وحدة الدراسات الاقتصادية

نظرة متفائلة: اتجاهات توليد الطاقة المتجددة خلال السنوات الخمس المقبلة

تُعتبر الطاقة المتجددة العمود الفقري لتحقيق هدف القضاء على الانبعاثات الحرارية المسببة لظاهرة التغير المناخي، ولهذا بدأ العالم في التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، حيث تستعد الطاقة النظيفة للهيمنة بشكل شبه كامل على الإنتاج العالمي الجديد خلال السنوات الخمس المقبلة. وفي هذا السياق، تتوقع وكالة الطاقة الدولية في أحدث تقرير لها أن تمثل الطاقة المتجددة نحو 95% من الزيادة في القدرة على إنتاج الكهرباء في العالم من الآن حتى نهاية عام 2026، وأن تسهم الطاقة الشمسية بنصف هذه الزيادة. ويأتي ذلك على الرغم من ارتفاع تكاليف المواد المستخدمة في صناعة ألواح الطاقة الشمسية ومحركات الرياح. نظرة على توليد الكهرباء من…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

تُعتبر الطاقة المتجددة العمود الفقري لتحقيق هدف القضاء على الانبعاثات الحرارية المسببة لظاهرة التغير المناخي، ولهذا بدأ العالم في التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري، حيث تستعد الطاقة النظيفة للهيمنة بشكل شبه كامل على الإنتاج العالمي الجديد خلال السنوات الخمس المقبلة.

وفي هذا السياق، تتوقع وكالة الطاقة الدولية في أحدث تقرير لها أن تمثل الطاقة المتجددة نحو 95% من الزيادة في القدرة على إنتاج الكهرباء في العالم من الآن حتى نهاية عام 2026، وأن تسهم الطاقة الشمسية بنصف هذه الزيادة. ويأتي ذلك على الرغم من ارتفاع تكاليف المواد المستخدمة في صناعة ألواح الطاقة الشمسية ومحركات الرياح.

نظرة على توليد الكهرباء من المصادر المتجددة

تعهدت غالبية البلدان حول العالم بتقديم المزيد من الدعم لقضية التغير المناخي، حيث اتّفقت الولايات المتحدة والصين (أكبر مساهمين في العالم في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون) على زيادة التعاون بينهما لخفض انبعاثات الميثان، والتخلص التدريجي من استهلاك الفحم وحماية الغابات. فيما أعلنت ألمانيا عن خطتها لتقديم دعم إضافي للدول الفقيرة بقيمة 10 ملايين يورو. في حين تخطط الولايات المتحدة لخفض الانبعاثات الحرارية بنسبة تبلغ حوالي 50% بحلول عام 2030 مقارنة بالمستويات المسجلة خلال عام 2005، هذا بالإضافة إلى الوعود الهندية بخفض إجمالي انبعاثات الكربون بمقدار مليار طن حتى عام 2030. 

وخلال مؤتمر المناخ “COP26” المنعقد في “جلاسكو” في نوفمبر الماضي، تعهدت الدول بوقف إزالة الغابات بحلول عام 2030، والحد من انبعاثات غاز الميثان بنسبة 30% بحلول عام 2030، فضلًا عن تقديم مليارات الدولارات نقدًا لدعم قضية المناخ.

وبدعم من هذه التطورات، من المتوقع أن ترتفع القدرة العالمية للكهرباء المتجددة بأكثر من 60% بحلول 2026 من مستويات عام 2020 إلى أكثر من 4800 جيجاوات، وهو ما يعادل إجمالي القدرة العالمية الحالية للطاقة من الوقود الأحفوري والطاقة النووية مجتمعين. وخلال العام الجاري وحده، من المُمكن أن ترتفع إضافات الطاقة المتجددة الجديدة إلى 290 جيجاوات، متجاوزة أعلى مستوى لها على الإطلاق في العام الماضي، كما يتبين من الرسم الآتي:

الشكل 1- قدرة الطاقة المتجددة المضافة سنويًا

قدرة الطاقة المتجددة المضافة سنويًا

وبشكل عام، لا تزال الصين في الصدارة خلال السنوات الخمس المقبلة، حيث تمثل 43% من نمو الطاقة المتجددة العالمية، تليها أوروبا والولايات المتحدة والهند، وتعتبر هذه الأسواق الأربعة مسئولة وحدها عن حوالي 80% من توسع الطاقة المتجددة في جميع أنحاء العالم.

وعلى الرغم من ذلك فإن مصادر الطاقة المتجددة تواجه التحديات المتعلقة بالتمويل والقبول الاجتماعي وتطور شبكات الكهرباء، بالتوازي مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية والكهرباء بما يزيد الضغط على مصنعي طاقة الرياح والطاقة الشمسية الكهروضوئية.

نموّ الطاقة المتجددة حول العالم

استعرض تقرير وكالة الطاقة الدولية التوقعات المتعلقة بالطاقة المتجددة في عدد من المناطق المؤثرة حول العالم، وهو ما يُمكن توضيحه على النحو الآتي:

1. الصين: من المتوقع أن تزداد قدرة الكهرباء المتجددة في الصين بحوالي 85% أو ما يُعادل 800 جيجاوات خلال الفترة التي تتراوح بين 2021-2026 بقيادة الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح في ضوء مساعي الحكومة الحثيثة للقضاء على الانبعاثات الحرارية بحلول عام 2060، كما حددت الصين هدفًا يتمثل في تحقيق 40% من استهلاك الكهرباء من التوليد غير الأحفوري بحلول عام 2030.

 2.الولايات المتحدة: سوف تزداد قدرة الطاقة المتجددة للولايات المتحدة بنسبة 65% أو 200 جيجاوات خلال الفترة المذكورة سلفًا، مدفوعة بتحديد أهداف طموحة لمواجهة التحديات المناخية، مع تقديم العديد من الحوافز الضريبية الفيدرالية وانتشار شركات الكهرباء المتجددة.

3. الهند: تُشير التوقعات إلى إمكانية أن تضيف الهند نحو 121 جيجاوات من الطاقة المتجددة خلال 5 سنوات، بزيادة قدرها 86% مقارنة بالمستويات الحالية، بما يجعلها ثالث أكبر سوق عالميًا من حيث وتيرة توليد الكهرباء من مصادر نظيفة بعد الصين والولايات المتحدة.

4. الدول الأوروبية: تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تتوسع قدرة أوروبا على توليد الطاقة المتجددة بنسبة 45% عن طريق إضافة 300 جيجاوات، بقيادة الطاقة الشمسية الكهروضوئية وطاقة الرياح، وسيأتي ثلاثة أرباع النمو من سبع دول، هي: ألمانيا، وإسبانيا، وفرنسا، وهولندا، وتركيا، والمملكة المتحدة، وبولندا. وبحلول عام 2026، من المتوقع أن تصل قدرة الطاقة المتجددة في الاتحاد الأوروبي إلى 750 جيجاوات.

الوقود الحيوي

يشهد العالم ارتفاعًا في الطلب على الوقود الحيوي لمستويات تقترب من تلك المسجلة خلال عام 2019، ليرتفع من الانخفاض الهائل الذي حدث العام الماضي بسبب كورونا، ومن المتوقع أن ينمو الطلب على الوقود الحيوي بقوة حتى عام 2026، كما يتبين من الشكل التالي:

الشكل 2- الطلب على الوقود الحيوي وفقًا للمنطقة

الطلب على الوقود الحيوي وفقًا للمنطقة

يتبيّن من الشكل السابق أن أمريكا الشمالية سوف تستحوذ على 40.3% من الطلب على الوقود الحيوي بحلول 2026، لتحتل أمريكا اللاتينية المركز الثاني عند 49.9 مليار لتر/ سنة، فيما سيبلغ طلب آسيا وأوروبا على الوقود الحيوي حوالي 31.9 مليار لتر/ سنة، و29.1 مليار لتر/ سنة.

