وحدة الدراسات العربية والإقليمية

هجوم شارع الحبيب بورقيبة: هل يظهر الإرهاب مجددًا في تونس؟

شهدت تونس، في 26 نوفمبر 2021، هجومًا من قبل شخص ملتحٍ، يحمل حقيبة على كتفه بها شاقور وسكين، على قوات الأمن أمام وزارة الداخلية في شارع الحبيب بورقيبة، مرددا “يا طاغوت.. الله أكبر.. يا كفار”، وحاول الاعتداء على عون أمن كان في مواجهته، مما اضطر العون إلى إطلاق النار عليه فسقط، وتمت السيطرة عليه، وتم نقله بواسطة سيارة الحماية المدنية إلى المستشفى للعلاج. ووفقًا للبيان الذي نشرته وزارة الداخلية عن الحادث، تبين أن الشخص يبلغ من العمر 31 عامًا ودرس بالخارج، وهو مسجل لدى وزارة الداخلية على أنه تكفيري. دلالات أساسية يُعد هذا الهجوم الإرهابي، في 26 نوفمبر، ليس بالجديد،…

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية

https://www.interieur.gov.tn/webroot/02eab3a74016f92185946d180bd0c21a/uploads/images/2021/11/Image1.jpg

شهدت تونس، في 26 نوفمبر 2021، هجومًا من قبل شخص ملتحٍ، يحمل حقيبة على كتفه بها شاقور وسكين، على قوات الأمن أمام وزارة الداخلية في شارع الحبيب بورقيبة، مرددا “يا طاغوت.. الله أكبر.. يا كفار”، وحاول الاعتداء على عون أمن كان في مواجهته، مما اضطر العون إلى إطلاق النار عليه فسقط، وتمت السيطرة عليه، وتم نقله بواسطة سيارة الحماية المدنية إلى المستشفى للعلاج. ووفقًا للبيان الذي نشرته وزارة الداخلية عن الحادث، تبين أن الشخص يبلغ من العمر 31 عامًا ودرس بالخارج، وهو مسجل لدى وزارة الداخلية على أنه تكفيري.

دلالات أساسية

يُعد هذا الهجوم الإرهابي، في 26 نوفمبر، ليس بالجديد، فقد سبق وشهدت تونس 3 هجمات إرهابية أبرزها الهجوم على متحف باردو في 18 مارس 2015، وعلى منتجع سياحي في سوسة في 26 يونيو 2015، وعلى حافلة للأمن الرئاسي وسط العاصمة تونس، والتي نتج عنها عشرات القتلى والجرحى، بالإضافة إلى اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي في ديسمبر 2014.

لا يمكن فصل هذا الحادث عن السياق العام في تونس والقرارات التي اتخذها الرئيس في 25 يوليو 2021، ثم تمديدها مرة أخرى في 24 أغسطس 2021، والتي تضمنت تجميد عمل البرلمان، وإعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي، ورفع الحصانة عن أعضاء البرلمان، وموقف بعض القوى السياسية الرافض لهذه القرارات، لذا فإن استمرار الهجمات الإرهابية في ظل الوضع المضطرب هو أمر طبيعي. كما أن هذا الهجوم جاء بالتزامن مع محاكمة المتورطين في اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي في 26 نوفمبر 2021.

وأن الهجمات الإرهابية عقب القرارات التي اتّخذها الرئيس في 25 يوليو 2021 واردة، وسوف يمتد تأثيرها إلى أجهزة الدولة ومؤسساتها وعلى رأسها المناطق الحيوية والأجهزة الأمنية، وهو ما استدعى إجراءات أمنية مشددة من قبل الرئيس قيس سعيد من حيث نشر الجيش وقوات الأمن بكثافة أكبر حول مؤسسات الدولة، كالبرلمان، والوزرات، والبنك المركزي، وغيرها من المؤسسات لتأمينها وحمايتها.

أيضًا تُشير بعض التقارير المحلية في تونس إلى أن هناك محاولات من قبل الحركات المتطرفة للعودة إلى تونس من جديد. لا سيما محاولة تسلل القيادي الداعشي أبو زيد التونسي من ليبيا عائدًا إلى مسقط رأسه في القيروان وسط تونس، قبل نجاح استخبارات الحرس الوطني في القبض عليه في 29 يوليو 2021، وأنه عاد إلى تونس من ليبيا مكلفًا بمهمة تجنيد عناصر جديدة لتنفيذ عمليات إرهابية في تونس. ومن ثم تسعى هذه التنظيمات إلى استغلال الوضع الحالي لتحقيق أهدافها ومصالحها، لا سيما وأن أهدافها قد تتوافق مع أهداف الإخوان في تونس.

أعلنت أيضًا السلطات في تونس، في 19 نوفمبر 2021، عن ضبط خلية إرهابية تتكون من 20 عنصرًا بمحافظة جندوبة شمال غرب البلاد، وأن نشاط الخلية تركز على القيام بعمليات رصد لبعض المؤسسات الحيوية، وتمركز الوحدات الأمنية، وذلك وفقًا لبيان وزارة الداخلية التونسية، بالإضافة إلى إعلان وحدات إدارتي مكافحة الإرهاب والاستعلامات والأبحاث بالإدارة العامة للحرس الوطني عن تفكيك خلية تابعة لتنظيم داعش في مدينة تطاوين جنوب البلاد تخطط لشن هجمات على قوات الأمن والجيش. وعليه، تُشير هذه الوقائع إلى استمرار استهداف مؤسسات الدولة التونسية وقوتها الأمنية الفترة القادمة.

