الغاز الإسرائيلي .. وفرص التعويض لأوروبا

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

تتحرك تركيا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، من أجل استعادة فرص مشاركتها كناقل رئيسي للغاز إلى دول أوروبا، باعتبار الأخيرة الأكثر تأثرا بما يجري على صعيد العقوبات الاقتصادية، وتقييد التعامل مع الجانب الروسي بالأخص فيما يتعلق بالاعتمادية على مصادرها السخية من الغاز، التي شهدت تنامي كبير في السنوات الأخيرة التي سبقت أحداث الأزمة الراهنة. أنقرة ترى أن تعاونها مع إسرائيل في إيصال الغاز الطبيعي إلى أوروبا، هو السيناريو الأكثر واقعية الذي يضع لها ما هو أكثر من موطأ قدم في ساحة شرق المتوسط، الذي وفق تقديرها قد جرى ابعادها عنه بشكل متعمد، على الأقل من قبل حلفاء كانت تظنهم سيرحبون…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

تتحرك تركيا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، من أجل استعادة فرص مشاركتها كناقل رئيسي للغاز إلى دول أوروبا، باعتبار الأخيرة الأكثر تأثرا بما يجري على صعيد العقوبات الاقتصادية، وتقييد التعامل مع الجانب الروسي بالأخص فيما يتعلق بالاعتمادية على مصادرها السخية من الغاز، التي شهدت تنامي كبير في السنوات الأخيرة التي سبقت أحداث الأزمة الراهنة. أنقرة ترى أن تعاونها مع إسرائيل في إيصال الغاز الطبيعي إلى أوروبا، هو السيناريو الأكثر واقعية الذي يضع لها ما هو أكثر من موطأ قدم في ساحة شرق المتوسط، الذي وفق تقديرها قد جرى ابعادها عنه بشكل متعمد، على الأقل من قبل حلفاء كانت تظنهم سيرحبون بهذه الخطط التركية التعاونية.

اليوم وبعد أن تغيرت المعطيات الخاصة بملف الطاقة الأوروبي برمته، أطلت تركيا برأسها وخططها مرة أخرى، هذه المرة مصحوبة بالطموح الإسرائيلي للعب دور رئيسي في سد الفجوة، عبر تزويد الدول الأوروبية بالغاز من احتياطاتها البحرية. فبينما تسعى أوروبا إلى وقف اعتمادها على الوقود الأحفوري الروسي، على خلفية غزو موسكو لأوكرانيا، وهو قرار أوروبي استراتيجي أصبح لا يشوبه الآن سوى الانقسام بشأن الجدول الزمني لتحقيقه، تظل المؤشرات ووفق مصادر من خبراء الاتحاد ترى أن التخلص التدريجي، من الاعتماد على الغاز والنفط والفحم الروسي سيتم وفق ما اتفق عليه ما بين دول الاتحاد بحلول عام 2027 على الأكثر. الطموح الإسرائيلي يأتي هذه المرة عبر مجموعة من المسارات؛ منها الخاص بانشاء خط أنابيب واحد أو أكثر، عبر اليونان أو تركيا، أو من خلال ضخ الغاز إلى مصر لتسييله ومن ثم شحنه إلى دول أوروبا. تلك الرؤية عبر عنها وزير الخارجية “يائير ليبيد” بعد زيارته الأخيرة إلى أثينا، عندما ذكر أن الحرب في أوكرانيا ستغير بنية “سوق الطاقة” في أوروبا والشرق الأوسط، وترى إسرائيل أن لديها القدرة على المشاركة في تلك البنية الجديدة، ويبدو أن هناك قرار اتخذ للمضي في ذلك بكل ما في وسعها.

لكن رغم هذا الزخم والاحتشاد الإسرائيلي للأمر، تخطو تل أبيب بحذر خاصة في المساحات التي تشهد تنافسا يونيا تركيا حادا، فكلا منهما يخطط كي يكون بوابة دخول الغاز الطبيعي إلى أوروبا، وهذه أمور ستحددها التحالفات الدولية لا شك في ذلك. فلازال في ذاكرة إسرائيل القريبة تجربة خط أنابيب “ايست ميد”؛ الذي وضع قبل سنوات على طاولة البحث ما بين إسرائيل وقبرص واليونان، ووصفته تركيا حينها بالمشروع السياسي البحت الذي يفتقد لأي ملامح نجاح تجاري استثماري، كونه بمثابة تحالف مناهض لتركيا بهدف إجبار أنقرة على تقديم تنازلات. لهذا لم يكن رفض الولايات المتحدة دعم وتمويل مشروع الخط مفاجأة، بل اعتبر منطقيا نظرا لتكلفته العالية “6 مليار دولار”، واستغراقه ما لا يقل عن 4 سنوات لاتمام جاهزيته للتشغيل. وبقيت ظلال من التوترات التي نشبت حينها، بين قبرص واليونان من ناحية وتركيا من جانب آخر، وقت أصرت أن لقبرص الشمالية حقوق في الموارد الموجودة بالمنطقة، التي بدأ تحالف الدول الثلاث عمليات الحفر والاستكشاف فيها لتهيئة البدء في المشروع. ورغم توقف المضي في الخطوات حينها، إلا أن التفاعلات الجديدة أعادت الحياة إلى التفكير في خط “ايست ميد”، وتقوم حاليا شركة “بوديسون” في التقدم بانجاز المراحل النهائية من المسوحات الجيوفيزيائية لمسار الأنبوب في مياة كلا من إسرائيل وقبرص واليونان، على أمل أن يكون النفور الدبلوماسي من تركيا قد زال، وتكون هناك فرصة مجددا للبحث عن حلول لاشكالية التمويل الضخم اللازم للمشروع.

تعتمد إسرائيل إلى حد كبير على “حقل ليفياثان” ليكون المصدر الرئيسي لصادرات الغاز إلى أوروبا، وهو الحقل الذي تقوم شركة “شفرون” الأمريكية العملاقة بتشغيله وتمتلك فيه حصة تقدر بنحو 40%، مع شركاء آخرين هم شركة “رشيو” للتنقيب التي تمتلك 15% ومجموعة شركات “دلك” و”آفنر” للتنقيب على حصة تبلغ 22%. الحقل وفق التقديرات المعلنة يحتوي على احتياطات للغاز الطبيعي تتجاوز 610 مليار متر مكعب، وقدرت تل أبيب مع مجمل انتاجها من حقول أخرى أصغر، أن استهلاكها خلال العقود الثلاثة القادمة ستسمح بتوافر 600 مليار متر مكعب للتصدير. وهو رقم قد يسمح لإسرائيل وفق ما بدأت تتحرك على ضوءه، إلى بحث امكانية العمل من خلال المسارات الثلاثة معا، مع مصر وتركيا وكلا من قبرص واليونان، فهي ترى القدرة على السير في هذه المسارات المتوازية، بشرط طمأنة جميع الفرقاء أن العمل مع طرف لن يضر بمصالح أو يهدد التعاون مع الأطراف الأخرى.

خبراء الطاقة العاملين بتلك المنطقة، يعتبرون ثروة إسرائيل المكتشفة والتي دخلت بالفعل حيز التشغيل وتشملها خططها التصديرية، تمثل ما لا يتجاوز ثلث الاحتياطيات المحتملة وفق الدراسات الأولية التي أجريت في مناطق الاستكشاف. ولهذا بدأت الأصوات تعلو داخل تل أبيب وفي أروقة الشركات الأمريكية الكبرى، أن هناك حاجة ماسة اليوم لبيع حقوق الاكتشافات المستقبلية، لتشجيع المزيد من الاستثمار الدولي في الاستكشاف من قبل الشركات الخاصة العملاقة، في الوقت الذي لا توفر إسرائيل سوى تراخيص الاستغلال ودعم التطوير. لكنها لم تقم حتى الآن بالتنقيب عن الغاز أو بناء الأنابيب، باعتبارهما يحتاجان إلى عملاء استثمار كبار قادرون على تحمل ثمن خطوط الأنابيب التي يمكنها اغراء تمويل عمليات التنقيب. وهي حلقة متكاملة ومرتبطة بالعثور على ما يكفي من الغاز لتحفيز هؤلاء، في الوقت ذاته الذي يحتاجون ضمانة وجود الجهة التي سيبيعون لها، وتمثلها هنا الدول الأوروبية افتراضا بعد ما جرى في تفاعلات المشهد الراهن.

من المتوقع أن يزور وزير الطاقة التركي إسرائيل في الأسابيع المقبلة، من أجل التباحث حول امكانية الاحياء النشط لخط الأنابيب الذي يمكنهما في حال اتمامه، أن يدخلا كبديل قوي للمورد الروسي الذي لن يعد لسابق عهده، مهما كانت نتائج الحرب على اوكرانيا. مشروع الخط الإسرائيلي التركي ومن ثم إلى دول أوروبا، تبلغ تكلفته بحسب الدراسات التي أجريت قبل سنوات 1.5 مليار دولار، وبذلك يتفوق على الخط المتجه إلى قبرص ثم اليونان بأفضلية السعر، كما سيستغرق بناؤه عامين فقط. وهو في كل الأحوال يعطي إسرائيل ميزة استراتيجية استثنائية، كونها ستنتقل إلى مستوى المنتجين الكبار القادرون على التداخل في ملف بهذا القدر من الأهمية والدقة، فالمرشح أن تظل توابع اضطراب أسواق الطاقة ممتدة لسنوات كما أخبر بها المستشار الألماني، على الأقل حتى تاريخ 2027 في حال بدأ العمل على نقل بدائل الغاز الروسي، اعتبارا من الآن. كما يبدو الجانب الأوروبي جادا في اعادة صياغة المعادلات الاستراتيجة الجديدة، وقد بدأ بالفعل تحركات على مستويات عدة من أجل تأمين احتياجاته العاجلة من الطاقة، ومن ثم سيذلل أمام مورد مهم كإسرائيل كافة العقبات والاحتقانات التي ظلت عقبة في طريق، يجري تعبيده لوصول الحليف الموثوق والأقرب إلى القلب الأوروبي النابض.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب