وحدة الدراسات الاقتصادية

سيارة مصرية الصنع: هل يتحقق الحلم قريبًا؟

تعود صناعة السيارات في مصر إلى عام 1961، عندما أسست الحكومة المصرية شركة النصر لتكون الشركة المصرية الأولى المتخصصة في تلك الصناعة، كانت الشركة مصدرًا لموديل السيارات الأشهر بين المصريين والأكثر انتشارًا حتى وقت قريب “فيات”، واستهدفتها الشركات الأجنبية لتكون المصنع المسؤول عن صناعة السيارات الأجنبية. في عام 1974، تبنى الرئيس المصري الراحل “أنور السادات” سياسة اقتصادية تسمى سياسة الباب المفتوح، نتج عن تلك السياسة دخول العديد من الشركات ورؤوس الأموال الأجنبية لسوق السيارات في مصر. وبحلول عام 1985 بدأت جنرال موتورز مشروعًا مشتركًا مع شركة المنصور للسيارات التي كانت مستوردًا محليًا وتاجر سيارات في مصر. ومع برنامج الإصلاح الاقتصادي…

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تعود صناعة السيارات في مصر إلى عام 1961، عندما أسست الحكومة المصرية شركة النصر لتكون الشركة المصرية الأولى المتخصصة في تلك الصناعة، كانت الشركة مصدرًا لموديل السيارات الأشهر بين المصريين والأكثر انتشارًا حتى وقت قريب “فيات”، واستهدفتها الشركات الأجنبية لتكون المصنع المسؤول عن صناعة السيارات الأجنبية. في عام 1974، تبنى الرئيس المصري الراحل “أنور السادات” سياسة اقتصادية تسمى سياسة الباب المفتوح، نتج عن تلك السياسة دخول العديد من الشركات ورؤوس الأموال الأجنبية لسوق السيارات في مصر. وبحلول عام 1985 بدأت جنرال موتورز مشروعًا مشتركًا مع شركة المنصور للسيارات التي كانت مستوردًا محليًا وتاجر سيارات في مصر. ومع برنامج الإصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي الذي تبنته الحكومة المصرية في التسعينيات، ، والذي نتج عنه اجتذاب العديد من الشركات الأجنبية للدخول إلى السوق المصري لبناء مصانع تجميع سياراتها في مصر، مثل شركات: سيتروين، فيات، هيونداي، مرسيدس –بنز، نيسان، وبي إم دبليو.

كان عام 2011 عامًا مدمرًا لصناعة السيارات المصرية، فبعد أن كانت مصر تنتج حوالي 117 ألف سيارة سنويًا في عام 2010، اجتاحت احتجاجات المواطنين على الحكومة في ذلك الوقت الشوارع وتسبب ذلك الوضع من عدم الاستقرار الأمني في زيادة اتخاذ العديد من الشركات قرارات إغلاق أو خفض نشاط أو نقل النشاط إلى دولة أخرى بالمنطقة. فعلى سبيل المثال، علقت شركة نيسان عملياتها في مصر لأسباب سمّتها بـ”السلامة” بعد أن كانت تجمع تلك الشركة أكثر من 10 آلاف سيارة سنويًا، وأوقفت شركة طوكيو موتورز هي الأخرى عملياتها لإنتاج سيارات الدفع الرباعي في مصر، وقامت العديد من الشركات الكورية (مثل: سامسونج، وإل جي، هيونداي موتورز) بتخفيض حجم أعمالها المعتادة في مصر، وترحيل العديد من الموظفين الكوريين إلى بلادهم أو إلى دولة ثالثة، وسلكت ألمانيا المسار نفسه أيضًا بإعادة المواطنين الألمان إلى بلادهم بسبب المظاهرات العنيفة، وأوقفت شركات أخرى مثل دايملر وجنرال موتورز عملياتها مؤقتًا بسبب التغيرات السياسية. كان العام 2011 أول مسمار في نعش صناعة السيارات المصرية، حيث انخفض الإنتاج خلال عام 2011 بنسبة 30% وظلت منخفضة في السنوات اللاحقة.

شكل (1): المصدر – قاعدة بيانات ceicdata

ساهمت أوضاع الاقتصاد المصري السيئة في السنوات التي تلت عام 2011 وحتى قبل تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي والتي صاحبتها حالة من النقص الشديد في العملات الأجنبية، ومن ثم عدم قدرة الشركات الأجنبية العاملة في مصر على تحويل أرباحها للخارج، بالإضافة إلى الانخفاض المستمر في العملة المحلية أمام الدولار الأمريكي والتي تسببت في تآكل أرباح الشركات، مما دعا إلى انسحاب شركات تصنيع وتجميع السيارات من السوق المصري والتوجه إلى أسواق مجاورة أكثر استقرارًا.