ردود الفعل

في سياق هجوم شارع الحبيب بورقيبة، اجتمع رئيس الجمهورية قيس سعيد مع وزير الداخلية توفيق شرف الدين في 26 نوفمبر للحديث عن الوضع الأمني وإدارة قضايا الدولة، ووجه الرئيس عددًا من الرسائل للقوى التي تحاول تصعيد المشهد في تونس، وكانت الكلمات رادعة، قائلًا: “الدولة التونسية لا تُدار في السهرات ولا في المقاهي ولا الاجتماعات المغلقة، بل داخل مؤسسات الدولة ووفق القانون، وأن القانون يطبق على الجميع. وأن المواقف تتقلب كل يوم وتصدر وفقًا لاعتبارات شخصية وانتهازية باعتبار أن الدولة والمناصب غنيمة، لكن المناصب مسئولية أمام الدولة والشعب. وأكد الرئيس الكشف عن بعض القضايا بعد ثبوت دلائل بشأنها في الفترة القادمة، وأن هناك من تواطأ مع الخارج لضرب الدولة التونسية والتأثير على استقلالية الدولة. وأكد الرئيس على سيادة الدولة التونسية، واحترام جميع الحقوق والحريات، وأن ما تم اتخاذه من قرارات في 25 يوليو هي تدابير استثنائية ووفقًا للدستور.

وأكّد أن هناك قوى تختلق أزمة تلو أخرى، لأن الأزمة هي أداة معارضتهم. وأكد الرئيس أن الدولة لا تُدار بمنطق الجماعة، بل وفق القانون الذي يطبق على الجميع، وأن تونس دولة ذات سيادة تحترم الحقوق والحريات، ولن يتم المساس بها. كما أشار الرئيس في سياق كلمته عن الفساد داخل الدولة إلى أن هناك قوى كدّست الأموال بمئات المليارات، وجعلوا الدولة على حافة الإفلاس، ووظفوا شبكات التواصل الاجتماعي للسبّ، ووضعوا قوانين وهمية، واستولوا على أهداف الشعب، ونهبوا ثرواته واغتالوا أحلامه، وطالب القضاء بأن يساهم في تطهير الدولة، ووجّه رسالة طمأنه للشعب التونسي بأنه لن يترك الدولة فريسة، وسوف يعمل وفقًا للقانون وإرادة الشعب.

من ناحية أخرى، خرجت بعض القوى السياسية تعبر عن رفضها لهذه الكلمة، وعلى رأسها التكتل من أجل العمل والحريات والتيار الديمقراطي والحزب الجمهوري، موجهًا الاتهامات إلى الرئيس قيس سعيد بأنه خرج عن الدستور عندما علّقه بمقتضى الأمر الرئاسي 117 الذي أسند لنفسه فيه سلطة إصدار المراسيم غير القابلة للطعن، في سابقة لم يعرفها تاريخ الدولة التونسية. وانتقدت كلمة الرئيس قيس سعيد، واعتبرت أنها مشحونة بالتوتر والاتهامات لمعارضيه، بما يعمق الانقسام داخل المجتمع، ويؤكد على النزعة التسلطية. كما وجهت اتهامات بأن إدارة الدولة لا يمكن أن تكون بترديد الشعارات في غياب تام لأي رؤية أو برنامج عمل أربعة أشهر بعد انفراد قيس سعيد بكل السلطات، وأن تونس في حاجه إلى الخروج من الحالة الاستثنائية والتراجع عن خرق الدستور لتنفيذ إصلاحات اجتماعية واقتصادية عميقة تمنع الانهيار الذي يهددها.

على الجانب الآخر، خرج بيان من المرصد الوطني للدفاع عن مدنية الدولة، مشددًا على ضرورة القضاء على الإرهاب من جذوره وتشديد الرقابة على العائدين من بؤر التوتر، وغلق كل المؤسسات التكفيرية التي تبث الفكر الظلامي في الدولة، وخاصة فرع تونس للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وغلق الجمعيات الخيرية والمدارس القرآنية العشوائية، والشروع حالًا في الإصلاح التربوي بشكل يفتح عقول التلاميذ على قيم الجمهورية المدنية ومبادئ حقوق الإنسان، وخاصة الحق في الاختلاف، وجعل كل المؤسسات تحت رقابة وزارة التربية ووزارة المرأة والأسرة والطفولة، وإلزامها ببرامج رسمية من قبل المختصين، وإحياء دور الثقافة وإنشاء أخرى في كل حي ومعتمدية حتى يتم التخلص من العنف الكامن.

ختامًا؛

يمكن القول إن هذا الهجوم الأخير في شارع الحبيب بورقيبة، يمثل مؤشرًا على أن التنظيمات المتطرفة تحاول الظهور مجددًا في المشهد التونسي توظيفًا لما يمكن أن يوفره الوضع الحالي لها من هامش مناورة وتحرك، وهو ما يستدعي اتخاذ خطوات لترتيب المشهد في تونس بالمرحلة القادمة تجنبًا لتسلل الإرهاب من جديد.

رحاب الزيادي
باحثة ببرنامج العلاقات الدولية