لمصر لا لتوشكي

مستشار وزير الزراعة واستصلاح الأراضى

  لم تقتصر جهود السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية علي تنفيذ العديد من المشروعات القومية الكبرى علي كافة الأصعدة والمجالات والقطاعات والتي تغطي جميع ارجاء الجمهورية من ريف وحضر مثل مشروعات الطرق والنقل والاتصالات والكهرباء والطاقة والزراعة والصناعة والتعليم والصحة والإسكان والمرافق بل امتدت تلك الجهود لتشمل إعادة إحياء المشروعات القومية الكبرى والتي تم البدء في تنفيذها في فترات سابقة ثم توقف تنفيذها أو استكمالها اما بسبب عدم توفر الاستثمارات اللازمة أو لأسباب شخصية أو لكلا السببين معا. ومن هذه المشروعات القومية الكبرى مشروع توشكي والذي أطلق السيد الرئيس إشارة البدء في استكماله وتحقيق أهدافه.    ولقد سبق أن كتبت …

د.سعد نصار
مستشار وزير الزراعة واستصلاح الأراضى

  لم تقتصر جهود السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية علي تنفيذ العديد من المشروعات القومية الكبرى علي كافة الأصعدة والمجالات والقطاعات والتي تغطي جميع ارجاء الجمهورية من ريف وحضر مثل مشروعات الطرق والنقل والاتصالات والكهرباء والطاقة والزراعة والصناعة والتعليم والصحة والإسكان والمرافق بل امتدت تلك الجهود لتشمل إعادة إحياء المشروعات القومية الكبرى والتي تم البدء في تنفيذها في فترات سابقة ثم توقف تنفيذها أو استكمالها اما بسبب عدم توفر الاستثمارات اللازمة أو لأسباب شخصية أو لكلا السببين معا. ومن هذه المشروعات القومية الكبرى مشروع توشكي والذي أطلق السيد الرئيس إشارة البدء في استكماله وتحقيق أهدافه.

   ولقد سبق أن كتبت  المقال المرفق بعنوان لمصر لا لتوشكي  والذي نشر في جريدة الاخبار في عددها الصادر يوم الأحد 7/9/2014 -ولم يكن الدكتور الجنزوري وقتها بالحكومة- أوضحت فيه الجدوى الفنية والزراعية والاقتصادية والعمرانية للمشروع ومكوناته والاستثمارات التي نفذت وأسباب تعثر المشروع وسبل مواجهتها. ولقد نشر الأستاذ مؤمن الهباء الكاتب الصحفي بجريدة المساء بعد مقالي ببضعة أيام العمود المرفق بعنوان توشكي وأخواتها معقبا وموضحا جدوى هذا المشروع القومي الكبير .

ثار ويثور جدل كبير حول مشروع توشكي ( جدواه وأسباب تعثره منذ بداية تنفيذه فى عام 1997 وحتى الان وأسباب العودة إليه ) . وقبل مناقشة ذلك نود أن نوضح أن لهذا المشروع مشروعات كبرى مشابهة فى بعض دول العالم مثل أسبانيا والهند وولايتي كاليفورنيا وأريزونا بالولايات المتحدة الامريكية حيث تنقل المياه لمسافات بعيده للزراعة وخلق مجتعات عمرانية . كما أن هذا المشروع خضع لدراسات عديده فى وزارتي الزراعة واستصلاح الأراضي والموارد المائية والري وعن طريق هيئات وطنية وأجنبيه فى الفترة 61-1963 ثم في 69-1971 ثم في 83-1984ثم فى عام 1996 . وقد أوضحت هذه الدراسات جدوي هذا المشروع مالياً واقتصادياً واجتماعياً .

كما أوضحت بعض الدراسات أن هذه المنطقة كانت فى العصور القديمة ( الروماني والاغريقي ) مكاناً لانتاج وتخزين الحبوب ومد بعض الدول العربية والافريقية وجنوب أوربا بها .

ويعتبر هذا المشروع مشروعاً طويل الأجل متعدد المكونات فهو ليس زراعة وري فقط وإنما أيضا َ صناعة وتعدين واسكان ومرافق وكهرباء وطاقة وتعليم وصحة وطرق ونقل واتصالات وأمن … الخ والدليل على ذلك أن اجمالي استثمارات هذا المشروع كانت تقدر بحوالي 300 مليار جنيه ويبلغ نصيب الاستثمارات الزراعية والري منها حوالي 8 % فقط أى حوالي 24 مليار جنيه . وقبل أن يندهش القارئ الكريم من الحجم الكبير للاستثمارات المقدرة للمشروع نبادر بالتوضيح بأن نصيب الاستثمارات الحكومية فى اجمالي الاستثمارات كانت تقدر بحوالي 20 % فقط فى حين كان من المقدر أن يكون نصيب استنثمارات القطاع الخاص فى إجمالي الاستثمارات حوالي 80 % الباقية كما أن هذه الاستثمارات تنفذ علي المدي الطويل.

وإذا نظرنا إلي الاستثمارات الزراعية فنجد أن ما نفذ منها هو فقط نصيب الحكومة من هذه الاستثمارات ( حوالي 6 مليار جنيه ) حيث تم انشاء محطة رفع المياه من بحيرة ناصر وهي أكبر محطة رفع مياه فى العالم بطاقة حوالي 25 مليون متر مكعب فى اليوم وترفع المياه إلي مستوي 200 م فوق سطح البحر وبحد أدني 22 م وحد أقصي 53 م  وفقاً لمنسوب المياه فى البحيرة (من 147 م إلي 178 م ) وبلغت تكلفتها حوالي 1.5 مليار جنيه . كما تم إنشاء قناه توشكي بطول حوالي 72.5 كم ثم أربعة فروع لها بعد ذلك ويبلغ طول الفرع الأول حوالي 28 كم ويكفي لري حوالي 120 ألف فدان والفرع الثاني بطول  حوالي 31 كم ويكفي لري حوالي 120 الف فدان والفرع الثالث بطول حوالي 23 كم ويكفي لري حوالي 

100 ألف فدان والفرع الرابع بطول حوالي 77 كم ويكفي لري حوالي 200 ألف فدان . وقد بلغت تكلفة انشاء القناه وفروعها الأربعة حوالي 4.5 مليار جنيه وهىتكفي  لزراعة حوالي 540 ألف فدان وهى اجمالي المساحة المستهدف زراعتها بالمشروع من بين مساحة حوالي 2.3 مليون فدان تم حصرها وتصنيفها بمنطقة المشروع لتنمية جنوب الوادي . أما القطاع الخاص فلم ينفذ الاستثمارات الزراعية المأمولة والمستهدفة . ويكفي أن نذكر أن اجمالي المساحات المزروعة فى توشكي حالياً تبلغ حوالي 27 ألف فدان فقط ( 20 ألف فدان لشركة جنوب الوادي من اجمالي 120 ألف فدان  ، 5 آلاف فدان لشركة الراجحي من اجمالي 100 ألف فدان ، ألفين فدان لشركة المملكة للتنمية الزراعية  من اجمالي 25 ألف فدان  ) وأن المساحات الجاري استصلاحها واستزراعها حوالي 25 ألف فدان فقط ( 5 ، 13 ، 7 آلاف فدان للشركات الثلاث على الترتيب ) .

أما الاستثمارات فى باقي مكونات المشروع غير الزراعية فلم يتم بعد تنفيذ أية استثمارات حقيقية تذكر سواءًا كانت استثمارات حكومية أواستثمارات قطاع خاص وهذايوضح أسباب تعثر المشروع.

وإذا عدنا إلي الاستثمارات الزراعية بالمشروع فيتساءلالبعض ألم يكن من الأجدي وفى ظل محدودية الموارد المالية التركيز على التوسع الرأسي أى زيادة انتاجية الفدان بدلاً من التوجه نحو التوسع الأفقي أي زيادة المساحات المزروعة والاجابة أن مصر لا تملك فى ظل زيادة السكان وأزمة الغذاء العالمي رفاهية الاختيار بل لابد من السير فى الطريقين معاً ويكفي أن نعلم أن عدد سكان مصر فى بداية القرن التاسع عشر كان حوالي 3 مليون نسمة والمساحة المزروعة كانت حوالي 3 مليون فدان والآن يبلغ عدد السكان حوالي 100 مليون نسمة والمساحة المزروعة حوالي9،4  مليون فدان فقط  . كما يتساءلالبعض إذا كان من الضروري استصلاح واستزراع أراضي جديدة ( التوسع الأفقي ) ألم يكن من الأجدي وفي ظل محدودية الموارد المالية أيضاً التركيز على استصلاح واستزراع الأراضي المتاخمة للاراضي القديمة فى الوادي والدلتا نظراً لانها أقل تكلفة والاجابة أيضاَ أننا لا نملك رفاهية الاختيار بل لابد من استصلاح واستزراع كل شبر صالح لذلك . كما يجب التذكير بأن المشروعات القومية الكبري فى توشكي ( 540 ألف فدان ) وشرق العوينات ( 220 ألف فدان ) ودرب الأربعين ( 12 ألف فدان ) وترعة السلام ( 620 ألف فدان ) وغيرها كانت تستهدف خلق مجتمعات عمرانية جديدة والخروج من الوادي الضيق وانشاء دلتات جديدة وزيادة المساحة المأهولة من أرض مصر من حوالي 5.5 % إلي حوالي 25 %

وفتح فرص عمل للشباب وزيادة الانتاج للاستهلاك المحلي والتصدير وتقليل الاستيراد علاوة على حل مشكلة التكدس السكاني والحفاظ على البيئة ومنع التلوث.

كما أن هذا المشروع وما يتمتع به من جو جاف وتربة بكر ومياه نقية يمكن أن يمكنا من الاستفادة من وفورات السعة ( الحجم الكبير فى ادارة المزارع ) واستخدام التكنولوجيات الحديثة فى الزراعة والتوسع فى الزراعة العضوية والنظيفة دون استخدام أسمدة ومبيدات كيماوية والاستفادة من الانتاج المبكر للمحاصيل عالية القيمة النقدية والتصديرية وإقامة المجمعات الزراعية الصناعية وبما يزيد من القيمة المضافة . وقد أجرينا أول دراسة تفصيلية للتركيب المحصولي النباتي والحيواني الامثل والدورات الزراعية البديلة وبما يحقق تعظيم العائد الصافي من وحدة الأرض والمياه والاستثمار والعمل فى هذا المشروع القومي الحيوي . ويتضمن التركيب المحصولي محاصيل حقلية كالقمح والشعير البلدي الأسواني والذرة  وبنجر السكر والقطن والفول السوداني وفول الصويا والكانولا . كما يتضمن محاصيل بستانية كنخيل البلح الجاف ونصف الجاف والعنب والتين واللوز والخضر المختلفة كالبطاطس والنباتات الطبية والعطرية والأشجار الخشبية . كما يتضمن حيوانات المراعي الصغيرة كالاغنام والماعز والأبل .وقد أنشأ مركز البحوث الزراعية محطة للبحوث الزراعية بأبو سمبل لإجراء تجارب زراعة تلك المحاصيل وتحديد معاملاتها الزراعية الجيدة وتقدير انتاجيتها وتكلفتها وعائدها وتوفير قاعدة بيانات لخدمة المنتفعين بالمشروع .

وجدير بالذكر أنه لتحقيق الاستفادة القصوي من تمليك الأراضي الزراعية بهذا المشروع للشباب وصغار المزارعين إلي جانب المستثمرين فيجب أن يتم تنظيم هؤلاء الشباب وصغار المزارعين في صورة جمعيات تعاونية زراعية أو شركات مساهمة حتى يمكن اتباع التراكيب المحصولية والدورات الزراعية البديلة المثلي والاستفادة من وفورات السعة واستخدام التكنولوجيات الحديثة فى الزراعة وكذلك حل مشكلات التمويل والانتاج والتسويق الزراعي ومعاملات ما بعد الحصاد .

كما أن نجاح مشروع توشكي ككل وخلق مجتمع عمراني متكامل جديد مرتبط بتنفيذ الاستثمارات المأمولة والمستهدفة فى المكونات الأخري غير الزراعية بالمشروع وخاصة الصناعة والاسكان والمرافق والكهرباء والطاقة والتعليم والصحة والطرق والنقل والاتصالات والأمن وسواءًا كانت تلك الاستثمارات استثمارات حكومية أو استثمارات قطاع خاص . 

د.سعد نصار
مستشار وزير الزراعة واستصلاح الأراضى

مقالات أخرى للكاتب