الوضع الحالي

يتّسم هيكل السوق المصري بوجود عددٍ من الشركات الأجنبية التي تعمل في مجال السيارات والصناعات المغذية لها، من حيث رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر، فوفقًا لموقع الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة يوجد عدد 10 شركات أجنبية عاملة في مجال السيارات والصناعات المغذية لها باستثمارات تبلغ 435 مليون دولار. وعلى الرغم من ذلك فإن مساهمتها في سوق السيارات في مصر محدود للغاية، وهو ما يمكن رؤيته بالنظر إلى أرقام واردات مصر من السيارات والتي بلغت 1.5 مليار دولار في عام 2016، وانخفضت في الأعوام التالية لقرار تحرير سعر العملة (2017 – 2019) نتيجة لانخفاض القوة الشرائية بمصر كأحد توابع قرار التعويم، وقد عادت واردات مصر للارتفاع مرة أخرى في عام 2020 لتصل إلى 1.8 مليار دولار مقابل 1.5 مليار دولار قبل التعويم.

يُعتبر الموقع الجغرافي لمصر أحد أهم المميزات التي تجعل منها هدفًا لتكون مركزًا لتصدير السيارات بين منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا، خاصة في حال الدخول في ركاب الصناعات الجديدة مثل السيارات الكهربائية التي تُعتبر حديثة الإنشاء، ولم تحصل أي دولة على مكانة كبيرة بسوقها، أما عن عوامل الطلب الأولية فلدى مصر مجموعة متكاملة من عناصر الطلب التي تتمثل في وجود معدلات نمو اقتصادي وسكاني قوية، واتساع مساحة البلاد وضخامة شريحة الشباب بين المواطنين، وهو ما يجعل من تكاليف العمالة منخفضة مقارنة بمثيلاتها بالمنطقة، كما أن اتفاقيات التجارة الحرة التي تجمع بين مصر وبين الدول المجاورة بالمنطقة تخلق ميزة إمكانية وصول المنتجات التي يتم تصنيعها في مصر لتلك الأسواق، لكنها أيضًا تضع عبئًا أمام قدرة المنتجات المصرية على مواجهة السيارات المستوردة.

من العوامل التي تجعل مصر جذابة لصناعة السيارات المصرية هو حجم السوق المحلي المتنامي والتوسعات المتوقع أن تحدث في تلك الصناعة كنتيجة ترتبط دائمًا بتحسين جودة الطرق والبنية التحتية، وسهولة الوصول للأسواق الأخرى خاصة الإفريقية منها، وهو ما يجعل مصر بشكل عام وقناة السويس بشكل خاص مؤهلة لتكون مركزًا لتصنيع السيارات الكهربائية في الشرق الأوسط وإفريقيا. وهو ما يمكن رؤيته في السياسة المصرية التي تتوسع حاليًا في إطار حركة التنمية الجديدة، وتهدف إلى تعزيز القدرة الإنتاجية المحلية، بالإضافة إلى بدء إنتاج السيارات الكهربائية كجزء من جهود السعي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030.

مستقبل الصناعة

لا تزال مصر تحاول التوصل إلى اتفاق مع إحدى الشركات العالمية للمشاركة في صناعة السيارة نصر E70 محليًا، وعلى الرغم من فشل المفاوضات بين شركة النصر وشركة دونج فينج الصينية والتي سبق توقيع اتفاقية معها في يناير من عام 2021، نتيجة عدم التوصل إلى اتفاق ينظم سعر منخفض للمكون المستورد، بالنظر إلى تلك الارتفاعات، فهي ترجع بالأساس إلى ارتفاع تكلفة الشحن من الصين إلى مصر بحوالي 4 أضعاف خلال هذا العام، وهو ما يعيق إمكانية شركة النصر على طرح تلك السيارة بأسعار معقولة وخدمة جيدة، ومن ثم فإن ذلك التسعير يجعل فرصة بيع السيارة المصرية بمصر والأسواق المجاورة شبه مستحيل، فضلًا عن أن خدمة ما بعد البيع لدى الشركة تعاني من ضعف كبير أيضًا، تلك النزاعات أفضت إلى إنهاء الاتفاق مع الشركة الصينية ودفع شركة النصر إلى البحث عن عروض من شركات أخرى عالمية صينية وأوروبية. من الناحية الأخرى تمضي إحدى شركات النصر “الشركة الهندسية لصناعة السيارات” في اتفاقيتها مع شركة “برايت سكايز” للتعاون في مجال تصنيع الميكروباصات الكهربائية لأول مرة في مصر.

ومن الجدير بالذكر أنه يتم الحديث عن استراتيجية صناعة السيارات المصرية منذ أكثر من 5 أعوام، وهي تدور بين المكاتب الإدارية في الدولة بين الجهة التشريعية والتنفيذية، وتم تغييرها العديد من المرات، وحتى تغيير اسمها، فقد كانت تسمى سابقًا مشروع برنامج حوافز الضريبة الجمركية على السيارات، لكنها تعرضت لضغط شديد من جانب الشركات التي تستورد السيارات إلى مصر وبيعها من دون جمارك، وهو ما ترتب عليه وقف ذلك المشروع، وفي إعلان ليس هو الأول من نوعه وعدت الحكومة بإطلاق استراتيجية صناعة السيارات في الشهر الحالي (ديسمبر 2021)، ولا يوجد تقريبًا أي معلومات عن محتوى تلك الاتفاقية حيث إنه لا يتم الإدلاء بأي تفاصيل تخص الحوافز والمميزات التي ستحصل عليها الشركات العاملة في مصر، لكن من المتوقع أن تمنح مصنعي السيارات محليًا تخفيضات جمركية على مقياس متدرج مرتبط بنسبة المكونات المحلية التي يستخدمونها، إضافة إلى قواعد جديدة لحساب المكونات المحلية المستخدمة عند تحديد ما إذا كانت السيارة مؤهلة لأن تُسمى محلية الصنع. وقد دفعت تلك المعلومات القليلة المتوفرة بعض وكلاء السيارات في مصر للبحث عن التحول لتصنيع السيارات محليًا، فعلى سبيل المثال تبحث كل من شركة جنرال موتورز والمنصور للسيارات التابعة لمجموعة منصور شراكة لإنتاج السيارات الكهربائية محليًا بموجب اتفاقية تفاهم وقعتها الشركتان والتي من المزمع أن تستمر في الدراسة لمدة ثلاثة أشهر.

وتعكف شركات صناعة السيارات عالميًا على دراسة الوضع وكيفية العمل في السوق، فمنذ الإعلان عن وجود خطة لدى الحكومة لدعم صناعة السيارات محليًا، منذ 5 سنوات تقريبًا، افتتحت في فبراير من عام 2018 شركة مينساك مصنع إنتاج مشترك مع شركة حلوان للماكينات والمعدات بقيمة 5 ملايين دولار أمريكي لإنتاج سيارات تجارية ثقيلة في مصر، وتسعى الشركة إلى زيادة نسبة المكون المحلي في السيارات إلى 40% لتستفيد من اتفاقية أغادير والتي تقضي بإعفاء السلع التي تتجاوز فيها نسبة المكون المحلي 40% من الرسوم الجمركية بين الدول الأعضاء. ووقّعت شركة كيا موتورز أيضًا في مارس 2018 عقدًا لاستثمار 4.24 ملايين جنيه مصري على مدى 5 سنوات لتجميع سيارات كيا في مصر بسعة 15000 وحدة سنويًا. وأخيرًا ففي يونيو من عام 2019 وقّعت شركة مرسيدس بنز والحكومة المصرية اتفاقًا يقضي بعودة الشركة إلى عمليات تجميع المركبات في البلاد بعد أربع سنوات من عدم النشاط، والتي تضمنت إنشاء مركز لوجستي في المنطقة الاقتصادية الخاصة بقناة السويس، والتي تهدف إلى إمداد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمكونات السيارات. كما تسعى شركة رينو إلى إنشاء قاعدة لإنتاج وتجميع سياراتها في مصر نظرًا لجاذبية السوق المصري وموقعه الاستراتيجي بين أوروبا وآسيا ووجود فرصة كبيرة للنمو بالبلاد.

وتُشير تلك المحاولات إلى أن السوق المصري وصناعة السيارات في مصر واعدة، حيث من المتوقع أن ترتفع إجمالي مبيعات السيارات لتصل إلى متوسط نمو سنوي بنسبة 3.4٪ خلال الفترة (2021-2029) لتصل إلى حوالي 270000 وحدة بحلول عام 2029، ومن المتوقع أن يصل إجمالي أعداد الأتوبيسات في مصر إلى نحو 179664 وحدة بنهاية عام 2029، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 17.4٪ مما يعكس الدور الإيجابي المتوقع لقطاع الأتوبيسات والإمكانات المتزايدة للأتوبيسات الكهربائية في السوق، كما أنه من المتوقع أن تجد الأوتوبيسات الكهربائية المنتجة في مصر سوقًا في منطقة الشرق الأوسط مثل الإمارات والكويت وقطر، والتي ستدعم الصناعة المحلية بشكل أكبر.

أحمد بيومي
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة