدمًا في محادثات إماراتية-إيرانية أسفرت مؤخرًا عن إعلان علي باقري كني، مساعد وزير الخارجية الإيراني للشئون السياسية، عن الاتفاق على “فتح صفحة جديدة من العلاقات بين الجمهورية الاسلامية الإيرانية والإمارات العربية المتحدة، وذلك عقب اجتماعه مع أنور قرقاش، مستشار الرئيس الإماراتي للشئون السياسية. وعلى المستوى متعدد الأطراف، يُعد مؤتمر “بغداد للتعاون والشراكة” المؤتمر الإقليمي الأول الذي شهد حضورًا تركيًا إيرانيًا بجانب كل من السعودية والكويت ومصر والأردن وقطر، وهو ما نُظِر إليه كدليل على وجود رغبة حقيقية لدى الدول المشارِكة في تسوية الخلافات والإسهام في حل أزمات الدولة العراقية، وهو الأمر الذي انعكس في البيان الختامي للمؤتمر والذي اشتمل على دعم المشاركين لجهود الحكومة العراقية في تعزيز مؤسسات الدولية، بجانب ضرورة توحيد الجهود الإقليمية والدولية بما ينعكس إيجابًا على استقرار المنطقة وأمنها، وذلك وفقًا لمبادئ حسن الجوار، وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول واحترام السيادة الوطنية.

ثالثًا- تهديدات أمنية: على الرغم من النجاح في القضاء على الخلافة المادية لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في منطقة الشرق الأوسط، وعمل الولايات المتحدة في سوريا والعراق على بناء قدرات الشركاء المحليين لمكافحة تهديدات هذا التنظيم بشكل فعال داخل حدودهم؛ لكن قد يؤدي الانسحاب الأمريكي الكامل من هذه المناطق إلى بروز هذه التهديدات مجددًا. فعلى الرغم من افتقار التنظيم للأرض والعناصر الفاعلة، إلا أنه منذ مطلع العام الجاري تبنى عدة هجمات “خاطفة” في وسط بغداد والأنبار وبعقوبة وكركوك وصلاح الدين بالعراق، وفي شمال ووسط سوريا؛ ليعلن بذلك عن بقائه واستمراره عبر استهداف عسكريين ومنشآت حيوية. من ناحية أخرى، تُشير العديد من التحليلات إلى التطورات الجارية في أفغانستان، سواء صعود طالبان إلى السلطة أو تنامي نشاط تنظيم “داعش خراسان”، باعتبارها عوامل دافعة نحو تجدد تهديد فرع التنظيم في الشرق الأوسط.

من جانب آخر، يُرتب الانسحاب الأمريكي عبئًا أمنيًا على دول المنطقة. فعلى سبيل المثال، يتعين على الأردن مواجهة التحديات الأمنية، لا سيما أن القوات العسكرية الأردنية مرهقة نظرًا لنشاطها المكثف على الحدود السورية، ومن ثم سوف يقع عليها عبء حماية حدودها مع العراق، وهي أطول وأبعد من حدودها مع سوريا، كما يتعين على دول الخليج القيام بدور أمنى في سبيل استقرارها.

وعلى الرغم من توجه دول المنطقة نحو اعتماد الحوار كطريق لتسوية الخلافات، لكن ما زالت هناك خلافات تُنذر بمواجهات من شأنها أن تُدخل المنطقة بأكملها في دوامة جديدة من عدم الاستقرار، لعلّ من أبرزها التوترات القائمة بين إيران وإسرائيل، والتي تأخذ حاليًا أشكالًا عدة ما بين استهداف إسرائيلي للوجود الإيراني في سوريا، أو استهداف أحدهما لناقلات نفطية تابعة للطرف الآخر. من ناحية أخرى، تسعى إيران من جانبها إلى تعزيز وجودها البحري في البحر الأحمر والخليج العربي، فضلًا عن السيطرة على مضيقي هرمز، وباب المندب (عبر وكيلها الحوثي)، بما يمكنها في حال استمرار العقوبات، من تعطيل حركة التجارة عالميًا، ولا سيما إمدادات النفط، حيث إن 30% من الإمدادات النفطية تمر عبر مضيق باب المندب، في حين أن حوالي ثلث إجمالي النفط المنقول بحرًا عالميًا، وربع الغاز الطبيعي المسال العالمي، يتحرك عبر مضيق هرمز.

مدى واقعية الانسحاب الأمريكي

خلال حديثه في حوار المنامة (نوفمبر 2021) أكد وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن التزامَ الولايات المتحدة بأمن منطقة الشرق الأوسط، وشدد على امتلاك بلاده قوات عسكرية كبيرة في المنطقة، وقد تأتي بالمزيد في حال اقتضت الضرورة ذلك، وأن مهمة الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط هي دعم الدبلوماسية وردع الاعتداءات والدفاع عن مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. وفي شأن الأولويات الأمنية للولايات المتحدة بالمنطقة، أوضح أوستن العمل مع الشركاء لضمان عدم عودة داعش في سوريا والعراق، ودعم حرية الملاحة في أهم الممرات المائية، بجانب الدفع نحو إنهاء النزاعات المستمرة وتعزيز مكافحة الإرهاب.

وأخيرًا، أكد أنه في حال وجود حاجة للتحرك فستتحرك الولايات المتحدة بسرعة، وأنه يجب على الجميع أن يثق ثقة تامة في القدرات الأمريكية في الحفاظ على أمن المنطقة.

سبق حديث أوستن تأكيد وزارة الخارجية الأمريكية، ونائب المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا ديفيد براونشتاين، على استمرار المهمة العسكرية في سوريا، وذلك لثلاثة أسباب هي: منع عودة داعش، وتأمين استقرار المنطقة، ودعم العملية السياسية.

وفقًا لما تقدم، يُثار تساؤل حول مدى واقعية عملية الانسحاب الأمريكي من المنطقة، بمعنى: هل تعني تلك التصريحات تراجعًا أمريكيًا عن الانسحاب؟ أم أنها تنوي الوجود بشكل لا يتعارض مع أهدافها بتوجيه حضورها العسكري الخارجي نحو منطقة المحيطين الهندي-الهادئ؟.

تُدرك الولايات المتحدة ما سينتج عن انسحابها من الشرق الأوسط من احتمال تغير أولويات وشراكات حلفائها بالمنطقة، الأمر الذي ينعكس على المصالح الأمريكية بالمنطقة، فالولايات المتحدة -وفقًا لمنظورها- ما زالت في حاجة إلى الاستمرار بمنطقة الشرق الأوسط بغرض مواجهة التهديدات الأمنية الصادرة عن خصوم الولايات المتحدة بالمنطقة، سواء من الدول أو من الفاعلين من غير الدول، وضمان تأمين مسارات الملاحة البحرية بالمنطقة، وكذا الحيلولة دون حدوث اضطرابات بأسعار النفط، ولا سيما أن منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) تسيطر على حوالي أربعة أخماس احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، وحوالي ثلثي أعضاء أوبك موجودون في الشرق الأوسط. وأخيرًا، الاستمرار في توطيد علاقاتها مع الحلفاء بالمنطقة لمنع الصين وروسيا من تعزيز علاقاتهما مع أي من دول المنطقة بشكل يتعارض أو يهدد المصالح الأمريكية بالمنطقة.

وبناءً عليه، من المتوقع أن تستمرّ الولايات المتحدة في مواجهة نفس أولوياتها التي شكلت منذ فترة طويلة نهجها تجاه تلك المنطقة، وذلك في ظل استمرار المصالح والتهديدات، لكنها ستميل إلى إعادة تقييم مشاركتها بسبب المخاطر والتكاليف التي تُسببها المشاركة الأمريكية.

يبرز في سياق إعادة التقييم إطلاق الأسطول الخامس الأمريكي للقوة 59. ففي أوائل سبتمبر 2021، تم الإعلان عن قوة جديدة تستخدم الطائرات المسيرة، وغيرها من الوسائل التي لا تحتاج إلى عنصر بشري، بهدف تعزيز “الردع” في منطقة عمليات الأسطول الخامس. وتغطي منطقة عمليات هذا الأسطول ما يقرب من 2.5 مليون ميل مربع، وتشمل الخليج العربي، وخليج عمان، والبحر الأحمر، وأجزاء من المحيط الهندي. وتضم المنطقة 21 دولة، و3 نقاط حرجة في مضيق هرمز وقناة السويس ومضيق باب المندب.وبحسب مارك كيميت، مساعد وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، ستمنح مبادرة “قوة المهام الـ59” القيادة المركزية الأمريكية وشركاءها القدرة على شنّ معركة بحرية وقوة ردع مع خطر أقل يهدد سلامة العناصر. وبالتالي، يتضح أن الولايات المتحدة قد تكون لجأت إلى أسلوب عمل جديد لمنطقة الشرق الأوسط يستند إلى استمرار الحضور، مع تخفيف التهديد والمخاطر التي تتعرض لها القوات الأمريكية بالمنطقة. بمعنى آخر، من المحتمل أن تكون عملية إعادة تقييم الموقف قد أسفرت عن توجه الولايات المتحدة نحو انتهاج سياسة إعادة انتشار تُلبي بشكل رئيسي أولوياتها ومصالحها الأساسية بالمنطقة، وربما بحد أدنى مصالح حلفائها.

رحاب الزيادي - نوران عوضين