ومن ناحية الإنتاج، ستمثل آسيا نحو 30% من إنتاج الوقود الحيوي الجديد، ومن المتوقع أن ترتفع الهند لتصبح ثالث أكبر سوق للإيثانول حول العالم بعد الولايات المتحدة والبرازيل، حيث تفوقت آسيا على السوق الأوروبية خلال فترة التوقعات بفضل السياسات المحلية القوية وتزايد الطلب على الوقود السائل والإنتاج المدفوع بالتصدير.

ويواجه الوقود الحيوي عددًا من الفرص والتحديات في آن واحد، حيث قرر عدد من الحكومات اتّباع سياسات تهدف إلى تحفيز الإنتاج والاعتماد على هذا النوع من الوقود. ومن ناحية أخرى، ارتفعت أسعار المواد الخام المستخدمة في إنتاجه، مما أدى إلى انخفاض الطلب عليه وتأجيل الخطط الإنتاجية. فعلى سبيل المثال، ارتفعت أسعار الوقود الحيوي بنسبة تتراوح بين 70% إلى 150% في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وأوروبا، والبرازيل، وإندونيسيا.

ومن أجل تحقيق سيناريو الوصول إلى انبعاثات صفرية، ستحتاج الحكومات إلى تنفيذ السياسات الحالية والمخططة قبل عام 2026 دون تأجيلها، ويجب أن تضمن هذه السياسات أيضًا إنتاج الوقود الحيوي بشكل مستدام، وتجنّب مخاطر آثاره السلبية على التنوع البيولوجي والأنظمة المائية والغذائية. 

ما هو تأثير زيادة أسعار السلع والطاقة على الطاقة المتجددة؟

ساهم ارتفاع أسعار السلع الأساسية في زيادة تكلفة إنتاج وحدات الطاقة الشمسية الكهروضوئية وتوربينات الرياح وإنتاج الوقود الحيوي في جميع أنحاء العالم، مما عكس اتجاه خفض التكلفة الذي شهدته الصناعة لأكثر من عقد من الزمان مما قد يؤخر تمويل بعض المشاريع التي كانت قيد الإعداد بالفعل.

ومنذ بداية عام 2020، قفز سعر البولي سيليكون إلى أكثر من أربعة أضعاف، وزاد سعر الفولاذ بنسبة 50%، والنحاس بنسبة 60%، والألومنيوم بنسبة 80%، فيما ارتفعت أسعار توربينات الرياح والوحدات الكهروضوئية بنسبة تقع بين 10% إلى 25% وفقًا للدولة، مما أدى إلى محو آثار التحسينات التكنولوجية على خفض التكاليف منذ عام 2018. بالإضافة إلى ذلك، زادت رسوم الشحن ستة أضعاف تقريبًا، مما أدى إلى تكاليف إضافية لسلاسل توريد المواد اللازمة لإنتاج الطاقة المتجددة.

وعلاوة على ذلك، شهد الربع الأول من العام الجاري انخفاضًا حادًا في مشتريات الشركات المنتجة للمواد الخام، حيث أبلغ عدد منهم عن تراجع الطلبيات الجديدة بسبب ارتفاع أسعار المدخلات، مما دفعهم إلى تعديل أسعار منتجاتهم النهائية.

وختامًا، ينبغي الإشارة إلى إمكانية عدم تحقق توقعات وكالة الطاقة الدولية بالكامل في ظل انتشار حالة عدم اليقين التي يشهدها العالم حاليًا بضغطٍ من سلالة “أوميكرون” وتزايد أعداد إصابات كورونا، مما زاد من احتمالية فرض الإجراءات الاحترازية وقرارات الإغلاق من جديد.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة